غوتام شانتيلال آداني.. رجل النجاة القادر على التكيّف مع التحولات

ملياردير هندي يدشّن عصر تفوّق الطاقة على اقتصاد المعلومات.
الثلاثاء 2022/08/09
رجل المغامرات

لندن ـ بحلول عيد ميلاده الأخير في يونيو الماضي، كان رجل الأعمال الهندي غوتام شانتيلال آداني، يحتفل بمناسبتين، بلوغه الستين وارتفاع أسهمه على مؤشر بلومبيرغ للمليارديرات حول العالم، حتى تفوّق على رجل الأعمال الأميركي بيل غيتس مؤسس مايكروسوفت بنحو 230 مليون دولار الذي كان يتربّع على المرتبة الرابعة في عالم الأكثر ثراءً. وقد قدّم للعالم بمناسبة ذلك تعهداً بالتبرع بمبلغ 7.7 مليار دولار لصالح الأعمال الإنسانية والاجتماعية.

آداني قادم من مجال استثمارات مختلف، قامت استثماراته على المحاصيل الزراعية والفحم والموانئ. وقد ركّز على ما تعرف باسم الطاقة الخضراء التي أطلق اسمها على شركته ”آداني للطاقة الخضراء“. واتسعت الحقول التي يعمل عليها آداني لتشمل المطارات ووسائل الإعلام، ما ضخّم ثروته بقيمة 36 مليار دولار خلال الشهور الثمانية الماضية فقط، وقد كان مجموع ما يملك في ذروة جائحة وباء كوفيد – 19 المليارات من الدولار.

السر في المغامرة

فلسفة آداني تقوم على المغامرة في أي مجال يرى فيه احتمالاً للربح

ولد آداني في أحمد آباد، وانسحب من جامعة غوجارات بعد سنته الثانية في دراسة التجارة، منتقلاً إلى صناعة الماس، وقد عمل في هذا المجال في البداية مجرّد عامل فرز، ثم أصبح يتاجر بالأحجار الكريمة في مومباي.

تأثر آداني بوالده الذي كان تاجر منسوجات صغير، هاجر بعائلته من بلدة ثاراد الصغيرة شمالي ولاية غوجارات، غير أن ابنه غوتام أراد أن يشق طريقه في تجارة مختلفة عن تجارة الأب. فالتحق بشركة ماهيندرا براذرز، ليعمل بعدها وسيطاً لبيع الماس، قبل أن يتجه نحو تجارة المواد الخام الرئيسة لتصنيع البلاستيك.

الكثيرون يعتبرون أن آداني رجل محظوظ، فهو الوحيد الذي زادت أرباحه من بين أكبر 10 أثرياء حول العالم سجلت استثماراتهم خسائر فادحة منذ بداية هذا العام، بسبب الهزات الاقتصادية وكذلك الحرب الروسية على أوكرانيا.

فلسفته تقوم على المغامرة في أيّ مجال يرى فيه احتمالاً للربح، لذلك فقد اقتحم عالم الإسمنت قبل شهرين من الآن، واستحوذ على كافة أعمال شركة الإسمنت السويسرية العملاقة «هولسيم» في شبه القارة الهندية مقابل 10.5 مليار دولار. كما استحوذ على 74 في المئة من مطار مومباي الدولي، ثاني أكثر مطارات الهند اكتظاظاً، ليصبح آداني بذلك أكبر مشغل للمطارات في بلاده.

آداني يعرف كواحد من أباطرة الفحم حول العالم، من بين أكبر أعماله تأسيسه لمنجم فحم في أستراليا بعدما جابه حرباً من منتقدي استخدام الوقود الأحفوري ومن نشطاء حملات المناخ منذ العام 2010

وتبقى مغامرته في الطاقة الأبرز بين المجالات التي يعمل بها، فهو يدرك أهمية التحول إلى الطاقة البديلة مع إبقاء موارد الطاقة الحالية في حالة استقرار، لذلك أعلن عن نيته الاستثمار في 70 مليار دولار مخصصة لمشاريع الطاقة المتجددة.

بات آداني يعرف كواحد من أباطرة الفحم حول العالم، وافتتح في أستراليا منجم فحم عانى كثيراً بسبب نزاعات حول تطويره، فقد جابه حرباً من منتقدي استخدام الوقود الأحفوري ومن نشطاء حملات المناخ منذ العام 2010.

هذا المنجم كان هدفه إنتاج وتصدير 10 ملايين طن من الفحم الحراري كل عام، في خطة تمتد لثلاثة عقود. لكن الصراع اشتد وطال أمده مع آداني لمنعه من إطلاق المشروع، ولذلك الصراع أبعاد أخرى تتعلق بالتنافس في آسيا، بين الصين والهند، وقدرة الصين على شراء الفحم من مكان آخر في العالم غير أستراليا، بعد أن عطّلت بكين واردات الفحم الأسترالي. إذ تُستخدم صادرات المنجم لتوليد الكهرباء في الهند ودول جنوب شرق آسيا وفقاً لـ”برافوس ماينينغ أند ريسورسيز” المملوكة لآداني في أستراليا، وقد اضطر الأخير للحصول على أكثر من 100 موافقة لتأمين تطوير المنجم.

ويقول منتقدو آداني إن توسّعه في إنتاج الفحم يناقض تصريحاته التي أدلى بها في منتدى بلومبيرغ الاقتصادي في الهند وقال فيها “نبذل قصارى جهدنا لجعل مصادر الطاقة المتجددة بديلاً قابلاً للتطبيق بأسعار مناسبة مقارنة بالوقود الأحفوري“. ومع ذلك يدعم آداني رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في مشروعه لتخليص ثالث أكبر دولة تلويثاً في العالم من الانبعاثات بحلول العام 2070.

الناجي من الاختطاف

آداني الوحيد الذي زادت أرباحه بين أكبر 10 أثرياء خسروا الكثير هذا العام

يعتبر الملياردير الهندي نفسه أنه ولد عدة مرات، ففي العام 1998 تعرض آداني لعملية اختطاف، وأطلق خاطفوه سراحه دون الحصول على فدية. قبلها بعشرين عاماً، كان قد ولد في عالم الماس، وبعد سنوات قليلة أصبح تاجر بلاستيك، حين اشترى شقيقه الأكبر مانسو شركة للبلاستيك في أحمد أباد، وعيّنه مديراً للعمليات. وتحول هذا المشروع ليكون بوابة آداني للتجارة العالمية من خلال واردات البولي فينيل كلوريد.

ولم يمض الكثير من الوقت حتى أسس شركة ”آداني للتصدير“ التي أصبحت جوهرة التاج في أعماله العديدة. ثم عاد إلى تجارة والده في النسيج، فاستفاد آداني من التحولات في السياسة الاقتصادية للهند التي طبّقت في مطلع تسعينات القرن الماضي، ما مكنه من توسيع تجارته نحو المزيد من الآفاق وبات قادراً على الدخول في سوق المعادن واستيراد وتصدير المحاصيل والمنتجات الزراعية.

وحين أعلنت ولايته غوجارات عن رغبتها في خصخصة ميناء موندرا تقدّم آداني للحصول على عقد الاستثمار وفاز به، وطورّه لدرجة باتت به طاقته الإنتاجية تفوق 210 ملايين طن من البضائع كل عام. ثم اتجه بعد نجاحه في ميناء موندرا إلى الاستحواذ على ميناء أبوت بوينت في أستراليا. ومن الموانئ البحرية إلى الموانئ الجوية كانت نقلة آداني نحو مطار مومباي الدولي.

الملياردير الهندي يعتبر نفسه أنه ولد عدة مرات، فقد تعرض لعملية اختطاف، ثم أطلق سراحه، وبعدها وجد آداني نفسه وسط عملية إرهابية في فندق "تاج محل" في مومباي راح ضحيتها المئات

ضرب آداني ضربة أخرى في عالم الطاقة، حين أسس ”آداني باور“ التي تتوفر على محطات طاقة حرارية بقدرة 4620 ميغاواط، وهي بذلك تعدّ أكبر منتج للطاقة الحرارية في الهند التي قدّمت له عرضاً بقيمة 6 مليارات لإنشاء محطة توليد للطاقة الكهروضوئية بقدرة 8 آلاف ميغاواط.

من مغامرات آداني تمويل المصارف وتقديم القروض، وقد انتشرت أخبار خلال الربيع الماضي أن إحدى شركاته المصرفية تنوي تقديم قرابة 15 مليار روبية  أي ما يعادل 188 مليون دولار، خلال العام 2024.

وأعلن عن ذلك العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لشركة “أداني كابيتال“، غوراف غوبتا، من خلال خطة الشركة لبيع نحو 10 في المئة من أسهم البنك الظل. وقال غوبتا في مقابلة أجريت معه في مومباي، مقر شركة إقراض المزارعين والشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم إنه ”إذا ما تم إدراج أسهم الشركة؛ ستزيد قدرتك على زيادة رأس المال الإضافي”.

وقد تم تأسيس هذه الوحدة المالية على يد آداني عام 2017، وبدأت صغيرة، ثم سجلت صافي ربح بلغ نحو 163 مليون روبية في السنة المنتهية في 31 مارس 2021 في زمن كورونا.

ثروة الهند الكبرى

آداني يدعم مودي في مشروعه لتخليص ثالث أكبر دولة تلويثاً في العالم من الانبعاثات

لم يتأثر آداني بالخسائر التي تعرّض لها خلال حياته الحافلة بالمغامرة، حين انخفضت أسعار أسهمه وخسر في ثلاثة أيام فقط حوالي تسعة مليارات. بل اتجه نحو استثمار آخر.

التاجر الطموح الذي أصبح مليونيراً في سن العشرين لم ينس اليد العاملة في الهند التي تعتبر ثروة البلاد الأساسية، فهي إلى جانب كونها غير مكلفة، نتيجة ارتفاع نسب الفقر، تتمتع أيضاً بالكفاءة والدقة والإخلاص في العمل، وكان هذا الاستثمار هو الأذكى لآداني الذي وقع في يناير عام 2022 اتفاقية مع شركة «بوسكو» الكورية الجنوبية لاستكشاف فرص العمل في الهند. وتتضمن تلك الاتفاقية إنشاء مصنع فولاذ أخضر في ولاية غوجارات باستثمار محتمل يصل إلى 5 مليارات دولار على مدى السنوات المقبلة.

ومع ذلك كلّه يواجه آداني الكثير من العراقيل التي يضعها الآخرون في طريقه، فقد أثير جدل حول اتهامه بتلقي خدمات خاصة من رئيس وزراء ولاية غوجارات، ناريندرا مودي، مقابل دعمه لمودي في حملته السياسية عام 2014 إلا أن آداني ظل ينفى تلك الاتهامات.

معدّل نمو مؤسسات آداني حسب بلومبيرغ بلغ 50 في المئة خلال هذا العام، أما قدرته على النجاة فمردّها حسب خبراء الاقتصاد تكمن في قرار آداني بالتكيّف مع المتغيرات من حوله وعدم الاستسلام للنمط الواحد

ويترأس آداني منظمته الخيرية التي تديرها زوجته، وتنشط المنظمة في العديد من الولايات الهندية، مهتمة بالتعليم وفرص العمل وتطوير الأحوال المعيشية المستدامة، وتوسيع البنية التحتية للأرياف. وفي مدارس آداني نظام خاص جداً، لا يقبل سوى الأطفال المتحدرين من أسر فقيرة جدًا.

وقد قدّمت منظمته المساعدة المالية لنحو 500 من صيادي الأسماك في تالوكا الساحلية لشراء معدات الصيد، ووفرت دورات لتعليم الصيد للأطفال. وتنظم برامج ودورات لتطوير مهارات البيع بالتجزئة والضيافة والأمن والبناء والهندسة. وحتى الآن تمكّن آداني من النجاة كلّ مرّة من عواصف الاقتصاد التي هبّت على العالم، ومن الاختطاف، ومن العمليات الإرهابية فقد كان موجوداً في فندق ”تاج محل“ في مومباي عام 2008 عندما وقع الهجوم الإرهابي الذي أدى إلى مقتل وإصابة المئات من الأشخاص.

بلغ معدّل نمو مؤسساته حسب بلومبيرغ 50 في المئة خلال هذا العام، أما قدرته على النجاة فمردّها حسب خبراء الاقتصاد تكمن في قرار آداني بالتكيّف مع المتغيرات من حوله وعدم الاستسلام للنمط الواحد.

12