غادة جمال ترسم ما تحت الجلد كمشهد خاص

رسوم التشكيلية اللبنانية تتميز بخاصية شعرية تضفي الكثير من المتعة على محاولة النظر إلى المشاهد، لتوحي بأن هناك ما يحدث خلف تلك الرقة.
الأحد 2020/03/29
فنانة تستنطق روح الموسيقى

"الطبيعة ــ الإنسان" ثنائية صاخبة لطالما كانت مصدر إلهام للرسامين في مختلف العصور. الطبيعة كما تنعكس في عيني إنسان يتحقق من وجوده النضر من خلال حضورها الملهم. تلك علاقة وجودية شائكة ومعقدة، هي أشبه بالحاضنة التي يمتزج فيها الوهم بالواقع لينتجا أوهاما بصرية مسلية تصل بالمرئيات إلى جذورها التجريدية. وهو ما يجعل من الرسم محاولة جمالية لسبر أغوار المعاني الغامضة.

غادة جمال ترسم عري الطبيعة وعري الإنسان باعتبارهما الشيء نفسه. إنها تكتشف الشيء مجردا من غايته المباشرة. فهي وإن كانت تمزج بين التعبيرية والانطباعية فإنها تسعى إلى أن تصل إلى لوحة تجريدية خالصة بعناصرها كما لو أنها تنبعث من السطح بشكل مباشر ولا تهدف إلى أن تحيلنا إلى مصادرها، ذلك لأنها لا تستعمل إلا خلاصات تجربة بصرية تخترق الأشياء ولا تتوقف عن مظاهرها الخارجية.

انطباع فتعبير فتجريد

الرسم باعتباره علاجا نفسيا
الرسم باعتباره علاجا نفسيا

تنظر الفنانة إلى الطبيعة وبالتوق نفسه تنظر إلى الإنسان من أجل أن تقتنص تلك اللحظة التي يتداخل فيها الاثنان فيكونا الواحد الذي لا يمكن استرجاع أصوله من خلال رؤيته. إنه كائن جديد، هو نتاج الرسم الحريص على عزلته.

تعوّل جمال على الرسم باعتباره خزانة معجزات جمالية. لا شيء يقف بينها وبين أن ترسم بحرفية عالية. يدها قادرة على أن تنقل العالم الواقعي على الورق وعينها قادرة على أن تلتقط قوة التعبير الكامنة غير أن ذلك كله لا يكفي من وجهة نظرها لصناعة لوحة تشبهها.

ما بعد الطبيعة وما بعد الإنسان معا تقع رسومها التي تمتنع عن الوصف لتخلص إلى فكرة أن الرسم يقترح حياة تظهر مراياها وقائع لم يعشها أحد من قبل ولم تنتجها أو تحتضنها الطبيعة.

لذلك فإن رسوم جمال تتميز بخاصية شعرية، تضفي الكثير من المتعة على محاولة النظر إلى المشاهد التي غالبا ما تكون مغطاة بحشد من الخطوط والمساحات اللونية لتوحي بأن هناك ما يحدث خلف تلك الرقة. فيض مشاعر هو انعكاس لتجربة في شد العناصر وإزالة ما هو فائض عنها بحيث تبدو اللوحة كما لو أنها تستجيب لإيقاعات موسيقية تجاورها أو تقع داخلها.

ولدت في بيروت عام 1955 ودرست الرسم في لبنان وكانت تمارس الرسم منذ ثمانينات القرن الماضي. بعد ذلك هاجرت إلى الولايات المتحدة ـ كاليفورنيا عام 1987 لتنال شهادة الماجستير في الفن، ثم التحقت بفرقة موسيقية مؤلفة من عدد من الفنانين العرب المقيمين في الولايات المتحدة. وكان ذلك الحدث بداية علاقتها العملية بالموسيقى العربية. عادت إلى لبنان عام 2002 لتستقر وتقيم معرضا شخصيا في السنة نفسها في قاعة أجيال. تعمل في تدريس الفن في الجامعة الأميركية ببيروت وكذلك في جامعة نوتردام.

دائما سيكون للموسيقى العربية حيز في تجربتها التشكيلية. شعورها الرفيع بقوة تأثير المقامات الموسيقية العربية هو بمثابة دافع عزيز للرسم. فهي تسعى إلى أن ترتجل بناء على توصية الروسي فاسيلي كاندنسكي مفردات عالمها من تشابك خبرتها البصرية بذائقتها السمعية. وهي في ذلك إنما تبحث عن الأسلوب الذي يمكنها من أن تتمثل الأصوات بصريا والمثول بالأشكال أمام الإيقاع وصولا إلى نوع من الانسجام بين ما يُرى وما يُسمع.

فنانة تمزج بين التعبيرية والانطباعية لتصل إلى لوحة تجريدية خالصة
فنانة تمزج بين التعبيرية والانطباعية لتصل إلى لوحة تجريدية خالصة

ولهذا يمكن القول إن تجربة الفنانة تنطوي على نوع من الحساسية تشكله قوة الأشياء في حضورها المرئي والمسموع. الفنانة تقوم من أجل تهذيب حساسيتها بعمل مزدوج. تنصت إلى الأصوات لكي ترى معادلها البصري وهي تنظر إلى الأشياء بإمعان لكي تلتقط أصواتها الخفية. كل ذلك يقع فيما الفنانة تتتبّع، وهي ترسم، خيال يديها المدربتين على الرسم والعزف.

العودة إلى العناصر الأساسية

“في غالبية حياتي الفنية كنت مفتونة بقوة المشهد الطبيعي” تقول جمال. تلك جملة ذات دلالة عميقة. من خلالها يمكننا التعرّف على طريقة معالجة الفنانة لما يقع أمامها من مشاهد، كما أنها تكشف عن المنحى الذي تتطور بموجبه علاقتها بتلك المشاهد.

فبالرغم من الوحدة العضوية التي يتميز بها المشهد البشري أو المشهد الطبيعي المرسوم فإن أيّ محاولة للنظر بإمعان إلى تفاصيل العمل تكشف عن العناية البالغة التي توليها الفنانة لكل جزء من أجزائه مهما كان صغيرا. ولو شئنا النظر إلى تلك الأجزاء بمفردها لاعتقدنا أنها قد جمعت من أجل تأليف المشهد وفي إمكانها أن تنفصل في أيّ لحظة.

ذلك ليس صحيحا تماما. فجمال هي فنانة مشهدية سواء تعلق الأمر بالمناظر الطبيعية أو بالجموع البشرية، غير أنها تسعى إلى توزيع قوة التعبير في اختلاف درجاتها وتنوّع حالاتها بين الأجزاء التي تشكل وحدة العمل.

التفاصيل لدى هذه الفنانة تشكل بنية العمل الفني. من خلال تلك التفاصيل تتمكّن الفنانة من إعادة بناء المشهد حرصا منها على عدم الوقوع في تقليد ما تراه. ذلك لأن هدفها العميق يكمن في الوصول إلى لحظة الفراق التي تقع بين ما هو انطباعي وتعبيري وبين ما هو تجريدي.

في مكان آخر تقول “أنا في المقام الأول رسامة تجريدية تستعمل المشهد للتعبير عن الدوافع الفنية”. لذلك فإن أشدّ ما تخشاه الفنانة أن ينتهي العمل الفني عند متعة التعبير. ذلك هو عدوّها الذي تحاول أن تنتصر عليه حين تعيد تفاصيل المشهد إلى عناصر بنيتها الفنية. أقصد الخطوط والمساحات.

لو أخذنا فكرة “التعبير عن الدوافع” باعتبارها هدفا أصيلا للممارسة الفنية يمكننا أن نكتشف البعد النفسي الذي تنطوي عليه رسوم جمال. فالفنانة التي شهدت وعاشت الجزء الأكبر من الحرب الأهلية اللبنانية لا تزال مسكونة بذلك الخوف الذي هو عنصر جمع وقطع مزدوج بين الأفراد والجماعات على حدّ سواء.

المولعة بالمراقبة

مشاهد بصرية حالمة
مشاهد بصرية حالمة

المشهدية البشرية لديها مستلهمة من الوجع الدفين الذي يخلفه شعور عظيم بالأسى في مواجهة انهيار الأخوة البشرية. لا تحتاج الفنانة إلى التنقيب عميقا في ذاكرتها. لا تزال المشاهد طافحة على السطح. ذلك لأن الحروب الأهلية لا تنتهي، لا بسبب الذكريات وحدها بل وأيضا بسبب الواقع الذي هو صنيعتها.

جمال المولعة بمراقبة المشاهد بترف عينها الساحرة، عين تضفي على تلك المشاهد جمالا هو ليس منها، لا تنسى حقيقة أن تحت تلك القشرة الهادئة يكمن صخب هائل وهو ما تسعى إلى التعبير عنه من خلال ضربات متوترة، سريعة وصادمة.

في كل ما تفعله الفنانة هناك ما يشير إلى رغبتها في الانتقال من مرحلة التعامل البصري مع العمل الفني إلى مرحلة المعالجة الفكرية التي تكون بمثابة عامل مشترك بين أفراد قُدّر لهم أن يتعرضوا لأحداث نفسية متشابهة.

ذلك ما تنطوي عليه مراجعة الأثر غير المباشر للحرب. ما يبقى منها تحت الجلد وليس هناك من وسيلة للكشف عنه سوى الفن. سواء حدث ذلك من خلال سلوك الفنانة وهي ترسم أو ما تسببه المشاهد المرسومة من إطلاق لمشاعر مكبوتة لم يتحرر منها حاملها.

ومثلما تتخلص جمال من خلال الممارسة الفنية من التوتر والانقباض والشعور بالحاجة إلى الصراخ، فإن متلقي أعمالها هو الآخر يتلقى الصدمة التي تهز كيانه وتفرغه مما هو فائض من ألم صار بمثابة ذكرى.

9