عن الذين كانوا مع عباس في لحظة الشؤم تلك

عباس لم يُلغ الانتخابات إلّا ليُلغي النتائج، لقد أدرك أنه سوف يُهزم فآثر الهرب إلى الأمام بذريعة أنه “لا انتخابات من دون القدس” بينما كان يقصد القول “لا انتخابات ولا قدس”.
الاثنين 2021/05/03
محمود عباس نزع شرعيته بنفسه حيال 93 في المئة من الناخبين

جزء من طبيعة الصحافي هو أن يعرف. ولكني ارتأيت الاستغناء عنه من أجل أن أتوجه بالسؤال الصريح التالي: من هم الذين اجتمع بهم الرئيس محمود عباس لكي يبلغهم بقراره إلغاء الانتخابات الفلسطينية؟ ولماذا لم يبلغوه رفضهم لما كان يزمع الإقدام عليه؟ ولماذا علت أصوات الرفض من بعد ذلك؟ وهل ذهبوا إلى الاجتماع معه لكي يتلقوا الأوامر أم لتبادل الرأي؟ وإذا كانوا أفقر شجاعة من أن يقولوا كلمة حق في وجه سلطانهم الجائر، فبأي حق يجوز لهم أن يزعموا أنهم قادة شعب؟ ما الذي جعلهم يسمحون له بالإدلاء ببيان الإلغاء من دون أن يقوم أحدهم ليرمي القفاز (أو أي شيء على الطاولة) في وجهه؟ لماذا لم يخرجوا من قاعة الاجتماع ليتركوه وحيدا يدلي بما يشاء فلا يتحملون المسؤولية عن أنهم كانوا معه في لحظة الشؤم تلك؟

إنه لشيء محير بالفعل. مع من اتخذ عباس ذلك القرار؟ من أيّده؟ ومن قال ماذا في ذلك اللقاء العجيب؟

اجتماعات رايح واجتماعات جاي. تفاهمات من هنا، واتفاقات من هناك، بينما كان يضحك في عبه على الجميع جاعلا من شعبه مضحكة

لقد اختار الرئيس عباس أن يرمي تطلعات شعبه بممارسة حقه في الانتخاب عرض الحائط لمجرد أنه لم يكن يريد أن يلغي الانتخابات، بل أن يلغي نتائجها متذرعا بأنه “لا انتخابات من دون القدس”. بينما الحقيقة هي أن الناخبين المقدسيين كانوا سوف يشاركون في الانتخابات في جميع الأحوال. أربعة أخماسهم يصوتون في مراكز لا سيطرة لإسرائيل عليها، بينما كان يمكن تدبر الوسيلة بعد الأخرى لكي يشارك الخمس الباقي في أعمال التصويت. هذا ما أكدته لجنة الانتخابات المركزية على الأقل. فإذا كان الرئيس عباس والذين أحاطوا به لا يُصغون إلى ما تقوله هذه اللجنة، فلماذا هي موجودة أصلا؟

ولكن، هل المبرر الذي يتبناه الرئيس عباس جدير بالاعتبار؟ هل يوفر عدم تصويت ذلك الجزء من مواطني القدس نوعا من “اعتراف” غير مقصود بسيطرة إسرائيل على القدس الشرقية؟

هذا هراء محض لسببين على الأقل:

الأول هو أن المقدسيين في أرضهم، لا يتزحزحون عن انتمائهم لفلسطين، ولا تتزحزح مقدساتهم وهم يحرسونها بالغالي والنفيس، ويقدمون على ذلك الدليل تلو الآخر كل يوم.

والثاني هو أن مقررات الشرعية الدولية كافية الوضوح. ولا داعي للإشارة إلى أن اتفاقات أوسلو هي التي جعلت الواضح غامضا.

المسألة في الانتخابات لا تقتصر على الحاجة إلى تجديد الشرعية الفلسطينية، وتجديد مؤسساتها، وبعث الحياة في ما تحول فيها إلى رماد، ولكنها مسألة أن يثبت الفلسطينيون أنهم شعب حي، وقادر على أن يمارس الديمقراطية كباقي خلق الله، وأنه جدير بحقوقه، وأنه قادر على بناء دولة جديرة بالاحترام.

الانقلاب على الانتخابات قبل إجرائها لا يُبقي من شرعية الرئيس عباس شيئا إلا ما لا نفع فيه

هذا هو ما يغيب عندما يتم إلغاء الانتخابات. وهو يغيب أكثر عندما يصبح نوعا من فيتو تمارسه إسرائيل على حقهم في أن يتصرفوا كشعب.

قيادة زريبة شيء، وقيادة دولة شيء آخر. وحتى إذا كان من الملائم للرئيس عباس أن يقود زريبة على مقاسه، فليس من الملائم على الإطلاق السماح له بذلك، أو جعله يظن أنه يستطيع التمادي في إهانة شعبه.

لقد جرب طغاة كثيرون هذا السبيل، إلا أنهم انتهوا النهاية التي تليق بهم. ولربما يشعر الرئيس عباس أنه محمي بما هو مقدس لديه (التنسيق الأمني مع إسرائيل) فيجيز له أن يكون وقح العبارة، متغطرسا، وصلف السلوك. ولكن قيل لفرعون “ما الذي فرعنك؟”، قال “الخرفان من حولي”.

الرئيس عباس لم يُلغ الانتخابات إلا ليُلغي النتائج. أدرك أنه سوف يُهزم فآثر الهرب إلى الأمام بذريعة أنه “لا انتخابات من دون القدس”، بينما كان يقصد القول “لا انتخابات ولا قدس”. وقدم البرهان على ذلك عندما جعل الإلغاء من دون موعد بديل. لأنه لو كان قد حدد موعدا، لجاز القول إنه يريد إبقاء الضغط على إسرائيل. ولكنه لم يفعل، لأنه أراد إلغاء الانتخابات، وإلغاء الضغط على إسرائيل!

الانطباع الذي تركته سلطة الرئيس عباس، هو أنها نفذت انقلابا استباقيا لأنها كانت تعرف أن وجود 36 قائمة سوف لن يوفر لقائمة فتح الرسمية الفرصة لاحتلال مقاعد كافية في المجلس التشريعي المقبل.

ولكن الانقلاب على الانتخابات قبل إجرائها لا يُبقي من شرعية الرئيس عباس شيئا إلا ما لا نفع فيه. أما محاولة تجميل التأجيل بالدعوة إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، فإنها لم تكن لتقنع أحدا، طالما أنها ستبدو حكومة تواطؤ أكثر منها حكومة وحدة وطنية بالفعل. وهي على أي حال، بلا برنامج متفق عليه أصلا. فلماذا لم يقل الذين اجتمعوا به ذلك في وجهه؟ أفهل كانوا خائفين؟ من ماذا وهم يتحدثون عبر الفيديو؟

حُسن النيات كان يذهب إلى القول إن الرئيس عباس أراد أن يخرج من حفرة الانقسام والفشل والشلل بقبول الدعوة إلى الانتخابات، إلا أنه على وجه الحقيقة كان يضحك على الجميع.

اجتماعات رايح واجتماعات جاي. تفاهمات من هنا، واتفاقات من هناك، بينما كان يضحك في عبه على الجميع جاعلا من شعبه مضحكة، بكل ما أعد من قوائم انتخابية وبكل ما استعد له من تطلعات.

لقد كان يعرف مسبقا وسلفا أن إسرائيل لن تقدم أي تسهيلات لإجراء الانتخابات في القدس. وكان من الطبيعي لزعيم مخلص أن يتدبر البدائل، ويجعلها جزءا من تلك التفاهمات. إلا أنه، كأي متآمر خبيث، قرر أن يترك الأمور تجري في مسالك الخديعة قبل أن يثقب القارب وهو في وسط البحر.

لقد نزع الرئيس عباس شرعيته بنفسه حيال 93 في المئة من الناخبين الذين كانوا يريدون أن يكون لهم صوت، فحرمهم منه.

المسألة في الانتخابات لا تقتصر على الحاجة إلى تجديد الشرعية الفلسطينية، وتجديد مؤسساتها، وبعث الحياة في ما تحول فيها إلى رماد، ولكنها مسألة أن يثبت الفلسطينيون أنهم شعب حي

ولقد أثبت بنفسه أنه متآمر شرير، مستعد لأن يفعل أي شيء لإهانة شعبه، بينما هو يتخذ من أقدس حقوقه ستار دخان للهرب من استحقاق سياسي وأخلاقي ظل الفلسطينيون ينتظرونه لـ15 عاما.

ولكنه محمي! حتى ولو قاد قضية شعبه إلى الجحيم.

المشكلة لا تكمن فيه هو على أي حال. المشكلة في الذين سمحوا له بأن يتفرعن عليهم وعلى الناس أجمعين.

لو بحثت إسرائيل سبعة أراضين الأرض عن مخاز تخزي بها عشرة ملايين فلسطيني في أربع جهات الأرض، فلن تجد أفضل منه.

8