علي العريض وزير الداخلية السابق أمام التحقيق في ملف تسفير الشباب التونسيين إلى بؤر التوتر

رجل الجهاز التنظيمي في النهضة الذي ظلّ وفيّا للغنوشي.
الخميس 2022/09/22
شخصية لغز في تاريخ حركة النهضة وجب فك شيفرته

لم يكن توقيف علي العريض، القيادي في حركة النهضة الإسلامية ووزير الداخلية السابق في عهد الترويكا، في ملف تسفير الشباب التونسيين إلى بؤر التوتّر أمرا مفاجئا، ليس فقط بحكم موقعه على رأس المنظومة الأمنية التونسية في حينها، ولكن أيضا لكونه الرجل الثاني في حركة النهضة ويعرف جيّدا تفاصيلها وخططها، ويمكن أن يفضي التحقيق معه إلى تبرئة الحركة أو إثبات مسؤوليتها في ملف حساس ظل مثار خلاف سياسي خلال العشرية الماضية.

ويقول مقرّبون من حركة النهضة إن العريض شخصية مؤثرة في تاريخ الحركة، وهو يشبه إلى حد كبير القيادي في الحركة صالح كركر الذي كان له الدور الأكبر في بناء التنظيم من الداخل ونقل الحركة من صورتها الأولى كجماعة دعوية إلى تنظيم إخواني شديد التعقيد.

كما أن العريض استلم هذه المهمة من كركر وقوّى أسس التنظيم بالرغم من التغييرات التي شهدتها الحركة الإسلامية من جماعة ثم إلى حزب إسلامي ثم إلى حزب سياسي.

ويعرف العريض بأنه رجل التنظيم وليس التنظير، فهو يتصدّر الواجهة في كل أزمة تعرفها الحركة مع النظام، من دون أن يكون قياديا معروفا أو خطيبا في المساجد أو رجل سياسة قبلة لوسائل الإعلام مثلما هو الحال مع رئيس الحركة راشد الغنوشي أو عبدالفتاح مورو أو حمادي الجبالي، أو شخصيات أخرى اختفت من الواجهة بالانسحاب أو الاستقالة بسبب الخلافات التي عرفتها الحركة في ظل الصراع على المواقع والإشراف بين الداخل والخارج أو بعد الثورة وهيمنة تيار الغنوشي على مختلف مؤسسات الحركة وحضورها السياسي والإعلامي.

الإمساك بملفات حساسة

العريض يعرف بأنه رجل التنظيم وليس التنظير، فهو يتصدّر الواجهة في كل أزمة تعرفها الحركة
◙ العريض يعرف بأنه رجل التنظيم وليس التنظير، فهو يتصدّر الواجهة في كل أزمة تعرفها الحركة

يشير المقربون من الحركة إلى أن بقاء العريض في وضع الرجل الثاني في الحركة يعود إلى إمساكه بالملفات الداخلية، وخاصة حضوره القوي لدى جيل المواجهة مع الرئيسين الراحلين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، ونجاحه في أن يكون حلقة وصل ووساطة بين مختلف التيارات القديمة والجديدة، وهو ما فرض على الغنوشي القبول ببقاء العريض إلى جانبه بالرغم من مخاوفه من أن يكون منافسه على قيادة الحركة في المؤتمر الحادي عشر الذي تأجل مراراً.

ويعتقد هؤلاء أن الغنوشي لا يستطيع التخلي عن العريض ولا تعويضه بأيّ من العناصر الصاعدة، فهو حليفه في مواجهة الغاضبين والمستقيلين، وهو في نفس الوقت الوسيط معهم، وهو الذي يضمن بقاء ماكينة التنظيم إلى جانب الغنوشي وليس في صف خصومه.

علي اللافي: العريض ليس قياديا عاديا بل هو رئيس الجهاز التنظيمي والأقرب إلى الغنوشي

كل هذه العناصر تجعل علي العريض مفتاحا ضروريا لفهم ما يجري في النهضة بعيدا عن أعين الناس، فهو الرجل الوحيد المؤهل للكشف عن حقيقة صراعات الحركة الداخلية وأجنحتها، وكذلك أجنداتها الخفية، وحضورها في مؤسسات الدولة، أو ما يوصف بالجهاز الموازي في الداخلية والجيش، وهو الجهاز الذي يقف وراء محاولة الانقلاب في 1987 ضد بورقيبة، والتي أجهضها بن علي بالتحرك قبلها بيوم واحد. ووحدات البحث في الشرطة والحرس تعرف العريض جيدا وتمتلك ملفا ضافيا عنه، وهو ما يفسر توقيفه على ذمة التحقيق في ملف التسفير.

ويقول محللون إنه كان بإمكان العريض خلال فترة قيادته لوزارة الداخلية أن يميط اللثام عمّا كان يجري من عمليات تسفير منظمة وبشكل متسارع شملت الآلاف من الشباب. ويثير تكتّمه على ما جرى تساؤلات حقيقية عن تلك الفترة، هل كان الوزير الداخلية وقتها يعرف بما يجري وفضّل السكوت؟ ولماذا ولمصلحة من؟ هل كان على الهامش واختار الصمت حتى لا يقال إنه وزير بلا تأثير؟ معتبرين أن الفرصة مواتية للعريض أن يتكلم ويكشف ما جرى، وأن صمته يصبح مؤشر اتهام.

وقال علي اللافي الكاتب والمحلل السياسي والمطلع على كواليس التيارات الإسلامية والإخوانية في المنطقة المغاربية لـ"العرب" إن "ملف التسفير يجب أن يُفتح ويَعرف الرأي العام كل الحقيقة. وهذه القضية في الحقيقة هي ردّ فعل من النائبة المنتمية لحزب نداء تونس والتجمّعية السابقة (نسبة إلى التجمع الدستوري الديمقراطي) فاطمة المسدّي على قضية عبدالكريم العبيدي (أمني بالمطار)".

وأضاف اللافي أن "النهضة كانت طرفا في الحكم مثلها مثل نداء تونس والتكتل الديمقراطي والمؤتمر من أجل الجمهورية، وتتحمل المسؤولية مثل البقية، والعريض كان وزيرا للداخلية ويعرف كل الأطراف الإقليمية والدولية وعلاقاتها بملف التسفير وترابطها مع من قام بالتسفير، وهو نفس الوزير الذي منع تونسيين دون 35 سنة من السفر كتصد منه للتسفير، وهو من صنّف أنصار الشريعة كتنظيم إرهابي والآن الملف فيه بعد فني وقضائي، وهناك تسييس للقضية".

وتابع اللافي "العريض هو قيادي في الحركة وكان وزيرا للداخلية، ولامس الملف، وبالتالي إذا كان هناك إخلال فسيحاسب عليه، لكن الملفّ مسيّس من حيث طرحه وتفاصيله"، متسائلا "لماذا تمّ توقيف عشرات الأئمة والعودة إلى الملف قبل الانتخابات التشريعية؟".

مسؤولية الفشل 

الغنوشي لا يستطيع التخلي عن العريض ولا تعويضه بأي من العناصر الصاعدة، فهو حليفه في مواجهة الغاضبين
◙ الغنوشي لا يستطيع التخلي عن العريض ولا تعويضه بأي من العناصر الصاعدة، فهو حليفه في مواجهة الغاضبين

العريض ليس قياديا عاديا، حسب اللافي، بل هو رئيس الجهاز التنظيمي، واختار في سنة 1979 البقاء في حركة الاتجاه الإسلامي، وقاد التنظيم في أكثر من مواجهة، وهو الأقرب إلى الغنوشي، وهو من بنى التنظيم، وبالتالي فهو ليس قياديا عاديا حتى يخرج من الحركة كما فعل آخرون.

ويقول خصوم العريض إنه يتحمل المسؤولية عن فشل وزارة الداخلية خلال فترة إشرافه عليها، وكذلك خلال تقلده منصب رئيس حكومة، في تفكيك شبكات التسفير أو على الأقل توقيف بعض المنظمين ما كان سيساعد على كشف بقية الشبكات وأهدافها، وأن حصيلة عمله لمدة 14 شهرا في وزارة الداخلية ليست موضع إجماع بل هناك من اتهمه بالتراخي في مواجهة التيار السلفي العنيف.

وأفاد المحلل السياسي المنذر ثابت أنه "من حيث المكانة التنظيمية، يعتبر العريض إلى جانب شقيقه عامر العريض من ركائز النهضة ومن القيادات الفاعلة والوازنة في سوسيولوجيا الحركة، فضلا عن انتمائه للوبي الجنوبي الوازن داخل النهضة".

وقال ثابت لـ"العرب" إن العريض يعتبر العمود الفقري للحركة من الناحية السياسية، وتم استدعاؤه للتحقيق في ملف التسفير نحو بؤر التوتر لصفته السابقة كوزير داخلية، وما حصل خلال تلك الفترة، ومن المفروض أن يكون على علم بالأحداث من خلال الاستخبارات، وكانت تحت سلطته أجهزة المخابرات.

ووصف ثابت الرجل بـ"الصلب والعقائدي"، موضّحا "هناك من يرى في العريض الوريث الشرعي للغنوشي، بل هو روح التنظيم ويرى في نفسه وريثا شرعيا للغنوشي على رأس الحركة بمنطق الثبات على المواقف والتضحية والنضال".

المنذر ثابت: رجل صلب وعقائدي وهو روح التنظيم ويرى في نفسه وريثا شرعيا للغنوشي

وتوجد سرديتان في تاريخ الحركة، سردية المواجهة والعنف في حركة النهضة وعرفت حضورا دائما للعريض خلالها، بدءا بمواجهات 1981 مع نظام بورقيبة، ثم مواجهات سنوات 1985 و1986 و1987 ومطلع التسعينات مع نظام بن علي حيث كانت الحركة تتبنى العنف السياسي، ومنذ تجربة 18 أكتوبر 2005 اعتنقت النهضة منهج التغيير الديمقراطي إلى حدود 25 يوليو 2021، وتاريخ العريّض غير منفصل عن السرديتين.

وحسب ثابت فإن التحقيق مع العريض ليس لكونه من رجالات الصفّ الأول في الحركة، بل لصفته الوزارية خلال تلك الفترة الخطيرة سياسيا، وهو في مستوى الظهور الإعلامي انتقائي ويتصرّف وفق خطة اتصالية كلاسيكية، ويعتمد أسلوب ندرة الاتصال وجوهرية الرسائل، وهو نادر الظهور لكنه معبّر عندما يظهر، وهو من الشخصيات الأساسية في الحركة، ويحمل مسؤولية تاريخية وسياسية وأخلاقية أيضا بشأن ما حصل خلال حكم الترويكا وما جرى في إدارته لوزارة الداخلية.

وحول فتح ملف تسفير الشباب التونسيين نحو بؤر التوتر الذي ظهر بعد ثورة 2011، اعتبر المنذر ثابت أن الفتح الحقيقي للملف يتم بالتعاون مع الطرف السوري، باعتباره ملفا دوليا وخطيرا ويتصل باستراتيجية لا تنفصل عن الربيع العربي، وكذلك من الضروري التحقيق بشأن التسفير في اتجاه ليبيا وتركيا.

وانطلقت التحقيقات في الملف إثر شكوى تقدمت بها النائبة السابقة في البرلمان فاطمة المسدي في ديسمبر 2021 إلى القضاء العسكري، قبل أن يتخلّى عنها لفائدة القطب القضائي لمكافحة الإرهاب نظرا لوجود أشخاص مدنيّين من بين المشتكى بهم.

وتتعلّق القضية بشبكات التسفير للقتال في سوريا والتي نشطت خلال السنوات الأولى إثر الحرب الأهلية في سوريا، لكن حركة النهضة تنفي أيّ صله لها بتلك الشبكات. وقدرت مصادر أمنية ورسمية في السنوات الماضية أن نحو 6000 تونسي توجهوا إلى سوريا والعراق خلال العشرية الماضية للانضمام إلى الجماعات الجهادية، ومنها تنظيم داعش، وقُتل الكثيرون هناك بينما فرّ آخرون إلى بلدان أخرى وعاد البعض الآخر إلى تونس.

وتعرض العريض إلى انتقادات شديدة بسبب عدم نشره قوات كافية من الأمن حول السفارة الأميركية في 14 سبتمبر 2012 حين سعى السلفيون إلى التظاهر أمام مبنى السفارة. وعمت الفوضى حينها قوات الأمن في البداية وتمكن متظاهرون من الدخول إلى محيط السفارة واقتحام المدرسة الأميركية المحاذية، وانتهى الهجوم بمقتل أربعة متظاهرين على أيدي الأمن.

مهندس الحركة

نتيجة التحقيق مع العريض ستكون محددة لحركة النهضة، فهي إما ستبرئها أو أنها ستفتح عليها أبوابا كثيرة
◙ نتيجة التحقيق مع العريض ستكون محددة لحركة النهضة، فهي إما ستبرئها أو أنها ستفتح عليها أبوابا كثيرة

العريض الذي ولد في مدينة مدنين عام 1955 حصل على شهادة الهندسة من مدرسة البحرية التجارية في سوسة، وكان عضوا بارزا في مؤسسات النهضة، خاصة المؤتمر العام ومجلس الشورى منذ الثمانينات من القرن الماضي.

وتقلّد دورا قياديا بعد محاكمة عناصر الاتجاه الإسلامي، وحكم عليه بالإعدام غيابيا، ثم ألقي عليه القبض، ليصدر في حقه حكم جديد بالإعدام ثم صدر عفو عنه.

تولى بعد ذلك منصب الناطق الرسمي لحركة النهضة حتى ألقي عليه القبض بداية التسعينات، وحوكم ضمن قيادات الحركة في صيف 1992 بـ 15 عاما سجنا.

◙ الرجل الصلب والعقائدي يعدّ الوريث الشرعي للغنوشي، بل هو روح التنظيم ويرى في نفسه في المستقبل على رأس الحركة بمنطق الثبات على المواقف والتضحية والنضال

وإثر خروجه من السجن، ظهر مجدّدا والتحق بهيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات التي تأسست خلال إضراب جوع عدد من قيادات المعارضة على هامش قمة الأمم المتحدة لمجتمع المعلومات بتونس.

وعيّن العريض في حكومة حمادي الجبالي وزيرا للداخلية، خلال حكومة الائتلاف بين حركة النهضة وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، أو ما عرف حينها بـ"الترويكا" الحاكمة. كما تولّى رئاسة الحكومة.

وتجمع أوساط سياسية في تونس على أن نتيجة التحقيق مع العريض ستكون محددة بالنسبة إلى حركة النهضة، فهي إما ستبرّئها من التهم أو أنها ستفتح عليها أبوابا كثيرة للتحقيق في ملفات حساسة مثل التسفير والتمويل الخارجي وملف الاغتيالات السياسية.

فترة عمل العريض في مواقعه الحساسة شهدت خلالها تونس توترا سياسيا، بعد وصول حركة النهضة إلى السلطة، ما يؤهله لأن يكون عارفا بتفاصيل مختلف الملفات على غرار ملف تسفير الآلاف من الشبان إلى سوريا وليبيا، فهو الماسك بالخيوط كلها والذي تتجمع عنده كل المعلومات.

12