على سبيل التسلية

الوجوه غير النمطية، التي يصعب التعرف على جذر المحفزات المنتجة لعواطفها، وتصعب قراءة قسمات وجوهها؛ لديها ذاكرة سُفلية أفضل بكثير من ذاكرتها العلوية.
الأحد 2020/11/08
أنفاس محبوسة.. يوم السؤال

تأخذنا خيبة الأمل التي مُني بها “المتنبي” الأميركي؛ إلى مقاربة تشخيصية لحالته الآن، إذ تدلنا استجاباته اللا طبيعية، لوقائع الأحداث خلال الأيام الخمسة الماضية؛ على أن حالته صعبة، وأن الأمر يتعلق بـعَطَب في “قرن آمون” أي الجزء الحاسم من النظام الدماغي، المسؤول عن الذاكرة المكانية، وعن دمج قصير المدى منها مع الطويل.

عندما يمس الضرر “قرن آمون”؛ ينزاح العقل ويلتهب، ويتوقف تخزين الذاكرة الجديدة، وتظهر أعراض شتى، أخطرها التوهان، مع نقص في التأكسج، أي نُدرة التهوية تحت القشرة المُخية، وعجز الذاكرة أو المُخيلة عن التجوال بين ما يُفترض أنها تختزن!

الوجوه غير النمطية، التي يصعب التعرف على جذر المحفزات المنتجة لعواطفها، وتصعب قراءة قسمات وجوهها؛ لديها ذاكرة سُفلية أفضل بكثير من ذاكرتها العلوية، وتعاني من عجز لافت، عن إفراز مشاعر التفاعل الاجتماعي في الوجهة الصحيحة. فمن خلال الدراسات التصويرية العصبية، أو “الباثولوجيا” العصبية، يتضح أن المضروبين في “قرن آمون” يعانون من اضطراب اكتئابي رئيسي، ومن حيرة وارتباك في تحديد تعبيرات الوجه، فيتبدّى المصاب، عاجزا عن رسم قسمات وجهه بشكل صحيح: فهل الذي يراه ويشمه، مُجحف وكريه ويستحق الحزن، أم هو مستفز لكي يستحث الغضب، أم هو مريح وحسن، لكي يستحق السرور؟!

في القرن العاشر الميلادي، أيام أبي الطيب “المتنبي” العربي؛ لم تكن هناك فحوصات مخبرية، ولا عقاقير كيميائية، لفحص وتهدئة مرضى العُصاب. لكننا اليوم، نعرف كل أنواع الأمراض العصبية، ومن بينها “البارانويا” التي تبتلي مرضاها بخليط من الإحساس بالعظمة والشعور بالظلم، مع الارتياب في الناس واحتكار الحقيقة.

للمتنبي الأميركي، أشباه وأحباب لَزَم من أشقائنا اللزَم. وهؤلاء انحبست أنفاسهم في يوم السؤال، وتمنوا للمتنبي الأميركي، الاستمرار في الغطرسة دون التشكي. فــ”البارانويا” إحساس بالعنفوان الرجيم يخالطه ارتياب في الضآلة والشعور الأليم بالمظلومية. وقد وقف الحبيب الأميركي وقفة المرتجف المكابر، أمام الاحتمالين بحكم طبائع النظام الأميركي. لكن أفذاذ العرب، ظلوا على “بارانويا” مخففة، تدمج الغطرسة السعيدة، بالارتياب الافتراضي الذي تحت السيطرة، وهم لا يخوضون سباقات انتخابية سمجة ومضنية، اللهم إلا إذا كانت على سبيل التسلية!

أطرف ما في تجربة المتنبي الأميركي، ما ظهر عليه من فلتان أعيرة الكلام وانفتاح شهيته إلى حكم بلا كوابح. فإن كان محبوه أو موالوه، ديوك أوطانهم، فهو ملك الديوك الأعظم الطامح إلى التتويج بمساعدة الأحباب. فمن هو ذاك الذي يتحدر من أسرة هاربة من المجاعة الكبرى في غربي أيرلندا، لكي يخطف منه الصولجان؟

24
مقالات ذات صلة