علاء بشير رسام يحثنا على الدفاع عن إنسانيتنا

التشكيلي العراقي يتخلى عن دوره رساما نخبويا ليكون رسام الأكثرية المحرومة من الصور الأنيقة.
الأحد 2021/09/26
رسام أكاديمي عالي المهارة

الطبيب الجراح ينافس الرسام المفكر. أيهما الأكثر شهرة وأيهما الأفضل عطاء وأيهما الأشد مهارة وعزيمة في تقنياته وإنسانيته.

علاء بشير يتوزع بين عالمين يبدوان لأول وهلة مختلفين، لا يمت أحدهما بصلة إلى الآخر والمسافة بينهما تختلف في سعتها بين إنسان وآخر.

بشير لم يفكر في الأمر على هذا النحو بل لم تُتح له فرصة التفكير في ما يتوزع بين الاثنين من جهود لضيق وقته ولانتمائه إليهما بالقوة نفسها.

هو محترف وهاو في الوقت نفسه في المجالين. فالجمال هو القاسم المشترك بينهما الذي يطلقه في نزهة بين الحقول النضرة والشاسعة نفسها. جمال الإنسان وجمال إنسانيته.

إنساني بضراوة

الإنسان هو لغز بشير الساحر والإنسانية هي ملعب حكمته. فالحكيم يطارد الحكمة في الرسم مثلما يمارسها في الجراحة

الإنسان هو لغزه الساحر والإنسانية هي ملعب حكمته. فالحكيم يطارد الحكمة في الرسم مثلما يمارسها في الجراحة. هناك حاجة لإنسانية جديدة تخرج الإنسان من أطواره القديمة ولكن الطبع يغلب كما يقول في معرضه الأخير “ذاكرة مشفرة” الذي أقامه في لندن، حيث يقيم منذ سنوات.

الغراب وهو مفردته الأثيرة يكاد أن يختفي من عالمه. الكرسي وهو الآخر واحدة من مفرداته الرمزية يتجلى بطريقة مختلفة.

بشير الذي بدأ مسيرته الفنية في بغداد نهاية خمسينات القرن الماضي مع جماعة الانطباعيين التي تزعمها معلمه وصديقه الرسام الرائد حافظ الدروبي لم يحتفظ من مرحلته الانطباعية إلا بالأسس المدرسية فهو يرسم ببراعة رسام أكاديمي عالي المهارة.

قاده شغفه بالأفكار الماورائية إلى أن يجد في السريالية المستقر الذي يؤسس فيه عالمه الغريب والصادم والفجائعي ويستخرج من عناصر بنيته اللغة الرمزية التي يتشكل من مفرداتها خطابه البصري.       

يمكن اعتباره فنانا ملتزما، لكن من غير إطار سياسي. فالفن بالنسبة إليه ينطوي على رسالة اجتماعية مفرطة في إنسانيتها وهو ما يؤثث صلتها بالجمال بالكثير من أسباب العيش المتدفق.

رسوم بشير بقدر ما تنطوي على المعاني ذات الأهداف السامية بقدر ما تهذب الحواس في اتجاه التماهي مع الجمال واللجوء إليه باعتباره حلا إنسانيا مشرفا ونبيلا.

وفي ذلك لا يشبه بشير الفنانين الملتزمين أو خصومهم من دعاة الفن الخالص أو النقي. فنه يشبهه. فهو لا يميل إلى الأفكار الشمولية فيما يُلزم نفسه في كل ما يفعله بالمعنى.

النحات واستفهامه الوجودي

رسوم بشير بقدر ما تنطوي على المعاني ذات الأهداف السامية بقدر ما تهذب الحواس في اتجاه التماهي مع الجمال واللجوء إليه باعتباره حلا إنسانيا مشرفا ونبيلا.
رسوم بشير بقدر ما تنطوي على المعاني ذات الأهداف السامية بقدر ما تهذب الحواس في اتجاه التماهي مع الجمال واللجوء إليه باعتباره حلا إنسانيا مشرفا ونبيلا

في النحت كما في الرسم ألزم بشير نفسه بالمهارة والاختلاف. فهو لم ينطلق من حيث انتهى النحاتون العراقيون. لقد حضر إلى النحت من جهة مختلفة يغلب عليها شعور الإنسان بمأزق وجوده الذي يضطره إلى أن يعيش حياته مقاوما. كان “أفكار من تراب” وهو عنوان معرضه النحتي الأول  الذي أقامه عام 1992 بمثابة لحظة فارقة في تاريخ النحت الحديث في العراق والعالم العربي حسب جبرا إبراهيم جبرا.

وقد كان قرارا جريئا من قبل الحكومة العراقية أن تحتضن بغداد نصبين من علاء بشير هما “اللقاء” و”الصرخة”. ذلك لأنهما لم يكونا نمطيين على مستوى التداول البصري الشعبي إضافة إلى أنهما تضمنا شحنة خارقة من الاستفهام الوجودي الذي هو مزيج من الألم والأمل والوجع والصبر والاحتجاج. كانا نصبين من أجل الحرية.  

يُسعد بمرح كائناته

شغفه بالأفكار الماورائية يقوده إلى أن يجد في السريالية المستقر الذي يؤسس فيه عالمه الغريب والصادم والفجائعي، ويستخرج من عناصر بنيته اللغة الرمزية التي يتشكل من مفرداتها خطابه البصري

ولد عام 1939. تخرج من الكلية الطبية عام 1963 ثم أكمل دراسته في بريطانيا حيث حصل على شهادة الاختصاص بالجراحة التقويمية ــ التجميلية عام 1972. في الوقت الذي كان بشير فيه يدرس الطب قاده شغفه بالرسم إلى الانتماء إلى جماعة الانطباعيين. هناك كانت مدرسته الأولى. حين استقل بأسلوبه الذي لم يبق فيه شيء من آثار الانطباعية كانت الجماعة نفسها قد اختفت.

عام 1984 أقام معرضا شخصيا مهما في قاعة الرواق ببغداد. قبله كان حضوره بارزا في معارض جماعة الانطباعيين وجمعية التشكيليين العراقيين والمعارض الجماعية العراقية داخل العراق وخارجه. بعد ذلك المعرض أقام معارض عديدة في بغداد وباريس ونية هيفن ونوتنغهام والدوحة ولندن.

غير مرة أقام بشير معرضا لتخطيطاته. تلك رسوم مكتملة ولم تكن مجرد رسوم تمهيدية “سكتيتش” بلغة الرسامين. قبل أكثر من عشرين سنة كان الفنان قد أطلعني في مرسمه ببغداد على المئات من التخطيطات التي كان يعدها لوحات مكتملة وهي كذلك فعلا. حقيقة تلك الرسوم تكمن في أن بشير لا يكف عن تحدي نفسه رساما. لم يخبرني أن يده تحمل له الكثير من المفاجآت. رسومه تقول ذلك. كأن يرسم بخط واحد لا يتوقف. تلك ليست معجزة. ولكن المفاجأة أن تكون النتيجة صالحة للعرض لما تنطوي عليه من جمال فريد من نوعه.

في كل مرحلة من مراحل تطوره الأسلوبي يهتم الفنان بموضوع ما، يتأمله فلسفيا عن بعد غير أن الأهم من ذلك أن يكتشف الممرات التي يمكن أن تؤدي إلى اظهاره بصريا. ذلك لا يعني أن بشير يفكر ثم يصور. تخطيطاته لا تقول ذلك. في تلك التخطيطات يتبع خيال يده. غير أنه في تنقله بين الموضوعات يكشف عن تجدده الأسلوبي وهنا يساهم خيال يده في صناعة مرح لم يكن متوقعا وذلك ما حدث يوم اهتم بشير بموضوع الظل.    

رسام الأكثرية المحرومة من الصور

رسام تشخيصي

رسام تشخيصي إلى النهاية. ليس لديه أي اعتراض على أن يكون الآخرون تجريديين. غير أن التجريدية لا تتسق مع مبادئ إنسانيته. عبر كل مراحل تجربته الفنية كان لديه عنصر مشترك مع المتلقي. قد يكون ذلك العنصر صادما أو مزعجا غير أنه يشكل عنوان حياة.

بشير هو صنيع تجربته التي صارت تتنقل بين تنويعات بصرية هي بمثابة بصمته في الفن الحديث. يمكنك من بعيد أن تنسب اللوحة إلى بشير من غير أن ترى توقيعه. ليست الصور التي يبتكرها انعكاسا لما يراه بل هي من صنع خياله غير أنها لا تخون الواقع. واقعية بشير تبقى في حدود المرئي الذي يعد مدخلا إلى ما لا يُرى من العالم الذي اختار بشير أن يصهره بعالمه.

بشير يتخلى عن دوره رساما نخبويا ليكون رسام الأكثرية المحرومة من الصور الأنيقة

لا يمكن أن يتخلى بشير عن الصورة. هي مصدر إلهامه وهي المنطقة التي يحرص على أن يقبض فيها على مفردات لغته التي تتقدمه ويقدم من خلالها نفسه. يمكنك أن تتعرف على بشير من خلال رسومه. تلك واحدة من أهم لحظات حياته رساما. سيُقال دائما إنه الرسام السريالي الوحيد في تاريخ الرسم الحديث في العراق. ذلك تعريف ناقص.

سريالية بشير لم تزد لوحاته غموضا. وهنا يلعب الوضوح دورا مزدوجا في جذب الجمهور إلى عالم لن يكون واضحا في كل الأحوال. فصور بشير مغرية للنظر. إنها تجذب الجمهور العادي لما تحتويه من ألعاب بصرية تقود إلى معادلات ذهنية تهبها نوعا من الصعوبة. وهو ما يعني أن الرسام غالبا ما ينجح في اصطياد الجمهور العادي. ذلك الجمهور الذي لا يتميز بأي نوع من الخبرة في النظر.

 في النتيجة يتخلى بشير عن دوره رساما نخبويا ليكون رسام الأكثرية المحرومة من الصور الأنيقة. غير أن ما يُفهم من لوحاته من قبل تلك الأكثرية لا يتخطى العتبة كما يُقال. ذلك لا يدفعه إلى أن يتخلى عن ذلك الرهان الذي يعتبره ضروريا في سياق الالتزام الإنساني.

علاء بشير لا يذكرنا بقيم الإنسانية حسب بل وأيضا يحثنا على الدفاع عنها.

9