عشبة التشكيلي إسماعيل نصرة البرية تُطل على شعر الأردني جريس سماوي

انعكاس تشكيلي لقصائد عن شخوص وذوات خائفة ومنعزلة.
الجمعة 2022/09/23
مشاهد كتبها سماوي وصورها نصرة

قدم الفنان التشكيلي إسماعيل نصرة الفن بطريقته الخاصة، ففي آخر معارضه جعل الشعر ملهما له وحاضرا في لوحاته التي استوحاها من قصائد لشاعر أردني راحل، فجاءت أعماله التشكيلية متممة للكلمات ومستحضرة لشخوص الأبيات الشعرية ومعانيها ووقعها في نفس الشاعر والمتلقي معا.

أن تكتب الشعر وتكون فنانا، أو تكون شاعرا وفنانا على السواء ليس بالأمر الجديد. كما ليس التلاقي الافتراضي بين أبيات شعر ولوحات فنية مستوحاة من عالم الشعر حالة غريبة. ولكن اللافت يكون حينما يتسلل فنان تشكيلي بالغ الحساسية إلى عالم شاعر يفوح من أشعاره عطر الورد المُسجى بأشواكه فيحدث ارتجاجا بصريا بديعا مغايرا لنهج الفنان وإن لم يخرج عن منطق عمله الفني العام الخاص به.

هذا ما حدث تحديدا عندما رسم الفنان التشكيلي السوري إسماعيل نصرة لوحات مستوحاة من قصائد الشاعر الأردني جريس سماوي الذي توفي في إحدى صباحات شهر مارس، الحائر دوما، من سنة 2021 وذلك إثر مضاعفات إصابته بفايروس كورونا المستجدّ.

أخبرنا الفنان في حديث مقتضب عن ظروف ولادة هذا المعرض الذي استضافته الصالة الفنية من “مؤسسة رواق البلقاء” الأردنية، حيث قال إن دعوة إقامة المعرض جاءته من الصديق فادي داوود. وعلى حد رأيه، بأن “الشاعر يشبهني كحالة إنسانية وإبداعية.. وبعد أن قرأت ديوانه وتفاعلت معه كثيرا أحسست بأني أرسم وأنا أقرأ بالفعل. وهكذا أنتجت ما يقارب تسعة أعمال بقياسات كبيرة”.

إسماعيل نصرة: الشاعر يشبهني كحالة إنسانية وإبداعية

وأضاف الفنان قائلا “المميّز في الأمر أني كتبت في كل عمل مقطعا من شعري يترجم القصيدة المستوحاة منها اللوحة لونيا وشكليا. وإضافة إلى ذلك قمت بكتابة اسم الشاعر جريس السماوي كنوع من التوثيق”.

لم يخرج الفنان في لوحاته تلك عن فعل التجول على خرائط الحلم الجغرافية مُلتقطا مشاهد مُعبرة عن تصدع الذات التي بقيت مُتماسكة ونبتت في تشققاتها عرائش من أزهار برية خريفية تمظهرت خاصة في هيئة المرأة الواحدة التي تناسلت في جميع لوحاته في ملابس مختلفة وفي تصفيفات شعر مختلفة وفي أعمار مختلفة، لازمتها طفولية غير ساذجة بل “حكيمة”، عرفت عبرها المرأة كيف تحافظ على توهج ابتساماتها الضئيلة حاصدة بذلك المجد من أطرافه: النضج والطفولة.

وحين يحضر الرجل في لوحاته يكون هو الآخر مسكونا بذات الحزن والهدوء، ولكن بوطأة أقل تشي بأنه انعكاس لما تشكله المرأة في لوحات الفنان.

والجدير بالذكر أن الرجل في لوحات الفنان، كما في إحدى اللوحات المُدرجة في المعرض يظهر دوما متناغما مع المرأة. وليس المقصود بذلك فقط من خلال علاقته بها، ولكن أيضا من حيث ملامحه التي حافظت على “خشونة رجولية”، إذا صح التعبير وحساسية بالغة وهدوء عميق غالبا ما رافق المرأة في لوحات الفنان.

أما فيما يتعلق بأعمال التشكيلي إسماعيل نصرة في هذه اللوحات بالذات التي رسمها من وحي أشعار جريس السماوي فيمكن القول إن تبدل حدث بها، تبدل هو. وكما ذكرنا في بداية المقال “ارتجاج بصري بديع لا يخرج عن منطق العمل الفني العام الخاص به”.

ظهر “التحلل” في لوحات الفنان. وجاءت مسحات الألوان، وفق قوانين هذا التحلل، تتلاشى وتتوالد على أطراف أثواب المرأة في لوحاته حينا وتصبح استكمالا لجسد المرأة حينا آخر. وحدث الاختزال البصري الكبير المُشبع بكلمات شاعر تجري كلماته جريانا سريعا لا يتحمل المماطلة على أطراف نهر التعبير.

ملامح تعبر عن حزن دفين
ملامح تعبر عن حزن دفين

وفي حين ظهرت أغلبية نسوة التشكيلي إسماعيل نصرة ملكات في لوحاته الأخرى على خلفيات بصرية واضحة أو وسط مستويين من المساحة، هي في لوحاته هذه كأنها تكونت من خامة المساحة. المساحة الغائمة التي ابتكرها الشاعر في العديد من قصائده (كما في “قراءة في كف امرأة” و”طقوس” وامرأة متخيلة”) التي هي قيد التلاشي كعطر قدره أن يُشبع مسامات الجلد بحضوره.

ونذكر هنا تحديدا بضع كلمات الشاعر جريس سماوي التي أنشأها في قصيدته التي حملت عنوان “طقوس”.

يقول الشاعر “كما يسجد الشمع / في لا نهايته / كما يسكب الضوء في الماء / كل غلالته / حين ألمح غيمة حزن / تمس ذؤابة روحك يا أجمل الملكات أي أنثى من نار أنت؟”.

وينتشر اللون الرمادي بكل تدرجاته في لوحات إسماعيل نصرة دون أن ينسى استحضار بتلات أزهار منمنمة يحار المُشاهد إن كانت أزهارا أو هي نثار نجوم تفرّ من أثواب المرأة أو تكتمل في الفضاء العميق الحاضر ما بين يديها المجتمعتين.

الفنان لم يخرج عن فعل التجول على خرائط الحلم الجغرافية مُلتقطا مشاهد مُعبرة عن تصدع الذات

وتحضر في المعرض لوحتان إحداهما لوجه رجل وأخرى لوجه امرأة (اكتمال الإنسانية) توسطتا خلفية بدت في كلتا اللوحتين أشبه بمشهد طبيعي طرأ عليه تعديل أساسي انقلبت فيه الموازين: فعلى الرغم من أن وجه المرأة ووجه الرجل رسمهما الفنان حصريا باللون الرمادي وتدرجاته فقد بديا وكأنهما أفلاك “شمسية” متوهجة، أرسلتا كل الأشعة الصادرة عنهما إلى خلفية اللوحة. وهما مع ذلك لم يخسرا أي شيء من الألق، بل على العكس.

وتأخذنا اللوحتان إلى أبيات من إحدى قصائد الشاعر سماوي حيث قال فيها “سيمضي الهواء الخبيث / وينحسر المد / يتفتح الضوء من قبة في السماء / تمهل قليلا إذن أيها الموت/ كيما يودع موتى قريبون موتى بعيدين في موتهم، وتمهل كذلك أيضا كي يقوم الفراغ باحتفالاته / باندثار الحياة على الأرض”.

يُذكر أن الفنان إسماعيل نصرة ربما يكون من أهم الفنانين التشكيليين السوريين الذين لم يبارح الفرح لوحاتهم، وظل يتوقد في صميم الحزن وأيضا في حضن الوحدة المُختارة من شخوص لوحاته. هو خريج كلية الفنون الجميلة قسم التصوير عام 1987، وحاصل على دبلوم دراسات عليا سنة 1998. استخدم مواد مختلفة في تشكيل لوحاته منها الورق والخشب، وهو حائز على مجموعة من الجوائز المحلية والخارجية وله مشاركات كثيرة في المعارض الجماعية والعديد من المعارض الفردية، وأعماله مقتناة في عدد من دول العالم.

14