طالبة علم نفس تونسية تتحول إلى مجرمة خطيرة

"فندق نورماندي" رواية أبطالها الأمكنة، تسافر بقرائها من تونس إلى أدنبرة إلى تانزانيا وزنجبار في رحلة مشوقة تقودها الجريمة والاكتشاف.
السبت 2019/10/26
شابة أدخلها فضولها في متاهة من الأماكن والأحداث (لوحة للفنانة هيلدا حياري)

يبقى العمل الروائي الأول من أكثر الخطوات جرأة لأي كاتب. من خلاله يفتح أفقا يمكنه أن يكون واعدا بالكثير مما يأتي من بعده، كما هو حال الكاتبة التونسية الشابة سوسن عوري، التي طرحت أخيرا روايتها “فندق نورماندي”.

تونس – تقدم رواية “فندق نورماندي” للكاتبة التونسية سوسن عوري رحلة شيّقة بين الأمكنة، تقودها أحداث تتسارع كلما تقدمنا فصلا في هذا النص الروائي الذي تبرز فيه بشكل جلي صبغة الجريمة.

الرواية، الصادرة مؤخرا عن دار نقوش عربية في تونس، تتبع رحلة البطلة أثير، وهي شابة تونسية جميلة خجولة، تدرس علم النفس في أدنبرة عاصمة أسكتلندا. وتعاني من الفقد وخيانة حبيبها في تونس لها، تاركا إياها لذكرياتها.

صديقة أثير كولينز ساعدتها بشكل كبير في تجاوز أزمتها العاطفية، إلى أن تزوجت فجأة بحبيبها تحقيقا لرغبة والدها المصاب بالسرطان في مرحلة متقدمة، تاركة إياها مع صديق مشترك هو الضابط ليام.

التحكم في الأحداث

بداية الرواية كانت هادئة نوعا ما. جو ضبابي رطب، وأحداث عادية تتلاحق بعفوية وهدوء، إلى أن تنتقل أثير للعمل في فندق عائلة نورماندي والسكن معها. حينها تنقلب حياتها رأسا على عقب. وتتغير جذريا، من طالبة علم نفس تحاول مساعدة نفسها بوظيفة لتدبر ثمن الإيجار والمصروف، إلى مجرمة تستدرج ضحاياها بدم بارد.

رواية أبطالها الأمكنة ولا يعرف قراؤها الهدوء
رواية أبطالها الأمكنة ولا يعرف قراؤها الهدوء

انقلاب حياة أثير كان حين اكتشافها سر الفندق الصغير الذي يملكه الزوجان نورماندي ويستعملان قبوه لقتل الضحايا وانتزاع أعضائهم والمتاجرة بها.

منذ ذلك الحين تورطت أثير بالعمل مجبرة مع العصابة، حيث هددتها بالانتقام من عائلتها إن هي رفضت العمل في استدراج الضحايا إلى بول الجراح وزوجته لقتلهم وانتزاع أعضائهم.

الأحداث تتحول من الهدوء والرتابة نوعا ما إلى التسارع. جريمة تقود إلى أخرى ومكان إلى مكان.

تبدو الرواية في مجملها رواية أمكنة. الأمكنة لها بطولة هامة. تتطور كما تتطور الشخصيات مثل شخصية أثير وشخصية ليام بين كونه صديقا ترفض حبه أثير وحبيبا ترفض تركه.

الأماكن بداية بأدنبرة التي تدخلها الكاتبة بدقة بالغة، تدخل بنا إلى حاناتها وقلعتها الحجرية وإلى محلاتها وجامعاتها وأنهجها الضيقة ومزرعة والد كولينز أو إلى لندن، تدخل بنا وكأننا في جولة في المدينة بكل أبعادها في شتائها الرمادي القاسي، حيث يبدو التنقل من مكان إلى آخر وكأننا في جولة استكشاف لا للأماكن فحسب بل ولتاريخها ودلالاتها أيضا وهو ما فعلته في تلميحاتها إلى بلدها الأصلي تونس.

انتقلت الرواية بعد ذلك إلى أفريقيا حيث هرب بول وأثير من الشرطة التي اكتشفت أمر العصابة. وهنا تحول جذري في المكان من أدنبرة إلى تانزانيا ومنطقة زنجبار الساحرة.

في تانزانيا تتحول أنشطة العصابة إلى مجال أوسع بالتنسيق مع عصابات محلية، حيث استقطبت إليها عددا من اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين من أفريقيا وحتى من سوريا، كلهم تم اصطيادهم واقتيادهم إلى مكان بعيد، ليقع الفتك بهم واحدا تلو الآخر إثر كل طلبية على الأعضاء البشرية.

كما تذهب الكاتبة إلى بيع الأفارقة لكلاهم طواعية، لتجنب الفقر والحاجة التي يعيشونها. وتذهب الأحداث أكثر في كشف ما تعيشه أفريقيا من جرائم عصابات تتاجر في العاج وتقتل الفيلة وتتاجر في المعادن والألماس وصولا إلى الأعضاء.

المكان أيضا هنا بطل بكل محمولاته مثل الجبال والقهوة والأنهار الصغيرة وغيرها، كلها تخرجها الكاتبة في صورة توثيقية، حيث تريح أذهان القراء من الجرائم البشعة من خلال الغوص في تفاصيل الأماكن.

تتحول الأحداث إلى السرعة القصوى باكتشاف أثير أن من بين اللاجئين المحتجزين كالخراف في أقفاص لاستغلال أعضائهم، كان هناك فتى اسمه ياسر.

ياسر شاب سوري تتعرف عليه أثير وتدرك أنه صديق طفولتها الذي كان يعيش في تونس.

تأخذ الأحداث بعدا تشويقيا أكثر بمحاولة أثير تحرير ياسر، وهو ما تنجح فيه. ويصل ليام من أسكتلندا إلى تانزانيا بحثا عنها، عن الفتاة التي يحبها وتحبه.

بتقنية الاسترجاع التي استعملتها الكاتبة أكثر من مرة، مثل ما هو الحال عند تحذير السائق لها من البقاء في الفندق في أدنبرة، تعود الكاتبة لتحكي لنا قصة حب ليام وأثير. حب اكتفت في المرة الأولى بالحديث عنه دون تعمق حتى تبين للقراء بأنه صداقة فقط.

في تانزانيا يستذكر الحبيبان ماعاشاه في أدنبرة. ويبدأ ليام رحلة خطرة في محاولة لإنقاذ أثير، لكن بول يصر على الزواج بها. وتحت ضغوطه، توافق، إلى أن يموت بول يوم زفافهما.

ينجح ليام بمساعدة أصدقاء تانزانيين في تهريب أثير إلى تونس والعودة إلى الهدوء. هدوء لم يستمر طويلا، لتعود العجلة إلى ما كانت عليه.

الرواية الأولى

أحداث تتحول من الهدوء والرتابة نوعا ما إلى التسارع
أحداث تتحول من الهدوء والرتابة نوعا ما إلى التسارع

الرواية هي الأولى للكاتبة وتنبئ بموهبة سردية جلية في التلاعب بالخيوط بهدوء وتحكم كليين، وفي تشبيك نص مشوق على الرغم من أن الموضوع الذي يطرحه ليس بالمغري، لكن طريقة الطرح هي التي خلقت الاختلاف وجعلت منه عوالم مشوقة. نعت العديدون الرواية على أنها رواية جريمة، ولكن الرواية ليست محصورة في كونها من روايات الجريمة التي اعتدناها خاصة في كتابات أغاثا كريستي ومن خلفها.

الرواية تدخل عوالم الجريمة، تلامس عوالم الروايات البوليسية، لكنها تتحرر من الانضباط التام لملامح تلك الأعمال، حيث تركز على الأمكنة والتفريعات التي تفتحها من خلالها أكثر من تركيزها على الأحداث والشخصيات.

يبقى أن نشير إلى أن العمل لم يخل من بعض الزوائد، وكان يمكن تنحيفه أكثر والتخلي عن أحداث وحتى شخصيات، لكن في النهاية هو عمل خلق تكامله الخاص، والأهم أنه نابع عن جهد بحثي يبدو جليا للقراء.

15