ضلال التفوهات وجنون التطرف

المتطرفون الذين يقتلون الأبرياء هم دائماً الحليف الموضوعي للمستعمرين الذين يحتلون بلادهم، أو الحليف الموضوعي أيضاً، للعنصريين الذين يمارسون التمييز ضد الأقليات التي ينتمون إليها، في بلدان الآخرين.
الأحد 2020/11/01
المتطرفون مسكونون بغرائز عدوانية

لا يختلف اثنان على أن المتطرفين من كل دين، الذين يمارسون العنف على الهوية؛ عديمو ثقافة، ومسكونون بغرائز عدوانية، ويسيئون للرموز وللقضايا التي يريدون إظهار الولاء لها، علماً بأن وسائل عدة متوافرة لمعاضدة القضايا والرموز الدينية والوطنية بشكل حضاري ومحترم!

نحن هنا نتحدث عن قتل النفس بجريرة نفسٍ أخرى، أو رداً على تصريحات قبيحة لحاكم أو مسؤول، لم يكن قد استشار بشأنها مواطنيه أو الضحايا الذين سقطوا من جراء ضلال التفوهات وجنون التطرف. فالمشوهون يسهمون في تحويل مظلوميات شعوبهم إلى مظالم تُنسب لها بغير وجه حق، وتُضعفها أدبياً وتطمس حيثياتها النورانية!

كنت في الآونة الأخيرة قد استكملت كتابة “تاريخ أيرلندا وحركتها الوطنية” ودفعته إلى الطباعة، ويمكن أن أستشهد بواحدة من الخلاصات التي خرجت بها مما قرأت في المراجع، ومما كتبت في تلك الرواية التاريخية على سبيل المثال. فلولا القتل الثأري والعشوائي، الذي مارسه الضحايا الروم الكاثوليك، ضد المستوطنين البروتستانت الأوائل، بدءاً من مذابح “أولستر” في العام 1641؛ لما كان استقلال جزيرة أيرلندا ناقصاً المقاطعات الست التي تتشكل منها أيرلندا الشمالية الآن. فهذه الأخيرة، التي ظلت تحت الحكم البريطاني، تمثل سدس مساحة الجزيرة، بكثافة سكانية أكبر قياساً على مساحتها. فمن يعيشون في سدس الجزيرة يمثلون 30 في المئة من مجموع سكانها. فقد تدفق مستوطنون جدد لحماية مستوطنين قدامى، حتى أصبح عدد البروتستانت يساوي عدد الكاثوليك. وعلى مر تاريخ الجزيرة، كان العنف الذي يطال الأبرياء، سبب التأخر في حصول الشعب الأيرلندي على الاستقلال ويضيع ثمرات نضالات نبيلة وعادلة. معنى ذلك أن المتطرفين الذين يقتلون الأبرياء هم دائماً الحليف الموضوعي للمستعمرين الذين يحتلون بلادهم، أو الحليف الموضوعي أيضاً، للعنصريين الذين يمارسون التمييز ضد الأقليات التي ينتمون إليها، في بلدان الآخرين.

لعل من أطرف الأمثلة الأيرلندية على التأثير الكارثي للعنف المجنون والقتل على الهوية؛ ما حدث للتمرد المسلح على السلطة البريطانية في دبلن في العام 1803. كان قائد التمرد، روبرت إيميت، شاباً بروتستانتياً في الخامسة والعشرين متحالفاً مع الكاثوليك على هدف استقلال أيرلندا. وقد خطط ونفذ التمرد واحتل قلعة دبلن، ثم جاءه النبأ وهو في القلعة عن مقتل قاضٍ بروتستانتي طعناً بالخناجر وبطريقة بشعة وبغير ذنب، على يد إحدى مجموعاته الكاثوليكية المنتشرة في المدينة. فما كان منه إلا أن غادر القلعة مع قواته التي تبعثرت، ولجأ إلى الجبال، ثم ألقت السلطة القبض عليه بعد أسبوعين وحوكم وأعدم، وقبل موته، ألقى من قفص الاتهام خطبة ظلت أحد النصوص المؤسسة للحركة الوطنية الأيرلندية وأخلاقياتها.

24
مقالات ذات صلة