ضغوط داخلية وخارجية على الحكومة العراقية بعد الهجمات على منشآت سعودية

رئيس الحكومة العراقية يؤكد أن بلاده تتصرف بـ"مسؤولية تجاه الأزمة الإقليمية الحالية لحفظ مصالح شعوب المنطقة ودولها".
الأربعاء 2019/09/18
حكومة عاجزة عن ضبط سلاح الميليشيات

بغداد - وضعت تداعيات الهجمات الأخيرة بطائرات مسيّرة على منشآت نفط سعودية، الحكومة العراقية تحت ضغوط شديدة من مصدرين متضادّين أحدهما الولايات المتحدة التي تدقّق في فرضية انطلاق تلك الطائرات من الأراضي العراقية، وثانيهما “المعسكر” الموالي لإيران في العراق من سياسيين وقادة ميليشيات مسلّحة الذين تخشى حكومة رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي إقدامهم على أي تصرّفات أو إصدار مواقف ترسّخ توريط العراق في عملية استهداف المنشآت السعودية التي خلّفت أصداء دولية مدويّة بفعل الرجّة التي أحدثتها في أسواق النفط العالمية.

ويحاول عبدالمهدي إبعاد تداعيات الحادثة عن العراق، مواصلا إرسال الإشارات لتفنيد نظرية تورط بلاده في الهجمات على منشآت النفط السعودية ما يعكس قلق حكومته من وضع البلد على قائمة الأهداف التي يمكن أن يطالها الرد الأميركي.

وعقد عبدالمهدي، صباح الثلاثاء في بغداد، اجتماعا مع الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ والقائد الأعلى لقوات الحلف في أوروبا ومساعدي أمين عام الناتو وقائد البعثة في العراق.

وقال عبدالمهدي خلال اللقاء إن بلاده تتصرف “بمسؤولية تجاه الأزمة الإقليمية الحالية لحفظ مصالح شعوب المنطقة ودولها، ولا يمكن أن يتسبب العراق بأذى لأشقائه وجيرانه”، في نفي جديد غير مباشر لتورط العراق في الهجمات التي طالت منشآت النفط السعودية.

وأضاف رئيس الوزراء العراقي أن “الحكومة لديها رؤية واضحة للحلول ولمواجهة التحديات الداخلية والخارجية ونعمل بجد لسيادة القانون وحصر السلاح بيد الدولة”، مؤكدا أن “سياستنا المتوازنة تخدم استقرار العراق وجميع دول المنطقة”.

رعد الدهلكي: يجب طمأنة السعودية بأن العراق ليس ضد أشقائه
رعد الدهلكي: يجب طمأنة السعودية بأن العراق ليس ضد أشقائه

وتقول مصادر حكومية رفيعة في بغداد لـ“العرب” إنّ “عبدالمهدي يسعى لطمأنة المجتمع الدولي بشأن قدرة العراق على ضبط سلاح الميليشيات الموالية لإيران”، مشيرة إلى أن رئيس الوزراء يعمل حاليا في اتجاهين، يقوم الأول على التواصل مع زعماء المنطقة والعالم لإظهار التزام بلاده بالمواثيق الدولية، فيما يتعلق الثاني بالإدارة الهادئة لملف الميليشيات الموالية لإيران.

وينطلق هذا التصور من واقع عجز الحكومة العراقية حاليا عن مواجهة سلاح تلك الميليشيات وضرورة تهدئة الجبهة الداخلية، أملا في ضبط موقف متوازن يبقي البلاد في منطقة الحياد الإيجابي.

لكن المصادر تؤكد بأن مساعي عبدالمهدي للحصول على ضمانات من دول المنطقة والعالم تُخرج بلاده من قائمة الدول المتوقع شمولها بالرد على الهجمات ضد السعودية، لم تقد إلى شيء واضح خلال اليومين الماضيين.

وفضلا عن ذلك، تشير المصادر إلى أن رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض ونائبه أبومهدي المهندس، رفضا حضور اجتماع يجمعهما معا برئيس الوزراء كان مقررا انعقاده بشكل غير علني، مساء الإثنين.

وعمليا، يبدو الحشد الشعبي منقسما إلى معسكرين يوالي الأول الفياض، ويأتمر الثاني بأمر المهندس، لكن ميزان القوة يميل بوضوح لصالح المهندس الذي يضمن ولاء معظم الفصائل الشيعية المسلحة المقربة من إيران.

ولا تفتقر تلك الفصائل لأوراق الضغط على حكومة عبدالمهدي سعيا لتجيير مواقفها لمصلحة إيران، ومن بين أوراق الضغط وأكثرها تأثيرا قضية طرد القوات الأميركية من العراق عن طريق سنّ قانون في البرلمان يجبر الحكومة على مطالبة تلك القوات بالمغادرة.

واستبعدت مصادر عراقية عامل الصدفة في تقديم العشرات من أعضاء مجلس النواب طلبا إلى رئاسة البرلمان لمناقشة إخراج القوات الأجنبية من البلاد، مؤكّدة ارتباط تقديم الطلب في هذا التوقيت بالذات بظهور فرضية أميركية بأن الطائرات المسيرة التي ضربت منشآت النفط السعودية انطلقت من الأراضي العراقية وليس من اليمن مثلما أعلنت ميليشيا الحوثي، مع ما قد يجرّه ثبوت تلك الفرضية من تداعيات من ضمنها توجيه الولايات المتحدة ضربات عسكرية لقوات الحشد الشعبي المنتشرة على نطاق واسع في العراق دون غطاء جوّي يحميها من ضربات الطيران النفّاث والمسيّر.

وتشير المصادر إلى أنّ اتصالات عبدالمهدي الداخلية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن الحصول على تعهدات بأن قادة الحشد الأساسيين لن يدلوا بتصريحات تصعيدية خلال المرحلة الحالية، ولن يتبنى أحدهم الهجمات ضد السعودية.

وقال محلّل سياسي عراقي إنّ “على عبدالمهدي أن يستعد لمواجهة الأوقات العصيبة وحيدا بعد أن تبين له أن منصبه لا يتيح له السيطرة على قوة عسكرية مهيمنة على الأرض بشكل كامل هي ميليشيا الحشد الشعبي التي يمكنها أن تقوم بكل شيء من غير العودة إليه. وهو ما يعني أن صفته كقائد أعلى للقوات المسلحة لم تعد ملزمة لأحد”، واصفا ذلك بـ“الفضيحة التي تقابلها مساءلة دولية عن حقيقة ما جرى. وهو أمر سيكون أكثر تعقيدا وحرجا إذا ما ثبتت التهمة التي تفيد بأن الصواريخ التي ضربت المنشآت النفطية السعودية قد انطلقت من العراق”.

ويحذّر نواب عراقيون سنّة في البرلمان من زج العراق طرفا في النزاع بين الولايات المتحدة وإيران. وقال النائب عن محافظة ديالى رعد الدهلكي إن “ما جرى ويجري في المنطقة من تصعيد ومحاولات البعض زج العراق كطرف فيها بشكل أو بآخر سيؤدي إلى نتائج لا تحمد عقباها”. وطالب الحكومة العراقية بـ“إرسال رسائل اطمئنان للحكومة السعودية كما حصل في رسائل سابقة لدول أخرى بأن العراق لن يكون بالضد من أشقائه خصوصا، والدول الأخرى بشكل عام، وأنّه ملتزم بعدم الدخول في سياسة المحاور”.

3