صادق كويش الفراجي الباحث عن مدينته المفقودة

رسام عراقي يؤسس لحياة تقع بين الصورة وفكرتها.
الأحد 2021/07/18
فنان تأسره الفكرة

هناك نوع غامض من الرسامين لا تجذبه المرئيات بقدر ما تأسره فكرة أن يكون الشيء مرئيا من خلال تأثيره النفسي. النظر بالنسبة لأولئك الرسامين مسألة تخضع للتفكير الفلسفي، بمعنى أن نكون موجودين من خلال قوة إيجابية أثناء عملية النظر إلى الشيء ومن خلاله. ذلك ما يحدث بشرط أن تنقص متعة النظر من غير أن تختفي نهائيا.

العراقي صادق كويش الفراجي هو من ذلك النوع الذي يؤسس لحياة تقع بين الصورة وفكرتها. بين الفكرة وصورتها. معادلة سيكون عليه أن يقبض على طرفيها بحذر. فهو مع الوقت لم يعد يعتني بالصورة إلا باعتبارها نافذة يطل من خلالها على العالم. غير أنه في الوقت نفسه لا يتخلى عن صفته رساما وإن من خلال تقنيات معاصرة.

من الإيقاع إلى تأوهات الذاكرة

بغداده المتخيّلة يعرف الفراجي أنه لن يجدها إلا على سطح خريطة يصنعها لكي لا ينسى ذلك الشخص الذي كانه. تمتزج تلك الخريطة بصورته فتكون بغداد عبارة عن أثر شخصي، فيما يكون وجه الفنان هو شاشة مفاتن المدينة المفقودة

يوما ما كان زخرفيا بقدر اهتمامه بموسيقى المفردات المتصلة والمتقطعة. كانت لديه مفردات جمالية استعارها من التاريخ الجمالي الرافديني استعملها ليصل إلى موسيقى كان يسمعها داخليا. غير أن ذلك الوهم انتهى ما أن وطأت قدماه الأراضي المنخفضة (هولندا). لقد اصطدم بحقائق بصرية أخرى. وكان عليه أن يفكر في ميزان آخر للعلاقة بالأشياء. كانت ذاكرته جاهزة.

ذاكرة حزينة هي منجم سيظل يعيده إلى مكان وزمان لن يتمكن من استعادتهما غير أنهما سيكونان ماثلين في محيط محاولته لتفكيك شعوره الدائم بالفقدان. مكان وزمان ضائعان لا يمكن التخلص منهما إلا عن طريق استحضارهما الذي يبقى ناقصا، بقدر ما يثيره من صراع محتدم بين الحنين المتشنج والرغبة في الإفصاح عن الألم.

كل ما يقوم به الفراجي هو محاولة وصل ما انقطع من غير أمل في الوصول إلى الصورة التي تكتمل من خلالها الفكرة. لذلك تحتل الحكايات المقتضبة المأسورة تحت قناع سميك من العنف جانبا مهما من عالمه بل إنها تشكل الخيط الخفي الذي يقوده إلى المكان. هناك حيث لا يزال قرينه يقيم.

يبحث عن متلق يشاركه في محاولة الخروج من متاهة الذاكرة وهو غالبا ما يخيّر ذلك المتلقي بين الصور والأفلام والكتابات والحكايات والأصوات التي يصنعها عن طريق تخيلها. وسيكون الحاضر عامرا بالرؤى مثلما كان الماضي الذي مر كما لو أننا لم نعشه. يصر كويش على الإمساك بذلك الماضي بقوة لكي نصدق أن كل شيء يمكن أن يكون جديدا عن طريق الفن.

الماشي على جغرافيا الطفولة

رسوم خاصة

ولد الفراجي في بغداد عام 1960. درس الرسم في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، وحصل على دبلوم عال في مجال تصميم الغرافيك في أكاديمة كنوستانتين هيوغنز بهولندا عام 2000. وفي بداية تسعينات القرن الماضي غادر العراق إلى الأردن وأقام وعمل هناك وبعدها غادر إلى هولندا ليقيم في مدينة أمسفورت.

أقام معارض شخصية في بلجيكا وميونخ وبيروت ودبي وهولندا وهيوستن، كما أنه شارك في الكثير من اللقاءات الفنية الخاصة بالفنون المعاصرة في ريو دي جانيرو ولندن وفينيسيا وأبوظبي والشارقة وكوريا الجنوبية وطوكيو وقطر. كما عُرضت أعماله في معهد العالم العربي بباريس. وفاز عام 2019 بجائزة الدورة الثالثة عشرة لبينالي القاهرة الدولي.

بعد سنوات قضاها في الرسم انتقل إلى عالم الفنون المعاصرة، فإضافة إلى الرسم صار صانع أفلام ومصورا ومركبا وجامع وثائق وراوي حكايات.

في عام 2017 أقام في الإمارات العربية المتحدة "مركز مرايا للفنون" معرضا بعنوان "كان يا ما كان. حديقة الأمة". من خلال العنوان الذي هو عتبة الدخول إلى عالم المعرض حرص الفراجي في كل مرة على أن يمزج الواقع بظلاله، الذاكرة بما يتسرب منها، الخيال بمكائده. بالنسبة إلى البغداديين فإن حديقة الأمة هي اختصار لحياة كاملة. تلك البقعة الخضراء التي تحتل مركز المدينة ولا يمر بها المرء عابرا بالرغم من أن ذلك المرور صار بمثابة عادة. ما من بغداد لو لم تكن حديقة الأمة. ذلك على الأقل بالنسبة إلى جيل صادق كويش الفراجي.

على غير عادته لم يكن الفراجي حزينا في ذلك المعرض. لقد استحضر طفولته عن طريق عمل تركيبي استعمل فيه وسائط مختلفة. ركب الفنان تسع شاشات كان يعرض من خلالها صورا تمثل المكان الذي اختفى وكان يوما ما بمثابة روح المدينة. استحضر جغرافيا من العاطفة. من داخل المكان الممتلئ بالإيقاع ومن محيطه الزاخر بالتفاعل الإنساني. لقد وجد صادق هدفه وأطلق صيحته في اتجاهه. إنه مكانه وهي طفولته.

جدارتيه "غنِّ كما يغني الجنوبيون" تتألف من ثلاثين قطعة نُفذت بالأسود والأبيض، هاجسه فيها أن يقيم انسجاما بين ما يُرى وما يسمعه المشاهد من أغان حزينة للمطرب العراقي سلمان المنكوب

غالبا ما يحضر الفنان في أعماله محلقا كما لو أنه طائر. وهو ما يضفي على الأعمال طابعا حلميا. نتذكر الروسي شاغال في أساطيره التوراتية. تبدو علاقة الفنان بـ"بغداد" أشبه بعلاقته بحكاية مرت بها الألسن لتنتقل بها من عالم الواقع إلى عالم الخيال. بغداد الواقعية لا تختلف عن بغداد المتخيلة. صارت المدينتان واحدة. فمثلما تشظت ذاكرة الفنان تشظت مدينته وصارت مدنا، يعيده جزء منها إليها فيما يعمل جزء آخر إلى طرده منها. لا يصدق أن كل تلك الأغاني التي عذبته كانت سببا في تحويله إلى كائن منفي عن ذاته.ضياع، تشرد، غربة، فقدان، نفي. تلك هي حدود "مواسم بغداد المدينة المفقودة" وهو عنوان معرضه الذي أقامه غاليري أيام ضمن فعاليات "آرت دبي"، معرض هو عبارة عن مشروع استعمل فيه الفنان وسائط مختلفة حاول من خلالها استعادة بغداده المتخيلة التي يعرف أنه لن يجدها إلا على سطح خريطة صنعها لكي لا ينسى ذلك الشخص الذي كانه. تمتزج تلك الخريطة بصورته فتكون بغداد عبارة عن أثر شخصي فيما يكون وجه الفنان هو الشاشة التي تستعرض من خلالها المدينة مفاتنها المفقودة. كما لو أن الفنان أراد أن يقول من خلال 209 قطعة فنية "أنا هي أو هي التي صارت أنا".

كل عمل من الفراجي هو بانوراما للألم. ولكن الفنان يحارب الحنين بأدواته. يمكنه أن يقول "أنا أعود إليك لأحاكيك" تلك طريقة في تعذيب الذات والآخرين معا. وهو يسعى إلى توزيع عذابه، لكي لا يكون وحيدا في غربته. يعرف أن عذابه يتلذذ به الآخرون.

في الأسود، حيث يقيم الجنوبيون

رسوم خاصة

عام 2020 أقام صادق الفراجي معرضا مهما في متحف "ستيدلك" وهو أهم متاحف هولندا للفن الحديث. ضم ذلك المعرض عددا من أعمال الفنان التي نفذها في محاولة منه لاستدراج الصور والأصوات معا صانعا أفكارا ليست سعيدة. ففي جدارتيه "غنِّ كما يغني الجنوبيون" التي تتألف من ثلاثين قطعة نُفذت بالأسود والأبيض كان هاجسه الأساس أن يقيم انسجاما بين ما يُرى وما يسمعه المشاهد من أغان حزينة للمطرب العراقي سلمان المنكوب.

من وجهة نظري فإن الفراجي وصل إلى غايته التعبيرية. العراق باعتباره بلدا ظالما ومظلوما. وإذا ما كان الفنان يحرص على استعمال الأسود والأبيض في إنجاز صوره فقد كان صوت المنكوب هو الوسيلة لملء الثغرات بين العالمين. لا أعتقد أن فنانا معاصرا استطاع أن يرسم صورة للعراق بتحولاته المأساوية مثلما فعل الفراجي. صورة لا يُعبر عنها ما يُرى منها بل هي مقيمة في الصوت المبحوح الذي يعبر عن جرح أبدي.

Thumbnail
9