شيعة العراق أميل إلى ذهنيّة التجنيب في وجه ذهنية الزج

شيعة العراق أميل إلى تجنب إيران، وطلب الاستقرار والتنمية، فبأي خطوات عملية ستواجه "ذهنية التجنيب" لدى مراجع النجف، ذهنية الزج الإيرانية لشيعة العراق في حرب محتملة مع الولايات المتحدة.
الخميس 2019/05/16
نظام الولي الفقيه أثبت جدارته في اختراق نموذج السيستاني

لا وجود لحماسة تذكر، لدى معظم الجمهور الشيعي في العراق، للاصطفاف مع إيران في مواجهتها مع الولايات المتحدّة الأميركية، خصوصا في حال اندلاع مواجهة عسكرية، بل على العكس، بدأت تظهر حالة الخصومة الواضحة مع طهران ونظامها.

فثمّة ذهنيّة لدى مراجع النجف، برز أعمق تمظهر لها، في فترة ما بعد الاحتلال الأميركي للبلاد عام 2003، في تجنيب البيئة الشيعية الصدام مع الولايات المتحدّة، واتباع نهج “المقاومة السلمية” عبر خيار الانخراط القوي في العملية السياسية التي أرسى أسسها الحاكم المدني الأميركي بول بريمر، حيث لعبت المرجعية العليا في النجف ممثلة بالسيد علي السيستاني، الدور الأبرز في إنجاح الانتخابات البرلمانية الأولى في يناير 2005، بدعوته إلى المشاركة الكثيفة والتصويت لصالح الكُتل الدينية.

خيارٌ ينم عن”ذهنية تجنيب” مُتأصلّة لدى مرجعيّة النجف، كثيراً ما تمظهرت عبر التاريخ بتفاوت، تهدف إلى تجنيب الشيعة الخوض في الصراعات مع الكبار، لصالح الحفاظ على الاستقرار الوجودي، فالرُهاب الأقلوي (الأقلوية هنا إقليمياً وعالميا) عامل محرّك للسلوكيّات الشيعية الدينية في البلاد، بعد تاريخ طويل من الصراعات والأثمان، في محيط إقليمي لا يوفّر الطمأنينة الوجودية لكافة مكوناته، نظراً إلى ضعف الاستقرار الدولتي والديمقراطي بمجمل أقطاره، وواقع التدخلات الدوليّة العدائيّة للهيمنة على المنطقة.

من هنا كان ذلك الميل الاجتماعي العام إلى شيعة العراق، وكذلك خيار مرجعيّة السيستاني بسلك الطريق السياسي مع الاحتلال، فمن خلاله يستطيع بناء دولة للشيعة ممسوكة ومستقرّة غير معادية للولايات المتحدة الأميركية ومحيطها، ومحمية بشبكة علاقات متوازنة ومستقرة مع دول الجوار والعالم، حرص السيستاني على أن يكون له الدور المركزي فيها، وذلك من خلال دعوته إلى التصويت لرجال الدين، وتشديده على الرجوع إليه دائما كمستشار يعطي النصيحة والمشورة، بذلك يضمن سيطرة إسلاميّة شيعية على الدولة، ويقدّم نموذجا شيعيا مقابلاً لولاية الفقيه في إيران، لا وليا فقيها فيه إنما مستشارا ينظم المسارات السياسية والقانونية والمجتمعية عبر الأطر الدستورية والمؤسسية “الديمقراطيّة”، مع حفظ تمثيل بقية المكونّات فيها.

نموذج يختلف في أهدافه العميقة عن النموذج الشيعي الخميني في إيران، وإن التقيا في تكريس سلطة رجال الدين، وما تنطوي عليه من ظلاميّة واستلاب سياسي ومجتمعي وإنساني، وعرقلة للتطور المدني.

فالسيستاني ينطلق من مسألة التجنيب الشيعي، وعدم الزج بهم في قتال الدول الكبرى وإن جاؤوا محتلّين، في حين ينطلق النموذج الخميني من الطموح الإمبراطوري الإيراني، في تعميم سلطة طهران المركزيّة على “العالم الشيعي”، وربط خيوط تحريكه بأيدي الولي الفقيه، عبر إقحام الشيعة في محارق المعارك مع خصومه الدوليين والإقليميين.

فبين ذهنية التجنيب وذهنية الزج، تناقض حاد تجلّى صراعه عراقيا، في كافة ميادين الفعل السياسي والعسكري الشيعي. فإيران استطاعت وبقوّة خرق نموذج السيستاني، عبر قوى سياسية شيعية تقلّد الخامنئي، ولها ميليشيات مسلّحة سخّرت إيران من أجل أن تتحّكم في الدولة العراقيّة، إمكانات مالية واستخباراتية كبيرة، كانت ثمرته شغل نوري المالكي كرسي رئاسة الحكومة لدورتين على التوالي، كما برعت في استثمار ما ساهمت في صنعه، أي احتلال تنظيم “داعش” لمناطق واسعة في غرب وشمال العراق وتهديده بغداد، في تقوية أذرعها العسكريّة.

واستفادت طهران من فتوى مرجعية النجف بالجهاد الكفائي ضد “داعش”، في تأسيس الحشد الشعبي، وتمكنت من قيادته وتأصيل ميليشيات تابعة للحرس الثوري الإيراني ضمن جسده، وإصدار قانون عبر مجلس النواب لشرعنته وتبنّيه من قبل الحكومة العراقيّة، وتشغيله في مهمّات خارج البلاد،علما أن نص الفتوى لا يتضمن تأسيس هيئة عسكرية رديفة للقوى الأمنية والعسكرية الحكومية، إنما حثّ الشباب على التطوع في صفوف القوات المسلحة، بشقيها الأمني والعسكري، والقتال بجانبها “حتّى دحر الإرهاب” داخل حدود العراق.

فنظام الولي الفقيه، أثبت جدارته، في اختراق نموذج السيستاني وعرقلته، لينحو الأخير في ظل أجواء العداء المستفحل في تصاعده بين الولايات المتحدّ وإيران، وما تنذر به من احتمالات صدام عسكري بشكل ما، باتجاه التجنيب. فالبيان الذي صدر عنه وطالب عبره بحصر سلاح الميليشيات بيد الدولة العراقية، عقب لقائه الرئيس الإيراني حسن روحاني في 13 مارس الماضي، يأتي في ظل تعبئة إيرانية لأذرعها العسكرية في العراق، والتلويح بها كورقة حرب ضد الأميركيين.

كما أنّ استقبال السيستاني لحسن روحاني، وهو الاستقبال الأول في تاريخه لرئيس إيراني، يأتي بعد رفض متعدد لاستقبال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري قاسم سليماني، بالإضافة إلى رفضه استقبال رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام محمود الهاشمي الشاهرودي في العام 2017، الذي أتى إلى النجف كموفد من قبل مرشد الثورة علي خامنئي، ما يوحي ذلك برسالة مفادها قبول المرجع السيستاني اللقاء مع الدولة الإيرانية وممثلها رئيس الجمهورية، في حين يرفض لقاء الأطر التي تمثّل “الثورة” ومشروع تصديرها وولاية فقيهها، والتوسّع الإيراني في المحيط الشيعي.

خلاف عميق بين ذهنيتين ونموذجين، يعكس اختلافا وخلافا بين كلا المشروعين من حيث الأهداف والرؤى المصلحية، لا شك أن شيعة العراق أميل إلى تجنب إيران، وطلب الاستقرار والتنمية وترميم البلد، فبأي خطوات عملية ستواجه “ذهنية التجنيب” لدى مراجع النجف وعلى رأسهم السيستاني، ذهنية الزج الإيرانية لشيعة العراق في دائرة حرب محتملة مع الولايات المتحدّة الأميركية، وإبعاد ميليشيات الحرس الثوري الإيراني عن البلاد؟

8