شيرين عودة فنانة أردنية ترسم المرأة المتمردة في أحلامها

الرسامة الأردنية شيرين عودة تجدد أسلوبها مستعينة ببساطة خطوطها.
الأحد 2020/10/18
فنانة ترسم خلاصات أحلامها

“المرأة الفراشة معصوبة العينين” صورة يغلب عليها الأسود والأبيض لا تٌنسى. ربما لأنها تضعنا في صلب قضية الأنوثة في مجتمع ذكوري. ربما لأنها تمثل نوعا من الاحتجاج في زمن قصير هو عمر الفراشة. هناك صيحة كامنة في ذلك العمل هي من النوع الملح الذي لا يقبل التأجيل. 

شيرين عودة ترسم المرأة كما تفعل الأخريات عبر العالم، غير أنها لا تكتفي بالتعامل معها باعتبارها موضوعا بل وأيضا قضية. تميز الرسامة الأردنية بين قضية المرأة والمرأة باعتبارها قضية لذاتها. 

الطفلة تقيم بين قوسين

صورة المرأة المكممة والمتوجة بالأزهار تحتمل غير تأويل وكلها تتعلق بمفهوم الحرية. تلك الصورة هي صنيعة طفلة تحلم أن تكون امرأة. بمعنى أنها تحلم بمستقبلها. وهي مستقبل مصنوع بتقنية طفل. ذلك الطفل الذي لطالما تمنت شيرين أن ترسم بيديه من غير أن تقلده. 

ترسم عودة لتستحضر عالما يقع بين قوسين. قوس لما تراه حقيقيا وآخر ليس عليك سوى أن تعترف بواقعيته. ولأن الرسامة صاحبة قضية فإنها تسعى إلى أن تفصل بين العالمين. وهي تلاحق من خلال ما تقوم به المرأة في كل تجليات ظهورها. 

ليس الرسم بالنسبة لها نوعا من العمل المنزلي بحيث تتخصص في تقديم فكرة عما تراه المرأة من العالم من خلال الرسم. ليست تلك هي الطريقة المثلى لتعريف الرسم داخل حاضنته النسوية. 

الرسم عند عودة هو خلاصة لفلسفة يمكن من خلالها أن نتعرف بشفافية على العالم الذي تشيده الفنانة من مواد حية، هي عبارة عن مجموعة الخبرات التي خرجت بها كامرأة من تجربتها في العيش 

لا تعبر عودة من خلال الرسم عن طريقة نظرها إلى العالم. إنها تختبر الرسم في عمل آخر. يتعلق ذلك العمل بالنظر إلى أحوال المرأة ذاتا منفردة وكائنا اجتماعيا.

الرسم هنا هو خلاصة لفلسفة يمكن من خلالها أن نتعرف بشفافية على العالم الذي تشيده الفنانة من مواد حية، هي عبارة عن مجموعة الخبرات التي خرجت بها كامرأة من تجربتها في العيش. 

“المرأة المقموعة” ذلك هو العنوان الخفي الذي ينفتح على عالم الفنانة الغاص بالزهور والطيور التي تزين المشهد واقعيا غير أنها تظل رموزا سلبية لواقع هش يتم تدميره شيئا فشيئا. ذلك العالم الذي تدافع شيرين عن حيويته بعد أن تحول إلى أثر زخرفي. عودة رسامة نسوية وهو حدث غير مسبوق في ثقافتنا المحلية.

جمال وتمرد وجدل

لوحات حالمة
لوحات حالمة

ولدت في الأردن عام 1970 وتخرجت في معهد الفنون الجميلة في الأردن عام 1992. ومنذ ذلك الحين أكملت العديد من دورات الفن والطباعة في دارة الفنون الصيفية وفي المتحف الوطني الأردني. وهي في كل مناسبة تظهر امتنانها للفنانين الذين أشرفوا على تربيتها الفنية ومنهم الأردني خالد خريس والأميركية لين ألين، مديرة كلية الفنون البصرية بجامعة بوسطن. أقامت أكثر من عشرة معارض شخصية، وهي تعمل وتعيش منذ سنوات في مونتريال بكندا. 

ترسم نساءها ببساطة. مجرد خطوط سوداء خارجية من غير تفاصيل. الأمر أشبه بالإعلانات غير أن التأثير يختلف. ذلك لأن التعامل مع الموضوع لم يكن مباشرا. رسمت شيرين سعيا منها في اتجاه غايتين. الأولى جمالية والثانية فكرية. وهي إن كانت تميل إلى الغاية الثانية من أجل التعبير عن تمردها وغضبها ورغبتها في أن تكون المرأة في وضع أفضل فإن يدها لا تخطئ الطريق إلى الجمال. رسومها جميلة وأنيقة. ولكن هل يمكننا الاكتفاء بذلك الوصف؟ قد لا يزعج ذلك التصنيف الفنانة التي لن تتوهم بأن الكثيرين يميلون إلى أفكارها عن تحرر المرأة. هناك مَن لا يشاركها أفكارها غير أنه سيعجب برسومها من جهة جمالية. وهي تخلق نوعا من الجدل بين المتلقي ونفسه وبينه والآخرين. ذلك ما تعتقد أنه من مهمات المرأة الفنانة في عصر تبدو فيه المرأة واقعيا كما لو أنها تتمتع بكامل حريتها غير أنها في الحقيقة لا تزال تخضع لقيود كثيرة تضعها في مكانة الكائنات الثانوية.

مرح وخفة وامتزاج بالطبيعة

تقول إن “بعض النساء لا يدركن إمكاناتهن بالتضحية بأنفسهن من أجل عائلاتهن بينما يجبر المجتمع الآخر على التخلي عن أحلامهن وطموحاتهن أو الحد منها؛ في نهاية المطاف حرمانهن من إنسانيتهن. في كلتا الحالتين، أحلامهن هي جزء من وجودهن والأحلام تلهم الأمل دائمًا“. إنها ترسم تلك الأحلام لتتمتع بها ومن أجل ما تنطوي عليه من حقائق وجودية. المرأة المحلوم بها هي مصدر الإلهام وهي الذريعة لتجسير المسافة بين الواقع والحقيقة. ولأن الرسامة صاحبة قضية فإنها لا تغفل النظر إلى الواقع باعتباره قفصا لحقائق يتم تغييبها في كل لحظة عيش. 

لوحات عودة هي سلسلة من الأحلام متصل بعضها بالبعض الآخر. ما يحدث منها لا يتصل بشكل مباشر بالواقع. هناك قطيعة بين المرأة وواقعها، وهي قطيعة تعبر عنها الفنانة بانغماس المرأة في عالم الطبيعة المتمثل بالطيور والزهور وسواهما من مفردات الطبيعة. 

الفنانة من أجل أن تجمع المفردات البصرية التي تشكل بنية الطريق إلى الحقيقة، هناك من يشير إلى العقل الباطن كما لو أنه المصدر الذي تنبعث منه الصور التي تستعملها الفنانة. ذلك ليس صحيحا، فالفنانة في كل ما تقوم به إنما تستند إلى وعيها وطريقة تفكيرها في الفن من جهة ومن جهة أخرى في أحوال المرأة في عالم لا يزال يعاني من قسوة التمييز. 

وما يميز فن عودة أنه يميل إلى الخفة والمرح لذلك يمكن القول إن الفنانة تنتمي إلى قلة من الفنانين العرب الذين نجوا من المصير الكئيب للفن في العالم العربي. 

زهد بالألون واحتفاء بالأفكار

انغماس في عالم الطبيعة
انغماس في عالم الطبيعة

لقد اعتمدت الفنانة على الخط بمرونته وقوة إيحائه وما ينطوي عليه من خفة وهو يتنقل بين مساحات، لم تكن قد غطتها إلا بألوان أحادية وبالأخص اللون الأحمر. في الجزء الأعظم من لوحاتها تسيطر ثلاثة ألوان هي الأبيض والأسود والأحمر. وإذا لا تجد الفنانة تفسيرا معقولا لذلك الزهد فإن المسألة، من وجهة نظري، إنما تتعلق بموقف الفنانة من الحياة التي تنسج خيوطها حول المرأة باللونين الأبيض والأسود وتتفجر أحيانا باللون الأحمر. تقول “تعكس أعمالي الفنية ذاتي الداخلية وأتمنى أن تكون الحياة يومًا ما أسهل بكثير وأقل تعقيدًا” ذلك ما توصلت الفنانة إليه ببراعة تقنية لافتة. إنها البساطة التي تُدهش. قريبة من تقنية الإعلان، غير أنها لا تنقل موضوعات مباشرة. إنها تخاطب العين بطريقة ساحرة لتأخذها بعيدا عن لحظة النظر ولتبدأ بعد ذلك عمليات تفكير معقدة. 

مشدودة هي إلى قضيتها بأسلوب غير مسبوق. تحدث تجربتها الفنية بما تعلمته من أصول فن الحفر الطباعي غير أنها تذهب أبعد حين تسعى إلى تبسيط أفكارها عن المرأة المتمردة على أساليب القهر والتغييب. وكما أرى فإن ما اكتسبته الفنانة من خبرة في مجال الحفر الطباعي ساعدها على تمرير أفكارها ببساطة هي ليست من النوع الذي يمر عابرا، بقدر ما تكون وسيطا للوصول إلى الأعماق. 

تحتفي عودة بأفكارها وسط طقس لوني متقشف، غير أنه شديد الحساسية ليتشكل في ما بعد عالم يتشبه بالمرأة من جهة تناقضات عناصره. الضعف والقوة. الصلابة والهشاشة. الجاذبية والتحليق. المرأة التي تحلم بها الفنانة هي كل تلك التناقضات التي تستفيد منها بصريا لتقيم عالما وفيا لأحلامها. 

شيرين عودة ترسم خلاصات أحلامها.

ثلاثة ألوان تسيطر على أغلب لوحات عودة
ثلاثة ألوان تسيطر على أغلب لوحات عودة

 

9