شيخ الأزهر يتخطى "حرّاس التراث" بتعيين امرأة مستشارة له

نهلة الصعيدي المؤيدة السابقة للإخوان تثير حفيظة خصوم الشيخ أحمد الطيب.
الجمعة 2022/09/23
انفتاح يواكب العصر

القاهرة - يحيّر شيخ الأزهر أحمد الطيب متابعيه في مصر، حيث يبدو منفتحا ومتفهما لمقتضيات الدولة الحديثة، ومنغلقا وجامدا ورافضا إعادة تنقيح التراث والتمسك بوجود متشددين داخل جدران الأزهر، ويتبنى خطوات تؤكد قدرته على استيعاب المعاني العصرية لدور المرأة ويميل أحيانا إلى عكس ذلك، ما جعل الانقسام كبيرا حوله، وينقسم الناس للتعرف على أي أرض يقف الرجل إذا أراد أحد تصنيفه؟

وزادت الحيرة مع قرار أصدره الثلاثاء بتعيين السيدة نهلة الصعيدي مستشارة له، في موقف بدا كأنه يتخطى به كل ما يتردد حول من يسمون في مشيخة الأزهر بـ”حراس التراث”، ومهمتهم أن يظل هذا الصرح جامدا وغير قابل للتطوير ولا يتعامل مع الاجتهادات بصورة عصرية.

لكن مختلفين مع الشيخ أحمد الطيب فتشوا في ملفات مستشارته الجديدة، ووجدوا فيها مواقف أيدت فيها الرئيس الإخواني الراحل محمد مرسي والتنظيم بشكل عام.

عبدالغني هندي: تعيين امرأة في منصب قيادي أمر طبيعي لمواجهة التشدد

وطالب الإعلامي المصري محمد الباز، وهو يعبر عن تيار نافذ في أجهزة الدولة، بعزلها من منصبها الجديد، ورد آخرون عليه بأن مواقفها السابقة أو حتى تعاونها لا يجب أن يتخذ دليلا على أنها تنتمي إلى التنظيم حاليا، فهناك عدد كبير من المسؤولين بحكم مناصبهم تعاونوا مع الجماعة وهي في السلطة.

وأعاد قرار شيخ الأزهر بتعيين عميد كلية العلوم الإسلامية للوافدين بالقاهرة الدكتورة نهلة الصعيدي في منصب مستشار شيخ الأزهر لشؤون الوافدين الانقسام حوله، فالخطوة تشير إلى تناغمه مع تحركات الحكومة الهادفة إلى تعزيز دور المرأة في العمل العام.

وهذه أول مرة يتم فيها تعيين سيدة في هذا المنصب الذي كان مقتصرا على الرجال، وحظي الشيخ أحمد الطيب بترحيب وإشادات من جمعيات نسوية مصرية، واستحسنت رئيسة المجلس القومي للمرأة مايا مرسي الخطوة لما تنطوي عليه من قيمة مجتمعية.

وبدى الشيخ الطيب أنه غير منفصل عن التوجهات العامة للدولة في عملية زيادة تمكين المرأة، ولم يرسم لنفسه خطا موازيا لما تريد الحكومة تحقيقه، إذ أراد خصومه حفر هذا المعنى في الوجدان العام وتصوير مشيخة الأزهر كأنها دولة فوق الدولة لتحريض الأجهزة الرسمية على اتخاذ مواقف تقوّض دورها في المجتمع.

وإذا ثبت أن السيدة الصعيدي لا تزال تحتفظ بعلاقة مع تنظيم الإخوان المصنف إرهابيا في مصر سوف يزداد الأمر تشابكا، ويتراجع المدافعون عن الخطوة إلى الوراء.

وأدت مواقف الأزهر الغامضة من المرأة إلى منح تعيين نهلة الصعيدي أهمية حضارية تعكس قدرة شيخ الأزهر على تطوير أدواته والخروج من الشرنقة في التعامل مع الأجواء السائدة بمصر التي وضعته في زوايا متناقضة في أوقات كثيرة.

وقال عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية عبدالغني هندي إن “تعيين امرأة في منصب قيادي بالأزهر أمر طبيعي لمواجهة تيار المتشددين، فالمؤسسة الدينية الأم تحتاج إلى ما كانت عليه في الماضي عندما كان الأزهر أكثر انفتاحا واحتضانا لكل الفئات إلى درجة بلغت حد وجود رواق أزهري خاص بالأقباط”.

وأكد في تصريح لـ”العرب” أن الأزهر مطلوب منه اتخاذ خطوات كثيرة ليعزز انفتاحه، والقضية أكبر من مجرد تعيين سيدة في منصب مستشار للإمام الأكبر، لكن الخطوة في هذا التوقيت محورية في مجال إثبات مرونة المؤسسة الدينية وأنها لا تناصر التيارات المتطرفة في الفكر، وهي ضربة معنوية قوية لمن أوهموا المجتمع بأنهم قريبون من الأزهر واخترقوا أبوابه الحصينة.

ميزة أحمد الطيب تكمن في شجاعته وقدرته على مواجهة المواقف الصعبة بليونة ونعومة، ما حفر له مكانة لدى خصومه ومؤيديه

ويشير اختيار نهلة الصعيدي كمستشارة لشؤون الوافدين إلى أنها ستكون حلقة وصل مهمة في تواصل الأزهر مع جهات خارجية عديدة، فهناك أكثر من مئة دولة توفد طلابها للدراسة في جامعته، ويعود هؤلاء إلى نقل انطباعاتهم وما تعلموه إلى بلدانهم.

ويرمي وضع سيدة في هذه المكانة إلى تبديد الصورة السلبية التي يحاول قطاع ينتمي إلى التيار العلماني في مصر ترسيخها وتتعلق بإبراز جوانب التشدد في منهج شيخ الأزهر شخصيا، والترويج لخضوعه لضغوط يمارسها عليه متطرفون ينتشرون في عدد كبير من الكليات التابعة لجامعة الأزهر ويبثون تشددهم في عقول الطلاب.

وتقلل الخطوة من قيمة تهمة أثارت شبهات حول مناهج الأزهر التي جرى تحميلها مسؤولية تفريخ جيل جديد يحمل تشدده إلى بلدان أخرى بعد انتهاء الدراسة في الأزهر، فالسيدة نهلة الصعيدي تظل رمزا يوحي بأن توجه الأزهر يدعم المرأة وحقوقها ومكتسباتها، وهي رسالة لا تلتقي مع الطريق الذي يسلكه المتطرفون، إلا إذا تأكد كلام الإعلامي محمد الباز وتمت محاسبتها على مواقف سابقة.

ويتمتع الشيخ أحمد الطيب بحنكة سياسية مكنته من تجاوز مطبات كثيرة وضعها خصومه في طريقه، وبتعيين مستشارة له ضرب عدة عصافير بحجر واحد في الداخل والخارج، أهمها أنه لا يقف ضد عمل المرأة ويثمّن دورها في المجتمع، كما كسر واحدة من “التابوهات” أو المحرمات، فعندما يأخذ هذه المبادرة لأول مرة في تاريخ الأزهر لن يستطيع أحد التشكيك في توجهاته نحو المرأة لاحقا.

ويقول مراقبون إن شيخ الأزهر حرّك بهذه الخطوة مياها راكدة منذ فترة، ونجح في توصيل إشارة إلى من اتهموه بالخضوع لحراس التراث، وأنه شخصية مستقلة وقادر على إحكام السيطرة على الأمور واستخدام أدوات تتواءم مع قناعاته.

ويضيف هؤلاء المراقبين أن ميزة أحمد الطيب تكمن في شجاعته وقدرته على مواجهة المواقف الصعبة بليونة ونعومة، ما حفر له مكانة لدى خصومه ومؤيديه، وأسهمت في أن يتخطى الكثير من المعارك ولا يتأثر بما جرى نثره حوله من غبار ديني.

2