شوقي يوسف فنان لبناني يجعل من الخلايا نسيجا موجعا

التجريب يقود شوقي يوسف إلى تجريح أعمق في قماش اللوحات.
الثلاثاء 2021/03/09
أجساد يوسف القديمة تغيّرت رمزيتها بتغيّر ألوانها

بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على معرضه الأخير ينشر الفنان التشكيلي اللبناني شوقي يوسف على صفحته الفيسبوكية بعضا من “أبحاثه” التشكيلية/ الفنية التي وصل إليها. كما يشارك بها وبغيرها في معرض فني جماعي على منصة افتراضية من تنظيم صالة “أل.تي” اللبنانية وصالة “يلاو كيوب” الفرنسية.

تحت عنوان “الحدود المفتوحة” نظمت صالة “أل.تي” اللبنانية وصالة “يلاو كيوب” الفرنسية معرضا افتراضيا هو بمثابة جسر ما بين الديجيتالي والواقعي في زمن انحسار العرض الفني في الصالات اللبنانية والعالمية على السواء، حتى تلك الأكثر تجهيزا وعراقة.

ومن الفنانين اللبنانيين المشاركين نذكر الفنان التشكيلي شوقي يوسف الذي عرض أربع لوحات تجسّد بالنسبة إلى المطلع على أعماله الفنية السابقة استمرارية في استنطاق قماش اللوحة، وكأنها تخفي أسرارا ما عن الفنان ولا يمكن أن تفصح عنها إلاّ إن أحسن الحفر فيها كمعابر دقيقة، لتجري فيها ألوانه الأكريليكية فتظهر الأشكال والخطوط مُعلنة انكشاف الأسرار.

أما هذه الأسرار فليس وجودها غريبا عن الفنان، هي أسرار استحضرها إلى أعماله الفنية الجديدة والسابقة كرّة بعد كرّة. كل كرّة فيها طروحات تشكيلية متحوّلة وأسئلة إضافية يستنهض منها حقائق تتكشّف بصريا أمامه وأمام الناظر إلى أعماله.

أجساد محترقة

أعمال تركيبية/ شبه نحتية
أعمال تركيبية/ شبه نحتية

لفهم نص شوقي يوسف العصي أحيانا عن الفهم يكفي أن نعود ولو خطفا إلى معرضه السابق الذي قدّمه في صالة “أجيال” اللبنانية. معرض كان الجسد البشري بطله. وأمكن عبره أن نرى المراحل الزمنية والحركية/ العصبية والمُشكّلة للأفكار التي دارت فيها “أجساد” الفنان المتحوّلة.

دورات كاملة غير متجانسة حول ذاتها قبل أن تتفكّك وتتحلّل وتتلوّى أو تتمدّد لتتمسّك بالفراغ المحيط. طرح الفنان في تلك اللوحات العديد من الأسئلة التي لا تبارح كل من نظر إليها، أهمها: بأي نار تشتعل تلك الأجساد؟ ولماذا تبدو في أحيان كثيرة مشتعلة من ذاتها وليس بسبب أي عامل خارجي؟ وما هي تلك النار التي تلذع ولا تستهلك كليا الأجساد، بل تنحتها في أشكال حيّة جديدة شاهدة على أمر ما؟ وما سرّ نصف الاحتراق هذا الذي يستعرض سهولة احتراقه من جهة وعدم قابليته للاحتراق كليا، فالترمّد كما مع كل الموجودات العضوية؟

قال الفنان في حديث معه حول أعماله الجديدة “هذه الأعمال بدأت العمل عليها منذ أكثر من سنة. استخدمت فيها الشفرة والسكين إضافة إلى استخدام الريشة. أما اللون الذي أضيفه في هذه الأعمال، فهو نوع من التجريح الذي أسعى إلى تظهيره وجعله مرئيا أكثر من كونه لونا استخدمه لذاته. كما استخدمت اللون الأكريليكي المخفّف كثيرا بالماء ليكون مضادا لقسوة التجريح والقطع بالشفرة والسكين، ويبقى التجريب واللعب طاغيين في أعمالي”.

ويضيف "أنا في مواضع كثيرة لا أتحكّم تماما بما أجرّح. أحيانا أصيب بالشفرة وأحيانا لا. فأعيد الكرّة فينتج عن ذلك مجموعة من الخطوط لم تأت تماما كما أردتها أن تكون فيحدث الحوار بيني وبين الشفرة والسكين واللون وكأنها تحولت إلى مجموعة فنانين يشاركونني في تحقيق لوحاتي. أحيانا الشفرة تشقّ أكثر ممّا أريد فيظهر التمزّق عميقا جدا ويصبح من الصعب ردمه. وهذا في حد ذاته تجربة ومحاولة استنطاق تعبير جديد لا يخلو من الغموض. لا أعلم. ربما أريد أن أدهش ذاتي وأن أعثر على ما لم أصمّمه بشكل كامل".

سيادة الأسود

الفنان بات يقيم حوارا بينه وبين الشفرة والسكين واللون، جاعلا منها مجموعة من الفنانين يشاركونه تحقيق لوحاته

نص يوسف الفني الأخير يتميّز بثلاثة عناصر جديدة، ولكن منبثقة من معارضه السابقة، لاسيما معرضه الأخير.

العنصر الأول هو من دون شك الهدوء الذي لم نلحظ منه أي شيء من قبل، ولكنه جاء تماما بعد احتراق الأجساد أو كفّها عن الحركة الموتّرة. خفت النبرة في أعماله الجديدة، ولكنها لم تبتعد عن المأساوية البتة، رغم أن الفنان لا يحب أن يرى فيها تلك المأساوية الحاضرة رغما عنه. وتكمن هذه الأخيرة أن أعماله الحاضرة تشترك بخاصية جديدة هي العنصر الثاني الجديد في لوحاته: لوحاته تشبه أكفانا بيضاء شفافة تتالى من تحتها طبقات تشبه الأنسجة العضوية (النباتية والحيوانية على السواء).

أما العنصر الثالث والجديد فيحضر لكون يوسف نحا نحو التجريد والاختزال الشديد. دخل الفنان إلى مجهرية الموجودات الحيّة وإلى خلاياها الرطبة ودخل معها اللون الأخضر واللون الأزرق، في حين كانت أعماله السابقة تنضح باللون الأحمر القاني والأصفر الفوسفوري المريض، فيما يحضر الأسود وهو سيد الألوان في لوحاته السابقة والحالية، لأنه الخيط الجامع للأشلاء وللملتحمات في آن واحد وللتشظي غير المرئي للعين المجرّدة.

ولو كان للفنان أن يُرجع بصره إلى خارج تلك المجهريات لعاد إلى الأجساد الحاضنة لها، إن كانت نباتية أو حيوانية أو إنسانية، والقلقة بأسرارها المُنشئة لها. يبقى أن نرى كيف سيتحوّل نصه الفني في لوحاته المستقبلية؟

وولد شوقي يوسف قبل ثلاث سنوات من اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في بيروت سنة 1973، ليدمغ عيشه في مدينة النار والدخان بمبدأ التقوقع على الذات ليس هربا أو خوفا، بقدر ما هو تشكيل لنواة فلسفية ترى الحمرة في الجسد والروح، كما تراها في الحياة واللذة، والموت والفناء ضمن عجينة عضوية واحدة غذّت نصه الفني ولا تزال حتى الآن. وتخرّج الفنان من الجامعة اللبنانية في بيروت عام 1994، ليظهر ميله الشديد في عدد من المعارض الفردية والمشتركة داخل لبنان وخارجه إلى استخدام وسائل متنوعة وخامات متعدّدة بينها المواد التلوينية المختلفة لاسيما المائية والرسم، والفيديو، والأعمال التركيبية/ شبه النحتية وغيرها.

لوحات أشبه بأكفان بيضاء شفافة
لوحات أشبه بأكفان بيضاء شفافة

 

 
16