شواطئ منطقة المغرب العربي تسارع في التآكل

التغييرات المناخية وعوامل بيئية عديدة وراء كارثة تنتظر السواحل.
السبت 2022/08/06
العملة مهددة بالزوال

يرفع الإنسان في زمن يطغى عليه الاستهلاك شعارا أنانيا "أعيش أنا ومن بعدي الطوفان"، فالتغييرات المناخية حين تطرأ لا تستثني أحدا ولا منطقة، فتآكل شواطئ المغرب العربي يتسارع بسبب الإهمال وعدم التخطيط والوعي بأن الكرة الأرضية لنا كلنا.

تونس - يتسارع تآكل سواحل بلدان المغرب العربي بوتيرة أسرع من أي مكان آخر في العالم. بيد أن خبراء يقولون إن ارتفاع مستوى سطح البحر ليس المتهم الوحيد، إذ يعود التآكل إلى أسباب أخرى.

ويرصد الصيادون في بلدة غنوش التونسية الواقعة على بعد 400 كيلومتر جنوب العاصمة “تغيرات كبيرة” على الساحل حيث يبحرون للصيد وكسب أرزاقهم وذلك خلال السنوات الخمس عشرة الماضية.

وفي مقابلة مع "دويتشه فيلله" قال ساسي علية وهو بحار ورئيس مجمع التنمية للصيد البحري في غنوش بولاية قابس، إن الرمال "تتناقص والصخور بدأت بالظهور. إنها مشكلة مضاعفة نظرا إلى أن سواحل المحافظة تعاني من تلوث بيئي بسبب المصانع الكيميائية في المنطقة وهو ما يؤثر على المصائد الصغيرة".

بدوره قال منير خشارم رئيس الاتحاد المحلي للزراعة والصيد البحري بجزيرة قرقنة التابعة لولاية صفاقس، إن "هناك بقعا سوداء على طول الساحل الذي يختلف كثيرا عما كان عليه قبل عشرين عاما، رغم أن الظاهرة لا تزال محصورة في أماكن محددة حول الجزيرة".

شواطئ منطقة المغرب العربي تآكلت بمعدل متوسط يبلغ 15 سنتيمترا سنويا ما بين عامي 1984 و2016

ويبدو أن كريم وغيره من الصيادين في جنوب تونس ليسوا الوحيدين الذين يقفون على ظاهرة تآكل السواحل، إذ كشفت دراسة حديثة أجراها البنك الدولي حول التداعيات الاقتصادية لتآكل السواحل في هذه المنطقة أن شواطئ دول المغرب العربي، لاسيما تونس والمغرب وليبيا تتآكل بوتيرة أسرع من باقي المناطق الأخرى من العالم.

وخلصت الدراسة إلى أن شواطئ في منطقة المغربي العربي تآكلت بمعدل متوسط يبلغ 15 سنتيمترا سنويا ما بين عامي 1984 و2016، فيما بلغ المتوسط ​​العالمي لتآكل الشواطئ حوالي 7 سنتيمترات سنويا.

ويجد المراقبون صعوبة في تحديد مقدار تآكل الشواطئ في كل بلد على حدة، لأن السواحل تكتسب الرمال وتفقدها لذلك فإن التقديرات المحلية مضللة. بيد أن صور الأقمار الصناعية من وكالة الفضاء الأوروبية والمركز الوطني لعلوم المحيطات في المملكة المتحدة ساعدت الباحثين في البنك الدولي على تحديد الخطر الذي تعرضت له سواحل منطقة المغرب العربي في مناطق معينة.

وقد كشفت الدراسة عن أن أكثر من ثلث الشواطئ في المغرب (حوالي 38 في المئة) تآكلت بنسبة ما بين 12 إلى 14 سنتيمترا سنويا، فيما انحسرت السواحل الليبية بمعدل سنوي يبلغ 28 سنتيمترا.

وتُعد هذه النسب مستقرة نسبيا مقارنة بالوضع في تونس، حيث تآكلت ثلث الشواطئ الرملية (حوالي 35 في المئة) بمعدل أسرع وأكبر يتراوح بين 50 و70 سنتيمترا سنويا.

وعلى سبيل المثال، تعرضت مدينة الحمامات التونسية لانحسار في منطقة الشواطئ بما يصل إلى 24 ألف متر مربع أي قرابة 3 و8 أمتار سنويا في الفترة الزمنية ما بين عامي 2006 و2019.

ويقول الخبراء إن هناك تداعيات خطيرة أخرى لظاهرة تآكل الشواطئ في بلدان المغرب العربي. وتتمثل في اقتراب المياه المالحة التي تعمل على تلويث المياه الجوفية العذبة لتصبح أكثر ملوحة ما يعني صعوبة أو استحالة استخدامها سواء للشرب أو للزراعة. وعلى وقع ذلك، خرجت تحذيرات تدق ناقوس الخطر إزاء التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لظاهرة تأكل الشواطئ.

خطر يتهدد الكل دون استثناء
خطر يتهدد الكل دون استثناء 

وفي هذا الصدد، حذر مؤلفو مقال نشره مختبر العلوم المائية في جامعة مونبلييه الفرنسية الذي يركز على موارد المياه في البحر المتوسط، من التداعيات المحتملة لهذه الظاهرة على قطاعات مثل السياحة وصيد الأسماك ما يعد بمثابة "قنبلة اجتماعية واقتصادية موقوتة" قد تنفجر في أي وقت.

وحذرت ليا سيغارت كبيرة خبراء تغير المناخ بالبنك الدولي والمسؤولة عن شؤون البيئة والموارد الطبيعية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من أن ظاهرة تغير المناخ تٌفاقم من خطورة التهديدات الأخرى ما يؤدي إلى مخاطر اجتماعية.

وأضافت أن فئات المجتمع المهمشة تعد "الأكثر عرضة لتحمل وطأة ظاهرة تغير المناخ، لذا يتعين أن تسير إجراءات مواجهة الظاهرة مع عملية الاستقرار السياسي".

السواحل في بلدان المغرب العربي تتعرض لخطرين يتمثل الأول في ظاهرة التغير المناخي فيما يكمن الثاني في التعدي على الشواطئ

وقالت إن الوضع في بلدان المغرب العربي يُعد أكثر خطورة بسبب وجود مجتمعات كبيرة تعيش قرب السواحل، ففي المغرب يعيش نسبة 65 في المئة من السكان قرب المناطق الساحلية، فيما تبلغ النسبة في تونس 85 في المئة وهي النسب الأكبر حيث تعد المناطق الساحلية أكثر جاذبية للصناعات.

وقال خبراء إن التوسع الحضري والسكاني المتزايد في المناطق الساحلية يعد أحد الأسباب وراء تآكل الشواطئ بهذه الوتيرة المرتفعة، إذ تؤثر المباني والتجمعات البشرية على العناصر الطبيعية مثل الأراضي الرطبة والنباتات والكثبان الرملية التي تعد مفتاح السيطرة على عمليات التعرية.

كذلك يعد ارتفاع مستوى سطح البحر أحد الأسباب وراء اختفاء الشواطئ، فيما يشدد الخبراء على أن السبب الفعلي الذي يجعل تآكل السواحل في بلدان المغرب العربي قد يتجاوز هذه العوامل.

وقال جيل ماهي مدير الأبحاث في مختبر العلوم المائية في جامعة مونبلييه، إن الفارق بين بلدان المغرب العربي ودول شمال البحر المتوسط ​يتمثل في “عدد السدود على الأنهار".

وأضاف ماهي الذي يعمل حاليا في المعهد الوطني للعلوم البحرية والتكنولوجيا في تونس، أن التآكل يحدث بوتيرة أسرع "بسبب بناء السدود على الأنهار". وأوضح ماهي أن الدراسات التي أجريت على تاريخ الرواسب التي تتكون عند تلاقي مياه الأنهار بمياه البحار في تونس والجزائر والمغرب، أظهرت وجود سدود كبيرة ما يعني عدم وصول رمال كافية إلى السواحل.

وتتعرض السواحل في بلدان المغرب العربي لخطرين يتمثل الأول في ظاهرة التغير المناخي، حيث يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى ارتفاع مستويات سطح البحر، فيما يكمن الخطر الثاني في التعدي على الشواطئ. وينجم عن ذلك تفاقم الظواهر المناخية المتطرفة مثل الفيضانات والأمواج الكبيرة والرياح القوية التي يمكن أن تضر بالمناطق الساحلية.

ويوصي ماهي وخبراء البنك الدولي بالشروع في تطبيق إجراءات لحماية المناطق الساحلية بما يشمل فرض ضرائب أكبر على أعمال البناء في المناطق الساحلية والعقارات وترميم السدود الداخلية التي تسمح بتدفق المزيد من الرمال والرواسب صوب الساحل وحتى إقامة مصدّات الرياح للسيطرة على الكثبان الرملية.

الوعي المتأخر لا يصلح شيئا
الوعي المتأخر لا يصلح شيئا

18