سين

دالية تنهال غصونها من شاهق الفضاء لتخدم حاجات الإنسان هنا على الأرض، قد تشكل حلولاً فائقة وغير متوقعة للكثير من الإشكالات والتخوفات من الغد.
الجمعة 2019/12/13
حرص عربي على دفن ووأد الثقافة العربية عميقاً تحت الرمال

 منذ أن أعلنت الصين هذا العام عن نجاحها في زراعة بذرة قطن في الجانب المعتم من القمر، وهي البذرة التي نقلها من كوكبنا إلى هناك المسبار “تشانغ أي – 4”، والخيال البشري لا يتوقف عن تصور تشجير القمر في المستقبل.

دالية تنهال غصونها من شاهق الفضاء لتخدم حاجات الإنسان هنا على الأرض، قد تشكل حلولاً فائقة وغير متوقعة للكثير من الإشكالات والتخوفات من الغد. هذا ما يوحي به ما قام به علماء جامعة تشونغ تشينغ في الجنوب الغربي من الصين، والذين بعثوا بالمسبار لينشئ محيطاً حيوياً على سطح القمر. ويحاول استنبات البطاطس والأرابيدوبسيس واللفت والقطن الذي نجح وحده في النمو.

هذا ما كان ينقص العرب. وبينما هم يعملون ليل نهار على تجفيف ينابيعهم وأنهارهم وتلويث شواطئهم وسواحلهم البحرية وتفعيل مشروع التصحّر في أراضيهم الشاسعة، تخرج حفنة العلماء من أقصى الأرض وتحاول تشجير القمر!

وهؤلاء لم يعملوا على إنجاح تجربتهم وحسب، بل نقلوا شحنة ثقافية صينية على متن ذلك المسبار الذي حمل اسم “ربة القمر الصينية”. وهو أمر يحدث عكسه في حياتنا العامة في الفضاء العربي الذي يحرص على دفن ووأد الثقافة العربية عميقاً تحت الرمال حتى لا ترى النور ولا الهواء ولا يسمع بها أحد.

وفي الوقت الذي يجري فيه إغلاق منظم ومتواتر لدور نشر عربية ووسائل إعلام وصحف كانت مطبوعة ذات يوم، يفكر الفريق الصيني بتوسيع المحيط الحيوي الصغير الذي بناه في القمر ليكون محطة أبحاث. كيف سيفعل هذا؟ بالطباعة ثلاثية الأبعاد التي ستتم عن بعد من هنا من الأرض. أي بالطباعة إياها.

“إنها خطوة صغيرة لإنسان، لكنها قفزة كبيرة للبشرية” كانت تلك كلمات نيل أرمسترونغ حين وطأت قدمه سطح القمر نازلاً من درجات سلم المركبة أبولو 11 قبل خمسين عاماً بالضبط. خمسون عاماً هي عمر طويل من الفوارق الحضارية ما بين من يعمل على تطوير كل صغيرة وكبيرة في عالمه، وبين من يهدم كل صغيرة وكبيرة فيه.

أما نحن فلم يسبقنا إليه أحد. سميناه “سين” و”نانار” و”نانا” التي تعني كلها المشع والمنير. وأقمنا له المحيطات الحيوية الكبرى في أور وبابل وآشور وحران. كان صديق البدو وحاميهم ودليلهم. وناديناه بـ“يا سين” في نصوصنا المقدسة. ذلك القمر القوي الذي سيعاقب المعتدين على القوانين في شريعة حمورابي، أول من يجب أن يعاقبهم هم أصحابه الذين اعتبروه مجرد حجر لا يضر ولا ينفع، ولا يصلح إلا للأغاني والحب والغرام.

24