"سيسيل" فندق الموت المجاني في لوس أنجلس

وثائقي يقدم وثيقة بالغة الأهمية محمّلة بالرسائل الإنسانية والأصداء المأساوية.
الأحد 2021/02/28
مبنى يخفي حكايات مريبة

من الشخصيات إلى المكان تبحث السينما الوثائقية عميقا حول تلك الجدلية التي تكرس أيضا حالة حوارية قائمة على متعة الاكتشاف ومساحة المغامرة.

هنا في هذا الفيلم الذي تم تأطيره في مشهد جريمة بمعنى أنه منذ البداية أعلن عن نفسه فيلما للتحري عن جريمة ما، لكن الأمر هنا يتعدى ذلك إلى صورة حياة ومجتمع وتاريخ للمكان.

في وسط هذه العلبة الكونكريتية الضخمة الجاثمة في قلب مدينة لوس أنجلس، ثاني أكبر مدن الولايات المتحدة وواحدة من أكثرها ثراء هنالك حياة أخرى أشد قتامة وبشاعة مما نتصور.

فعلى مدّ البصر هنالك نجوم هوليوود يتمشون على السجادة الحمراء وهناك تجرى عقود إنتاج الأفلام وإطلاق النجوم والمشاهير، وهناك صالات القمار الشهيرة، بينما على الجهة الأخرى ينتصب فندق ضخم، علبة مكانية جاثمة تعود إلى العام 1924 حيث افتتح ذلك الفندق المعروف بأنه فندق الـ700 غرفة.

ينشغل المخرج جو بيرلنغر في هذا الفيلم الوثائقي أو السلسة الوثائقية، التي هي أقرب إلى نوع الفيلم الوثائقي الاستقصائي بالجغرافيا المكانية التي تحتضن الحياة والموت في آن واحد وهما يتوازيان، وكذلك الجنون والجريمة وكل سوءات المجتمع وانحطاط فئاته الأكثر هشاشة.

وكمثل سيرة أنظمة الفصل العنصري كان لا بد من فصل هذه البشاعة عن الحياة المخملية للمدينة، ولهذا يتم وضع حواجز تعود دون زحف (الرعاع) من سكان تلك البقعة المكانية الشاذة.

نحن الآن في منطقة سكيدرو وفي قلب ولاية لوس أنجلس، هذه المنطقة التي تعدّ من أخطر المناطق وأكثرها عنفا في الولايات المتحدة.

منذ قرن من الزمن وهذه البقعة المكانية ليست إلا ملاذا لكل من تقطّعت بهم السبل وكل من يلفظهم المجتمع من مشرّدين ومدمنين، يعرض الفيلم كل ذلك مستخدما روايات السكان وضباط الشرطة والعاملين في فندق سيسيل.

هذا الفندق ما يلبث أن يتحول إلى مرآة حقيقية لحي سكيدرو، هنا يمكث كهول إلى أمد مفتوح مقيمين فيه فضلا عن القتلة واللصوص والسفّاحين ومتعاطي المخدرات وسماسرة الدعارة وكل من يخطر ولا يخطر على البال.

والحال أن تلك الإفادات التي قرّبتنا أكثر من ذلك المكان قد كشفت عن عالم آخر لا يحكمه رادع ولا قانون، أما بالنسبة إلى أولئك السياح القادمين إلى واحدة من أهم الوجهات السياحية في الولايات المتحدة وأكثرها ازدهارا وهي مدينة لوس أنجلس، فسوف يقودهم حظهم العاثر إلى فندق “سيسيل” فيما هم يبحثون عن فندق مناسب في قلب لوس أنجلس، وهو ما وقع للفتاة الشابة إليسا لام التي ما إن دخلت ذلك المكان قادمة من كندا لغرض السياحة حتى اختفت هناك وانقطعت آثارها حتى يصبح البحث البوليسي عنها هو محور هذا الفيلم ولندخل في دوامة من المغامرات والمجهول.

محققون أسقط في أيديهم، صحافيون يتشككون في نزاهة الشرطة، كاميرات ومحطات التلفزيون، المهمة لا تتوقف عند النقل المباشر، أسرة إليسا تصل من هونغ كونغ وتعقد مؤتمرا صحافيا، الصحافة والفضائيات تحوم من حول الفندق على مدار الساعة.

وأما في المحيط الجغرافي فإن الكاميرا سوف تكشف لنا عن ذلك القاع الآسن، حيث يباح النوم في الشارع، على الأرصفة وينتشر الآلاف من المشردين والمجانين والمدمنين وتتفشى الدعارة، كل ذلك والعشرات من المحققين ورجال الأمن ينبشون عن أثر للسائحة الكندية التي اختفت في لمح البصر.

باحترافية عالية يتنقّل المخرج بين المشاهد الفيلمية وفي كل مرة يقدم حقيقة صادمة هي أبشع مما سبقها حتى لا تكاد تصدّق أنك في أميركا – لوس أنجلس، درّة الرفاهية والوفرة الرأسمالية الأميركية، لكنها هنا تسحق بلا هوادة مجتمعا بأكمله وتتفرّج على الناس وهي تطلق عذاباتها، والفيلم هنا ما هو إلا قناة ونافذة لسماع ذلك الصراخ البشري، تلك البوتقة التي تنصهر فيها حياة الشخصيات التي لفظها موج الرأسمالية الذي لا يرحم.

يروي سائحان إنجليزيان قصّتهما مع هذا الفندق الذي اختاراه لقضاء إجازتهما في لوس أنجلس، هما مجرّد مثالين للمئات ممن مرّوا بهذا الهيكل المكاني الرهيب دون أن يعلما بأن هناك أناسا في الطوابق والغرف الأخرى، إما يموتون بسبب جرعات عالية من المخدرات وإما يقتلون بسكّين أو رميا من النافذة، لكنّهما يشكوان من رداءة الماء الذي يستحمّان به أو يشربانه، لنكتشف في ما بعد أن جسد الشابة إليسا لام طاف في إحدى خزانات المياه في سطح الفندق الشاهق.

الصدمة التي عمّقت تراجيديا ما يجري في فندق سيسيل دفعت إلى المزيد من التحقق في تلك الفوضى البشرية العارمة التي يعجز عن السيطرة عليها أي عرف أو قانون أو سلطة.

ينجح المخرج بشكل متميّز في تقديم وثيقة بالغة الأهمية محمّلة بالرسائل الإنسانية والأصداء المأساوية التي تتردد في جنبات ذلك الهيكل الكونكريتي شديد البشاعة الذي ما انفك يمتص حياة أناس أبرياء ويقدم إلى السطح شريحة أخرى هامشية وغارقة في المأساة وحيث اللامبالاة التي كانت ظاهرة على وجه مديرة الفندق كأنها قاسم مشترك لسلطات وجهات نفعية لا تزال تتفرّج على الكارثة بلامبالاة أيضا.

15