سمير فؤاد لا يمكن أن يكون إلاّ مصريا

التشكيلي المصري يرسم نساء منهمكات في الدفاع عن جمال أجسادهن من غير أن يمتزج ذلك بأيّ نوع من الغواية. فليس الجسد العاري مرسوما من أجل أن يكون مصدر إلهام إباحي.
الأحد 2021/01/24
رسام نساء وحكايات

غالبا ما تعرضت المحترفات في العالم العربي إلى انقطاعات أسلوبية وفكرية بسبب التأثر بتحولات الحداثة الفنية وما بعدها في العالم. المحترف الفني المصري وحده ظل محتفظا بتماسكه من جهة عدم تعرضه لأيّ نوع من القطيعة إلا على مستويات فردية قليلة.

بالنسبة إليّ على الأقل فإنه يمكنني التعرف على اللوحة المصرية بيسر ومن النظرة الأولى. لا لأن الرسامين المصريين يقلد بعضهم البعض الآخر، بل لأن الروح المصرية قوية إلى درجة أنها تقاوم الأساليب الشخصية لتشكل نسقا قائما بذاته وهي تظهر في أعمال الفنانين الحقيقيين من غير أن يسعوا إليها. سمير فؤاد رسام من النوع المشبع بمصريته.

ترى رسومه فتتذكر مباشرة أصول الحداثة الفنية في مصر مثلما هي لدى محمود سعيد وجاذبية سرّي وكل مَن يمكن أن تتذكره من الرسامين الذين وهبوا اللوحة المصرية الحديثة ملامح هويتها المميزة.

مصريته تسبقه إلى العين

عناصر رسومه مصرية كلها. سنعثر على ملامح تلك الهوية في اللون والتكوين والخطوط وعلاقة المساحات، بعضها بالبعض الآخر
عناصر رسومه مصرية كلها. سنعثر على ملامح تلك الهوية في اللون والتكوين والخطوط وعلاقة المساحات، بعضها بالبعض الآخر

كل عناصر رسومه مصرية. فإذا نحّينا الموضوع جانبا، ذلك لأنه لا يهب الفن هويته، سنعثر على ملامح تلك الهوية في اللون والتكوين والخطوط وعلاقة المساحات، بعضها بالبعض الآخر.

مصرية فؤاد تتجسّد في تأليف الكيان الكلي للوحة وفي مزاج التعامل مع العناصر. يرسم الموسيقيين فيطيب لي أن أعود إلى لوحات الأخوين وانلي عن الموضوع ذاته. ليس هناك من شبه يذكر. ولكن في التجربتين نلاحظ أن هناك خصوصية في النظر لا يمكن العثور عليها إلا في لوحات المصريين.

أما نساؤه فهن يتنشّقن رائحة الزيت الذي لم يجفّ من على سطوح لوحات محمود سعيد. في أحيان كثيرة يذكّر براغب عياد. بهذا المعنى فإن خصوصية فنه إنما تنبع من قوة انتمائه إلى التجربة المصرية الحديثة. الجميل فيه أنه لا يحتاج إلى أن يلتفت ليتأكد من أنه يسير على الطريق الصحيحة. تربيته الفنية تتحكم بالعلاقة التي يقيمها بين ماضيه وحاضره. وهي تربية مشدودة البنى، بعضها إلى البعض الآخر.

الوفي لمَن لم يرهم

الرسام يقف في وجه الزمن في محاولة لاحتوائه
الرسام يقف في وجه الزمن في محاولة لاحتوائه

لقد تلقى فؤاد الدرس الفني بطريقة عاطفية. وهو إذ يرسم فإنه يتذكر ما تعلّمه. الرسم هو مصدر إلهامه الجمالي وليس المحيط الخارجي. فهو إذاً يرسم من داخل الرسم ولا يغادره إلى الخارج. في هذه الحالة من الصعب عليه أن لا يكون مصريا.

ولد في مصر الجديدة بالقاهرة عام 1944. تأثر بأخيه الأكبر من جهة ولعه بالرسم والعزف على الكمان. وتلقى دروسا في الرسم قبل ذهابه إلى المدرسة. درس في كلية الهندسة، قسم الاتصالات بجامعة القاهرة وتخرج فيها. ما بين عامي 1979 و1982 تلقى دروسا في الرسم في مرسم الفنان حسن سليمان. ثم في معهد كوالديدال بإنجلترا.

عام 1971 أقام معرضه الشخصي الأول. يومها التقى بالفنان الرائد راغب عياد الذي ساعده على تطوير موهبته واكتساب مهارات تقنية. منذ عام 1984 وهو يشارك في المعارض الجماعية باعتباره واحدا من أهم رسامي الأصباغ المائية. أقام حوالي عشرين معرضا شخصيا. ومثل مصر في بينالي الأصباغ المائية الدولي عام 2001. وفي حياته العملية عمل مهندس كومبيوترات، وحين أحيل على التقاعد عام 2001 تفرغ للفن.

لطالما عرف الفنانون تلك المسافة بين حياتهم العملية واحترافهم الرسم. لقد عرفنا رسامين باعتبارهم أطباء ومحامين ومهندسين وقد أثّر وجود تلك المسافة لما تعنيه من وقت ضائع بالنسبة إلى الفنان على النتاج الفني كماً لا نوعاً. غير أن الأمور تبدو مسيطرا عليها في حالة فناننا. كان فؤاد ولا يزال غزيرا في إنتاجه مثلما هو حريص على تطوير صلته بأساليب الرسامين الرواد وبالرسم المصري عموما.

وقد يبدو غريبا أن رساما لم يدرس الرسم على أيدي الرسامين الذين سبقوه يحاول أن يكون وفيا لأساليبهم التي يتنكّر لها رسامون تعلموا الرسم على أيديهم.

الفرق هنا يكمن بين مدرستين. مدرسة يمثلها فؤاد وهي التي تسعى إلى الحفاظ على قواعد المحترف المصري في خصوصيته بكل ما يعنيه ذلك المصطلح من معان متشعبة، ومدرسة انفتحت على التحولات التي شهدها الفن العالمي في النصف الثاني من القرن العشرين وهي مدرسة لا ترى أيّ أهمية تذكر للهوية القومية في الفن بل تركّز على الهوية الشخصية.

نساء وحكايات دائما. ذلك هو عالم فؤاد في الجزء الأكبر منه. إن حضرت المرأة فإن علينا أن ننتظر مجيء الحكاية وإن رأينا تفاصيل حكاية مّا فإن المرأة لا بد أن تقف وراءها. وإذا ما كان الرسام قد سعى إلى أن يكون تعبيريا فإن استعانته بصور تمثل أشياء تعود إلى الماضي قد أضفت على فنه طابعا يجعله قريبا من الفنون الشعبية المعاصرة.

يرسم نساء ويستدعي حكايات

نساؤه يتنشّقن رائحة الزيت الذي لم يجف من على سطوح لوحات محمود سعيد. وفي أحيان كثيرة يذكّر فؤاد براغب عياد
نساؤه يتنشّقن رائحة الزيت الذي لم يجف من على سطوح لوحات محمود سعيد. وفي أحيان كثيرة يذكّر فؤاد براغب عياد

ذلك هو عالم فؤاد الذي جعله قريبا من الرسامين المصريين الذين كانوا يستلهمون الحياة في الأرياف ويضمّون أحلامهم إلى أحلام الفلاحين من أجل أن يصلوا إلى حلم مصري يكون بمثابة مصدر إلهام تُستمد منه عناصر الهوية الوطنية في الفن. وما لا يمكن إنكاره أن هذا الفنان قد تأثر عميقا بمعلمه الأول حسن سليمان الذي كان يعنى بالبيئة في رسومه ويراقب تأثيراتها على كائناته.

كان عميقا في معرفته الفنية وفي الوقت نفسه كان حريصا على أن يحتفل بجماليات التأثير المحلي. وهو ما تعلمه فؤاد منه وظل متمسّكا به. فالفنان يرسم نساءه وفي الوقت نفسه يستدعي الحكايات من الماضي ليمزج بينهما. نحن في هذه الحالة نرى ونسمع. هل يُعقل ذلك؟ سيكون الرسام في ذروة بهجته.

ولكن ما لا يمكن تصديقه أن الفنان رسم من أجل حكاية لا نرى تفاصيلها غير أن شيئا ما يقودنا إليها؟ بمعنى أنه ذهب إلى الخلاصات التي لم يحتجها الرسم.

غزل فؤاد بنسائه يتخطى الحكايات التي ترافقهن لأنه يسعى إلى التعبير عن سعادته بهن. يبهجه أن تكون رسومه رقيقة مثلهن.

 “طعم الزمن” هو عنوان أحد معارضه المتأخرة. رسام من نوعه يلتفت إلى الماضي بثقة وحنين. إنه يرى صورته هناك في عالم لم يعد له وجود. غير أنه عالم ساحر سيكون على الرسام أن يستعيده لكي يتعرّف على نفسه من جديد. وهي فكرة يفاجئ الرسام نفسه من خلالها. لكي لا يمرّ الزمن سيعترض الرسم طريقه.

يقف في وجه الزمن في محاولة لاحتوائه. ربما أراد من خلال الرسم أن يمشي إلى حيث يشاء. تلك محاولة فاشلة على المستوى الواقعي غير أنها لا بد أن تحقق أهدافها في الرسم. سيكون للزمن طعمه الخاص، غير أن ذلك الطعم لن يكون مرا.

فؤاد يرسم نساء منهمكات في الدفاع عن جمال أجسادهن من غير أن يمتزج ذلك بأيّ نوع من الغواية. ليست هناك شهوات مسبقة. ولا يمكن أن تقع تلك الشهوات بعد الرسم. فليس الجسد العاري مرسوما من أجل أن يكون مصدر إلهام اباحي. نساؤه هن عبارة عن لقى خيالية.

لم يعش فؤاد مرحلة الرواد ولم يدرس على أيديهم ولكنه من وجهة نظري واحد من قلة من الرسامين المصريين الذين يحافظون على الشخصية المصرية في الرسم من خلال الإمساك بخيط سرّي يقود إلى فراديس أولئك الرسامين الكبار.

ربما أراد من خلال الرسم أن يمشي إلى حيث يشاء
ربما أراد من خلال الرسم أن يمشي إلى حيث يشاء

 

9