سمعة شركات عالمية للحلي تلمع بالذهب "الأخلاقي"

عدد متزايد من الشركات العالمية العاملة في صناعة الحلي يسعى لاستعمال ذهب يحمل شعار "التجارة النزيهة" في جزء من إنتاجه حفاظا على البيئة.
الاثنين 2019/04/15
تدوير المستعمل حلّ للبيئة

تحاول الشركات العالمية العاملة في تصميم المجوهرات والساعات الاعتماد على الذهب المستخرج بشروط تحترم البيئة، وذلك للحد من الآثار الضارة لأنشطة البشرية عليها، وهاجسها الأكبر تأمين القدرة على مواصلة مسيرة النمو والازدهار دون المساس بسلامة كوكب الأرض وحمايته للأجيال المقبلة.

باريس- يتخذ عدد متزايد من الصاغة من التوفيق بين جودة الصناعة واستدامة الموارد الطبيعية شعارا لعملهم مؤكدين استخدامهم لذهب “أخلاقي” ومراع للبيئة في إنتاج الحليّ. وفي 2018، كانت “شوبارد” أول دار كبرى تعلن تزودها بذهب “أخلاقي بنسبة 100 بالمئة” في المجوهرات والساعات المنتجة لديها.

وتستعين هذه العلامة التجارية السويسرية بذهب يحمل شعار “التجارة النزيهة” في جزء من إنتاجها بما يشمل السعفة الذهبية الخاصة بالفائزين في مهرجان كان السينمائي. وباتت الشركة تتزود حصرا من جهات تم توثيق التزامها بمعايير بيئية واجتماعية مشددة، مثل مناجم بلدة لا يانادا أي “الأرض الذهبية” وسط جبال نارينيو في كولمبيا.

وحصلت لا يانادا على تسمية “الذهب المراعي للبيئة” بفضل أساليب العمل المعتمدة فيها التي لا تلجأ إلى المواد السامة، مثل السيانيد والزئبق. ويتم استخراج الذهب من هذه المنطقة الواقعة في جنوب غرب كولومبيا منذ زمن هنود أباديس الذين يعود أخر أثر لهم إلى سنة 1530 تقريبا.

وتقول المديرة الفنية لهذه المجموعة السويسرية كارولين شوفيلي، “باعتبار شوبارد شركة عائلية، لطالما شكلت الأخلاقيات جزءا مهما من فلسفتنا العائلية، لذلك كان من الطبيعي أن نضع الأخلاقيات في صميم قيم شوبارد”.

وتضيف، “بالنسبة لي، من البديهي أن جائزة السعفة الذهبية يجب أن تكون مراعية للبيئة”، كما أن نجمات سينمائيات عالميات ارتدين ذهبا منتجا من مناجم لا يانادا بينهن الفرنسية ماريون كوتيار.

الذهب النظيف قليل ومخاطر نفاياته أقل
الذهب النظيف قليل ومخاطر نفاياته أقل

وكانت شركة شوبارد قد اتخذت في عام 2013 قرارا للاستثمار بشكل مباشر في ذهب حرفيي التعدين، وكانت مسؤولة مسؤولية مباشرة عن عدد من المناجم الصغيرة الحاصلة على شهادة التعدين النظيف، وقد أتاح ذلك لمجتمعات التعدين الصغيرة بيع الذهب بسعر ممتاز، إضافة إلى ضمان سير عملية التعدين بما يتوافق مع الشروط البيئية والاجتماعية السليمة، كما ساعدت شوبارد في إنشاء طرق تجارة جديدة من المناجم التي تتعامل معها في أميركا اللاتينية إلى أوروبا.

وفي معمعة الشهادات والتراخيص المتعلقة بالذهب المصنف بأنه “مسؤول”، ثمة هيمنة واضحة لشعارين هما “فايرمايند” (التعدين النزيه) وتمنحه منظمة كولومبية غير حكومية، و”فايرترايد” (التجارة النزيهة) الذي تمنحه مؤسسة “ماكس هافيلار” السويسرية. وهذان الشعاران يدعمان مناجم حرفية عن طريق التركيز على أهمية احترام البيئة والالتزام بظروف عمل محددة ومداخيل ملائمة للعمال.

لكن في ظل المحدودية الفائقة في الإنتاج الذي لا يتعدى بضع المئات من الكيلوغرامات سنويا، فيما الإنتاج العالمي من الذهب يبلغ 3300 طن، يستعين الصاغة الحريصون على مصدر إنتاجهم بالذهب المعاد تدويره وبجهات حائزة على تراخيص من هيئة “أر.جي.سي” (ريسبونسيبل جولري كاونسل) التي طوّرت معيارا مرجعيا لكل سلسلة التموين.

ويعد تعدين الذهب من أكثر الصناعات والمشاريع الاقتصادية خطرًا على البيئة؛ لما له من آثار سلبية ضخمة على النظام البيئي وتوازنه من خلال نفاياته المدمرة، وتلويثه لمياه الشرب، وخطورة تعدينه على العمال وحياتهم.

يذكر أن كبرى شركات تعدين الذهب حول العالم وهي أربع شركات فقط تقوم بإلقاء ما يعادل 86 بالمئة من حجم نفايات الذهب الملقاة في مصادر المياه، بواقع 155 طنا من مخلفات تعدين الذهب سنويا يتم إلقاؤها في المياه.

وقد اشترت مجموعة كيرينغ العملاقة في مجال المنتجات الفاخرة أكثر من 3.5 طن من الذهب “المسؤول” منذ 2015 لتصنيع حليّ من ماركاتها المعروفة “بوشرون” و”بوميلاتو” و”دودو” و”غوتشي”. وتعهدت المجموعة بالاعتماد بنسبة 100 بالمئة على الذهب “الأخلاقي” بحلول 2020.

تقول كلير بيرودي المسؤولة عن التنمية المستدامة في قسم إنتاج الساعات والمجوهرات لدى كيرينغ، “نحاول زيادة حصة الذهب الحائز على شهادتي فايرمايند وفايرترايد قدر المستطاع، غير أن الإنتاج الضئيل للغاية الحائز على هاتين الشهادتين يسجل طلبا كبيرا، لذا فإن أكثرية تمويننا تبقى من الذهب المعاد تدويره والمرفق بشهادة أر.جي.سي تشاين أوف كاستودي”.

وعلى صعيد الأسعار، الذهب الحائز شهادة “فايرمايند” أو “فايرترايد” أغلى بنسبة “تراوح بين 10 بالمئة و12 بالمئة، ويقول إديسون روسيرو المسؤول عن فريق في منجم حاصل على شهادة “فايرمايند” في بلدة لا يانادا الكولمبية، “في بعض الأحيان تتخطى كلفة التنقيب الأرباح المتأتية منه. العمل في المناجم يمثل دائما مغامرة”.

ووفق بيرودي فإنه “أمام ارتفاع أسعار الذهب الأخلاقي وقلته يعتمد الصاغة على الذهب المعاد تدويره لأنه لا يكبّد تقريبا أي تكاليف إضافية، وهو أيضا ذهب كان له استخدام سابق على شكل قطع حليّ أو كأحد مكونات منتج للتكنولوجيا الحديثة”. وقد تميزت علامة “كوربيه” التجارية التي انطلقت في ربيع العام الماضي باعتمادها حصرا على المعدن النفيس المتأتي من المخلفات الإلكترونية أو الصناعية.

155 طنا من مخلفات تعدين الذهب سنويا يتم إلقاؤها في المياه من قبل أربع شركات كبرى

وتقول ماري آن واشتميستر وهي من بين مؤسسي الدار ومديرتها الفنية، “لا نريد الترويج لاستخراج المعادن أو استخدام الذهب المستخرج حديثا، لذا بحثنا عن مزودين يعيدون تدوير الذهب الموجود في بطاقات العرض المرئي أو وحدات المعالجة المركزية في أجهزة الكمبيوتر. فنحن نعلم اليوم أن أكثر من نصف مخزونات الذهب المتوفرة قد استنفد”.

وتشدد ماركة “كوربيه” على أن إنتاجها “صديق للبيئة”. وتوضح واشتميستر “في منجم، قد يحوي طنا من التربة نستخرج 5 غرامات من الذهب فيما قد يولّد طن المخلفات الإلكترونية 200 غرام”.

وتضيف “الزبائن باتوا أكثر تطلبا على صعيد الالتزام بالمعايير البيئية، هم يعون أثر ذلك على الحياة اليومية ويفكرون بمصدر الثياب التي يرتدونها”. ولجهة المصنعين، يقول تييري لومير المدير العام لمشغل “بونس” المقام منذ سنة 1886 في حي لوماريه الباريسي إن “ثمة وعيا حقيقيا لدى العامة بشأن التموين”.

ويوضح هذا الممثل للجيل الخامس من الشركة العائلية، “المنطق السائد في هذا الإطار هو التالي، إذا ما أردنا القيام بعملنا على نحو جيد، علينا احترام الطبيعة إلى أقصى حدّ. هذا الأمر بات ممكنا لأن كل السلسلة أصبحت خاضعة لمعايير محددة”. وتنتج شركة “بونس” حوالي 45 ألف خاتم سنويا، ويذوّب الذهب المعاد تدويره لتشكيله على صورة حلقات. ويعمل الحرفيون بدقة كبيرة على آلات صقل الجواهر مع قطعة جلد كبيرة على الركبتين لجمع الفتات المتناثر.

20