سلمى اللومي أول سيدة تدير الديوان الرئاسي مرشحة لقيادة نداء تونس

وزيرة السياحة السابقة تؤكد بخطوات ثابتة وكلمات محسوبة، قدرة المرأة التونسية على لعب الأدوار السياسية المهمة.
الاثنين 2019/04/15
اللومي الرقيق الدينامو والمايسترو الذي كان وراء نجاح تنظيم القمة العربية

عندما كان الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي يرأس الجلسة الافتتاحية لمؤتمر القمة العربية الثلاثين يوم 31 مارس الماضي، كانت تجلس وراءه مباشرة من اليمين سيدة شقراء، تبدو عليها علامات أرستقراطية تكسو ملامحها بوقار هادئ.

إنها سلمى اللومي الرقيق الدينامو والمايسترو الذي كان وراء نجاح الجانب التنظيمي للقمة، وأول سيدة تشغل منصب مديرة للديوان الرئاسي في تاريخ الدولة التونسية الحديثة، والقيادية الخارجة لتوها من المؤتمر التأسيسي لحزب حركة نداء تونس بنجاح باهر قد يؤهلها لأدوار سياسية كبرى خلال المرحلة القادمة.

ومنذ أن تولت منصب مديرة الديوان الرئاسي برتبة وزيرة، تسلمت اللومي ملف الإعداد للقمة العربية التي كان الرئيس قائد السبسي يعوّل عليها كثيرا، يقول المقربون منها إنها كانت تقضي أكثر من 14 ساعة عملا في اليوم، من أجل أن تكسب الرهان. فهذا الحدث بالنسبة لها، لا يعني فقط راحة الضيوف من القادة والزعماء والوفود الرسمية والإعلامية، وإنما يعني كذلك تقديم صورة لائقة عن تونس تعيد إليها بريقها كوجهة للاستثمار والسياحة، حيث لا تنسى أنها سيدة أعمال من الدرجة الأولى، وكانت آخر وظيفة تولتها قبل التحاقها بقصر قرطاج وزارة السياحة.

موضع الثقة

كان على اللومي أن تتابع لحظة بلحظة كل الاستعدادات للحدث الكبير، سواء من حيث الإصلاحات التي تم إدخالها على قصر المؤتمرات الذي احتضن اجتماع القمة أو الترتيبات في مدينة الثقافة لاستقبال الإعلاميين في المركز الذي أمّه أكثر من ألف صحافي وإعلامي محليين وعرب وأجانب، أو من ترتيب تحركات رئيس الدولة واستقبالاته ولقاءاته، والإعداد اللوجيستي والتنسيق مع مختلف جهات الاختصاص، ومن بينها الأمن الرئاسي الذي أدى دورا كبيرا في تأمين الحدث وتوفير كافة مستلزمات التنظيم المباشر لحركة الوصول والتنقل والإقامة والمسك بزمام المساحات بالتعاون مع بقية الأجهزة السيادية.

يقول البعض إن اللومي محل ثقة الرئيس، وهذا أمر تثبته الوقائع، منذ أن كانت من بين أبرز الوجوه المؤسسة لحزب حركة نداء تونس في العام 2012، حيث تحملت مسؤولية أمينة مال الحزب إلى جانب عضويتها المكتب التنفيذي، وفي انتخابات العام 2014 ترشحت لعضوية البرلمان كرئيسة عن قائمة الحزب بدائرة نابل 1، شمال شرقي البلاد، وفازت قائمتها بأربعة مقاعد، غير أنها تخلت عن مقعدها بالمجلس لتشرف على حقيبة السياحة في حكومة الحبيب الصيد، فالدستور التونسي يمنع الجمع بين الوزارة وعضوية البرلمان.

سلّم السياسة

اللومي تتمتع بثقة كبيرة يوليها إياها الرئيس، وهذا أمر تثبته الوقائع، منذ أن كانت واحدة من بين أبرز الوجوه المؤسسة لحركة نداء تونس، حيث تحملت مسؤولية أمينة مال الحزب إلى جانب عضوية المكتب التنفيذي.
اللومي تتمتع بثقة كبيرة يوليها إياها الرئيس، وهذا أمر تثبته الوقائع، منذ أن كانت واحدة من بين أبرز الوجوه المؤسسة لحركة نداء تونس، حيث تحملت مسؤولية أمينة مال الحزب إلى جانب عضوية المكتب التنفيذي.

ومن موقعها الحزبي، كانت اللومي من أبرز الفاعلين في دعم ترشح زعيم نداء تونس سنة 2014، وعندما سئلت عن سبب حماستها له قالت “الباجي قائد السبسي هو الرئيس الأنسب لتونس في ضوء المشهد السياسي الحالي، هو الوحيد القادر على ضمان الوحدة الوطنية.

سي الباجي لا يتحرّك من منطلق طموح شخصي فتاريخه يشهد له، هو يقدم نفسه لخدمة الدولة العصرية التي كان أحد بناتها ويعز عليه اليوم أن يراها تنهار تدريجيا ولذلك كان شعاره الرئيسي إعادة هيبة الدولة، سي الباجي نجح في إدارة المرحلة الانتقالية الأولى في العام 2011 وكان الضامن لتنظيم انتخابات حرّة ونزيهة وقام بتسليم السّلطة بطريقة سلميّة ولعب دورا مهمّا في إعادة التوازن للسّاحة السياسية بإنشاء حركة (نداء تونس) التّي أعادت الأمل للتونسيين”.

 وعندما سئلت عما إذا كانت ترى من المناسب أن يترشح للرئاسة وهو في السابعة والثمانين من عمره، قالت “إن قصة السن تعلّة مَنْ لا تعلّة له، واضرب على ذلك مثلا كونراد أديناور في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية وكيف ساهم في إعادة بناء بلاده، وأذكركم برئيس إيطاليا السابق جورجيو نابوليتانو الذي كان يحكم وعمره  89 عاما، كلّما ذكروا سنّ سي الباجي أثبتوا أنّهم لم يجدوا له عيوبا من المنظور السياسي فراحوا يبحثون عن مدخل آخر يهاجمونه منه”.

لم يأت ولاؤها للباجي قائد السبسي من فراغ، فهي من المدافعين الشرسين عن الدولة التونسية الحديثة التي أسسها الزعيم الحبيب بورقيبة، وولدت في السادس من يوليو 1956 أي بعد أقل من ثلاثة أشهر من استقلال تونس، وقبل شهرين وأسبوع واحد من صدور قانون الأحوال الشخصية في 13 أغسطس 1956 ليمثّل نقلة مهمة في تاريخ البلاد وفي حياة المرأة التونسية.

المشاركون في مؤتمر النداء يتحدثون عما يمكن أن يكون للومي من دور حاسم في إنقاذ حزبهم، وهي التي أثبتت قدرة فائقة على الإدارة والقيادة، لذلك منحوا قائمتها أغلبية الأصوات، لتفوز بأغلبية مقاعد المكتب السياسي ولتتأهل إلى زعامة الحزب، مقابل فشل قائمة حافظ قائد السبسي

وبعد حصولها على شهادة الثانوية العامة في اختصاص العلوم، واصلت دراستها الجامعية لتحصل على شهادة الأستاذيّة في التّسويق من المعهد العالي للتصرّف، كما انضمت إلى الفصل الأول في مرحلة ثالثة اقتصاد وتصرّف في كليّة الحقوق بتونس، قبل أن تتجه للعمل في القطاع الخاص ضمن مشاريع أسرتها.

 شغلت اللومي منصب مديرة عامة لشركات تعمل في الصناعة الكهربائية والغذائية والزراعية، وذلك بالتزامن مع إقبالها على عدد كبير من الدورات التكوينية والتربصات العلمية في اختصاصات عدة من بينها المساهمة في اجتماعات الهيئة الماليّة لباكارد إلكتريك التابعة لجنرال موتورز متعددة الجنسيات، وثاني أكبر شركة عالمية في صناعة السيارات، وتكوين في إدارة المشاريع، وآخر في الإدارة الإستراتيجية، وفي إدارة الأزمات، وتكوين في أنظمة التميّز وفي برنامج المنظمة الدوليّة لتوحيد المقاييس “إيزو 9001”، ثم في برنامج المنظمة الدوليّة لتوحيد مقاييس المواصفات الفنية، وفي برنامج سيغما 6.

وهي أيضا أحد مالكي مجموعة اللومي الناشطة في العديد من القطاعات الاقتصاديّة والتي أسسها والدها توفيق اللومي. ومن الوظائف التي تولتها ضمن هذه المجموعة منصب مدير عام لمجمع شركات متخصّصة في صناعة الضفائر الكهربائيّة للسيارات لفائدة ماركات عالمية مثل “رينو” و“بيجو” و“فولفو” و“أوبل”، ومديرة عامة لمجمع شركات متخصّصة في إنتاج الخضار والفواكه الطازجة وتجميدها وتحويلها إلى مستحضرات معدّة للصناعات الغذائيّة.

المرأة الأكثر نفوذا في تونس

في الأول من نوفمبر 2018 قرّر الرئيس الباجي قائد السبسي تعيين اللومي وزيرة مديرة للديوان الرئاسي، بعد مغادرتها وزارة السياحة والصناعات التقليدية التي كانت تولت الإشراف عليها في حكومة الصيد، لتواصل الاضطلاع بمهامها على رأس نفس الوزارة مع حكومة يوسف الشاهد، إلى حين تعيينها لهذا المنصب.

ويشير المراقبون إلى أنها ورغم نجاحها في إخراج قطاع السياحة من النفق الذي تدحرج إليه بسبب الإرهاب وغياب الاستقرار السياسي في البلاد بعد احداث 2011، إلا أن السبسي كان يريد أن يكسبها إلى جانبه في القصر الرئاسي، انطلاقا من الثقة التي تحظى بها لديه، والتي أثمرت تميزا في تنظيم القمة العربية الثلاثين، وفي مواكبة مؤسسة الرئاسة لمجمل الأحداث والتطورات في داخل البلاد وخارجها.

نجاح القمة العربية لم يكن يعني للومي فقط راحة الضيوف من القادة والزعماء والوفود الرسمية والإعلامية، وإنما يعني كذلك تقديم صورة لائقة عن تونس تعيد إليها بريقها كوجهة للاستثمار والسياحة.
نجاح القمة العربية لم يكن يعني للومي فقط راحة الضيوف من القادة والزعماء والوفود الرسمية والإعلامية، وإنما يعني كذلك تقديم صورة لائقة عن تونس تعيد إليها بريقها كوجهة للاستثمار والسياحة.

ويبدو أن قائد السبسي لا يقف عند هذا الحد، وإنما يريد أن يستفيد من اللومي في إعادة الروح لحزب نداء تونس الذي ما انفك يمر بظروف صعبة كادت أن تعصف به نهائيا نتيجة ما شهده من تشققات وتصدعات وخيانات، ومن خيبات نقلته من موقع الصدارة في المشهد البرلماني إلى المرتبة الثالثة، ومن حزب حاكم إلى حزب غير قادر حتى على المعارضة بسبب التناقضات التي عرفها من داخلها.

استشف المشاركون في مؤتمر النداء ما يمكن أن يكون للومي من دور حاسم في إنقاذ حزبهم، وهي التي أثبتت قدرة فائقة على الإدارة والقيادة، لذلك منحوا قائمتها أغلبية الأصوات، لتفوز بأغلبية مقاعد المكتب السياسي ولتتأهل إلى زعامة الحزب، مقابل فشل قائمة حافظ قائد السبسي.

 اللومي تؤكد بخطوات ثابتة وكلمات محسوبة، قدرة المرأة التونسية على لعب الأدوار السياسية المهمة، خصوصا عندما تكون محفوفة بشقيق له نفس التوجه والموقف، وهو رجل الأعمال البارز فوزي اللومي، وزوج يشاركها الطموح والقناعة وهو الطبيب المختص في أمراض العيون عبدالرؤوف الرقيق، وكلاهما منتخب إلى جانبها ضمن المكتب السياسي الجديد للنداء.

 اختيرت اللومي في العام 2013 من بين الـ25 امرأة الأكثر تأثيرا في أفريقيا، وفي العام 2014 اختيرت لتكون المرأة الأكثر نفوذا في تونس ثم كانت في 2015 المرأة الأكثر تأثيرا في تونس كذلك، وفي العام 2017 حلّت ضمن قائمة أصدرتها مجلة “فوربس الشرق الأوسط” لأقوى 10 سيدات في القطاع العمومي، واعتبرتها المسؤولة عن تعزيز السياحة في تونس، وهو ما يشير إليها المراقبون، نظرا لتوليها الإشراف على حقيبة السياحة في الوقت الذي كانت فيه البلاد لا تزال تدفع فاتورة الإرهاب والعمليات الدموية التي ضربت متحف باردو والمنتجع السياحي “القنطاوي” بمدينة سوسة الساحلية، ثم حافلة الأمن الرئاسي في قلب العاصمة، وصولا إلى هجوم تنظيم داعش الإرهابي على مدينة بنقردان.

13