"سعيد أفندي" يؤرخ للسينما العراقية

فيلم واقعي يعبر بامتياز عن المحلة البغدادية.
السبت 2021/09/04
زينب بقيت حاضرة رغم غيابها

في السادس من أكتوبر القادم تكون قد مرّت أربعة وستون عاما على العرض الأول للفيلم العراقي "سعيد أفندي" للمخرج كاميران حسني في سينما ميامي في بغداد، ومع كل تلك العقود وإنتاج السينما العراقية للعشرات من الأفلام بعده، إلا أن هذا الفيلم بقي علامة مهمة في تاريخ السينما العراقية.

كان عليّ أن استثمر "لعبتي الصحافية" بعد أن أحسست بمزاج متصاعد عند الفنان يوسف العاني للاستذكار. كانت جلسة نادرة منتصف تسعينات القرن الماضي في فندق بضاحية قمرت على أطراف العاصمة التونسية على سواحل المتوسط، وكانت المرة الأخيرة التي رأيت فيها الفنان العراقي الراحل.

سألته لمن تعزو نجاح فيلم "سعيد أفندي" في خمسينات القرن الماضي حيث كان الإنتاج السينمائي العراقي يحبو؟

شعر الفنان العاني بسعادة بالغة إزاء السؤال في جلسة كان يشاركنا فيها كلّ من الفنانة فاطمة الربيعي والمذيعة أمل المدرس والفنان مقداد مسلم والإعلامي صباح الربيعي، حيث جمعتهم تونس آنذاك في المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون.

قبل أن ينطلق الفنان الرائد في الكلام، شعرت وكأن المدرس تبحث عن جهاز تسجيل لتوثق كلام الفنان العراقي لبرنامجها في إذاعة بغداد، بينما التفت إليّ الصديق صباح الربيعي، وكأنه أعد السؤال اللاحق ليوسف العاني.

رد العاني وأنا أقابله في الجلسة الدائرية في رواق الفندق الجميل "سألتني كرومي! والسبب بسيط للغاية، لقد اجتمعنا قبل الشروع بتصوير الفيلم وأقسمنا بإخلاص جماعي ألا نسمح لأيّ خطأ ينطلي على المشاهد".

لا يبدو لي ذلك السبب الوحيد لنجاح فيلم عراقي عرض عام 1957، كما شارك في مهرجان موسكو السينمائي عام 1959، بل الدافع الإبداعي لدى المخرج كاميران حسني (رحل عام 2014 في كاليفورنيا) بمعية فريق العمل على الرغم من الإمكانيات البسيطة التي كانت متاحة لفريق الإنتاج والتصوير.

مدرسة واقعية باهرة

المقاهي البغدادية حضرت بأجوائها
المقاهي البغدادية حضرت بأجوائها

كان حسني القادم إلى العراق بعد سنوات دراسة السينما في كاليفورنيا توّاقا لصناعة سينمائية. إذ سبق إخراجه لـ"سعيد أفندي" إصدار مجلة سينمائية عراقية.

بينما كان يوسف العاني (رحل عام 2016 في عمان) ممثلا وكاتبا للحوار، مهووسا بالحلم السينمائي ومتحمسا أن تكون لدى العراق سينما يمكن أن تشد عين المشاهد كما كتب مرة "أن يكون لنا فيلم أو أفلام عراقية، بالقدر الذي يتلاءم وتصوراتنا آنذاك. أن نتجاوز تجارب مرت فيها السينما المصرية، وأن تحذو حذو أفلام شاهدناها في السينما الإيطالية الجديدة".

كانت تتراءى أمام العاني وحسني أفلام "سارق الدراجة" و"معجزة في ميلانو" و"روما مدينة مفتوحة" بينما تتردد في ذاكرتهما أسماء الواقعية الجديدة في السينما الإيطالية آنذاك.

لذلك اختار يوسف العاني قصة واقعية للأديب العراقي إدمون صبري (رحل عام 1975 في العراق) بعنوان "شجار" ليصنع منها مادة سينمائية بحوار بغدادي أكثر من يتقنه العاني، فيما تولى حسنى كتابة السيناريو فضلا عن الإخراج.

وبالفعل كان فيلما واقعيا بغداديا لا يمكن أن يغادر الذاكرة بعد مرور أكثر من نصف قرن على إنتاجه. ومن حسن حظ الجيل المعاصر أنه قادر على مشاهدته بنسخة مقبولة محملة على موقع يوتيوب.

فيصل الياسري: سعيد أفندي كان أملا بظهور سينما عراقية ملتزمة بهموم الناس

عندما عرض الفيلم في بغداد كان يوسف العاني ومن سوء حظه في ألمانيا الشرقية آنذاك. وفي نفس الجلسة التونسية روى لي كيف كان يتحرّق انتظارا للأخبار القادمة من العراق بعد أن تأخرت الرقابة في العهد الملكي بالموافقة على عرضه.

وقال العاني "وصلتني إلى الفندق رزمة بريدية من أحد الأصدقاء بعد أسابيع من العرض الأول للفيلم، جمع فيها كل الصحف آنذاك التي غطت أخبار عرض الفيلم، ففرشتها أمامي على الأرض مبتهجا بمطالعتها، وكأنني بين الحاضرين في حفل افتتاح 'سعيد أفندي'.."!

لم تكن المفاجأة لكادر عراقي أخلص في إنتاج وأداء الفيلم، بل كانت للمشاهد الفرنسي أيضا، وهذا ما ذكره أستاذ النقد في معهد السينما في باريس عندما تم تكريم العاني في معهد العالم العربي في تسعينات القرن الماضي وعرض فيلم "سعيد أفندي"، فقال الناقد الفرنسي وفق شهادة تلفزيونية ليوسف العاني (لم يذكر اسم الناقد الفرنسي) إنه "اكتشف للمرة الأولى بأن هناك مدرسة واقعية باهرة في السينما تأتي من العراق". ويعزو ذلك المخرج العراقي فيصل الياسري إلى اللحظة التاريخية التي ظهر فيها فيلم "سعيد أفندي".

وقال الياسري الذي يعد أغزر المخرجين العراقيين إخراجا للأفلام في تصريح لـ"العرب"، "تلك اللحظة جعلت خصائص الفيلم أكثر بروزا، فاهتم به النقاد والمثقفون وصفقوا له، وكان ظهور الفيلم في زمانه يحمل لنا ملامح البشارة باحتمال ظهور سينما عراقية ذات موضوعات اجتماعية وثقافية شعبية ملتزمة بهموم الناس وتعالجها من خلال فكر تقدمي واضح المعالم، وأن يكون ذلك الإنتاج من قبل القطاع الخاص الذي موّل الإنتاج وحشد له أفضل العناصر أمام الكاميرا وخلفها وقادهم المخرج حسني".

المحلة البغدادية

يوسف العاني صار اسمه سعيد أفندي
يوسف العاني صار اسمه سعيد أفندي

يقدم فيلم "سعيد أفندي" المحلة البغدادية على طبيعتها التلقائية، بعيدا عن أيّ تكلف أو تزويق تفتعله الأستوديوهات، فالفيلم برمته صوّر في محلة الحيدرخانة، كما أنه يؤرخ لمهن وتقاليد وأعمال وغناء كانت سائدة آنذاك. مثلما يعرض لطبيعة العلاقات الاجتماعية المتوترة بين الجيران في محلة شعبية بغدادية.

قصة الفيلم الذي كان عرضه الافتتاحي الأول في السادس من أكتوبر عام 1957 في سينما ميامي ببغداد، على بساطتها، ستبقى في ذاكرة من شاهده بالأمس ومن يشاهده اليوم، لأنها تعبر بامتياز عن بغداد الخمسينات.

"سعيد أفندي" الذي يؤدي دوره الفنان يوسف العاني، معلم يضطر تحت وطأة تهديد المستأجر لأن يخلي داره مع زوجته الفنانة زينب (رحلت عام 1998 في السويد) وأولاده الثلاثة، وبمساعدة زميله المعلم، يؤدي دوره الفنان عبدالواحد طه (رحل عام 2003 في بغداد) يحصل على منزل في محله شعبية ضاجة بالحركة وصخب لعب الأطفال. فيما يكون جاره الإسكافي الفنان جعفر السعدي (رحل عام 2005 في بغداد).

تحضر هنا طفلة الإسكافي الخرساء المحبة للطفل عزيز أصغر أبناء المعلم، وتنظر إليه بمودة متناهية كاشفة عن المحبة، وهي كما يبدو ثيمة ابتكرها المخرج وكاتب السيناريو كاميران حسني ولم تكن موجودة في أصل قصة "شجار" لإدمون صبري.

وكعادة الأسر البغدادية سرعان ما تتوثق العلاقات الأسرية بين الجيران، خصوصا بين النساء، الأمر الذي حصل بين أسرتي المعلم المتذمر من صخب أطفال المحلة وجاره الإسكافي.

لكن شجار أولاد الأسرتين يقطع حبل التواصل بعد أن دب الخلاف أولا بين الزوجتين.

فيلم "سعيد أفندي" يقدم المحلة البغدادية على طبيعتها التلقائية، بعيدا عن أي تكلف أو تزويق تفتعله الأستوديوهات

في غضون ذلك يتفاجأ المعلم بدكان جاره الإسكافي المغلق، وعندما يسأل زوجته تخبره بمرضه ورقاده عاجزا في المنزل عن توفير ثمن الدواء.

هنا يُنسى أيّ خلاف بين الجيران عند المحن، كعادة العراقيين الغاضبين والمتناسين للضغينة بعدها! عندها يجلب المعلم طبيبا لجاره الإسكافي ويدفع كلفة العلاج والدواء معا، فيعود الوئام بين الجارين، لكن مشاجرة أخرى بين الأولاد تنهي المودة المؤقتة بين الأسرتين، بعد أن تسقط قطعة حجر على رأس الطفل عزيز وتشج رأسه، وتتهم فيه الطفلة الخرساء المحبة لعزيز أصلا، مع أنها كانت تريد إنقاذه مما كان يقدم عليه شقيقها.

بعد أن ينقل الطفل إلى المستشفى نكتشف حزن سعيد أفندي، الذي يرى في الخمر حلا لأساه على طفله الراقد بين الحياة والموت.

ينقلنا الفيلم هنا إلى حانات بغداد وغناء يوسف عمر لمقامات حزينة، وعودة المخرج إلى تنويع سينمائي خارج أجواء المحلة البغدادية، ينجح في تقديم شخوص من فئات المجتمع البغدادي آنذاك.

وفي واحد من المشاهد الحزينة يكشف لنا الفنان الرائد يوسف العاني قدرته البارعة على الأداء التعبيري المتقن عندما يبث أحزانه أمام الطفلة الخرساء مسائلا إياها لماذا فعلت ذلك بالطفل ألم تكن تحبه! الأمر الذي يؤدي إلى انهيارها وهي البريئة من دم عزيز.

في النهاية ينقذ الطفل ويخرج من المستشفى، كما يتم إخراج الإسكافي من التوقيف في مركز الشرطة، لكن سعيد أفندي يوصي أولاده بالقطيعة التامة مع أسرة جارهم الإسكافي.

لا ينتهي الفيلم هنا. فثمة ما يستحق في إعادة العلاقة بين أسرتي المعلم والإسكافي، وهذه المرة بسبب حذاء سعيد أفندي الذي يحتاج إلى إصلاح، فيطلب من ابنه الكبير أخذه إلى الإسكافي الآخر في نهاية المحلة وتجنب محل جارهم!

لكن الطفل المار من أمام دكان عبدالله الاسكافي لا يمكن أن يواصل مسيره عندما يشاهده الجار ويطلب منه تسليمه الحذاء لإصلاحه، ومع رفض الطفل لإن والده أوصاه بذلك، يصر عبدالله الإسكافي على أخذ الحذاء وإصلاحه بسرعة وإعادته إلى سعيد أفندي بنفسه معتذرا منه.

علامة سينمائية

كاميران حسني وزوجته الأميركية لوسي في حفل العرض الأول لـ"سعيد أفندي"
كاميران حسني وزوجته الأميركية لوسي في حفل العرض الأول لـ"سعيد أفندي"

فيلم "سعيد أفندي" الذي قدم لنا الفنان العراقي الرائد إبراهيم جلال (رحل عام 1991 في بغداد) مساعدا للمخرج، والفنانة زينب في أول أدوارها السينمائية، بقي علامة سينمائية مؤثرة إلى اليوم، ولكن من سوء حظ السينما العراقية أن المخرج كاميران حسني لم يواصل بعد أن أخرج فيلمين آخرين وعاش منكفئا على نفسه يدير مشروعا لا علاقة له بالسينما حتى هجرته إلى الولايات المتحدة مع زوجته الأميركية.

يقول فيصل الياسري "كاميران حسني العائد حديثا إلى الوطن والذي سعى لنشر الثقافة السينمائية بإصدار مجلة السينما التي كتبت فيها أكثر من مرة، لم يستمر مع الأسف وهاجر من جديد، ولكن أسلوب الواقعية الذي تبناه ظهر واضحا عند بعض من جاؤوا بعده".

ولاحظ الياسري في تصريح لـ"العرب" أن الكثيرين ممن نشطوا في العمل السينمائي في الخارج وعادوا إلى العراق لم يصمدوا أمام صعوبات الإنتاج السينمائي وفضلوا التغني بعراقيتهم وهم في المهجر فلم تولّد محاولاتهم تجارب تراكمية ولم تؤسس لبنية سينمائية إنتاجية يتبناها القطاع الخاص تملك مقومات الإنتاج المستدام الذي يتمناه السينمائيون الآن ويطالبون الدولة بضمان تحقيقه، وهذا ما أشك شخصيا بحدوثه.

ويرى الياسري أن عجلة الإنتاج السينمائي العراقي ومن أجل أن تستمر بالدوران لتتحول إلى صناعة حقيقية يجب أن يدخل فيها القطاع الخاص بشكل جاد ومهني مدروس.

زينب (فخرية عبدالكريم) مثلت علامة مؤثرة في تاريخ الدراما العراقية قبل هجرتها
زينب (فخرية عبدالكريم) مثلت علامة مؤثرة في تاريخ الدراما العراقية قبل هجرتها

 

16