سامي مهدي شاعر الوضوح بغنى حكمته

البغدادي العريق قبل الألم وبعده.
الأحد 2022/07/31
رجل أدركته السعادة وهو لا يستخف بألمه

لم يظهر سروره يوما ما لأنه كان أحد الموقعين الأربعة على البيان الشعري الذي تصدر مجلة شعر 69 في عددها الأول.

ربما شعر أنها هفوة. وسامي مهدي من النوع الذي يحاسب نفسه على الأخطاء الصغيرة التي يرتكبها لأنه إنساني بضراوة في شعره.

وفي المقابل فإنه يتصدى بقوة وحزم لأخطاء الآخرين، ما يتعلق منها بشكل أساس بالتاريخ الثقافي. مقاله عن جبرا إبراهيم جبرا كان جارحا، ليس لجبرا بل لجمهرة من مريدي صاحب “السفينة”. كذلك كان كتابه عن توفيق صايغ. لا لشيء إلا لأنه قال ما لم يكن أحد يجرؤ على قوله حين حاول أن يفكك الشائعة خدمة للحقيقة.

منقّب في محبرة الشاعر

لم يكن خلافه على صعيد الأدب عقائديا فهو لم يكن يوما ما شاعرا عقائديا. في كتابه “الموجة الصاخبة” رسم خارطة أخرى لشعراء العقد الستيني في العراق كما عرفهم، كما عاش بينهم ولم يكن ذلك الكتاب مجرد رد على كتاب فاضل العزاوي “الروح الحية”.

حين رد مهدي الاعتبار إلى نهاد التكرلي ناقدا فوجئ الكثيرون الذين لم يتعرفوا على التكرلي إلا مترجما، وبقدر ما هو شاعر فإن مهدي منقب في الثقافة العراقية، لكن بعد أن يدخلها في محبرة الشاعر. وهو المرهف والحساس والمحبط في توقعاته والمجهد في مواجهة سيل من الأحكام المرسلة. في كل محاولاته النقدية لم يكن إلا ذلك الشاعر الذي سيكون غريبا في نهاية الأمر.

مهدي شاعر معنى، بل هو شاعر حكمة. ولكن أي معنى الذي تنتج عنه تلك الحكمة؟      

أفسد مهدي الشعر الستيني بوضوحه. لم يلعب باللغة كما فعل الآخرون. لقد أسرته اللغة لكنها في الوقت نفسه حررته من صمته. حتى في “رماد الفجيعة” وهو كتابه الشعري الأول الذي صدر عام 1966 كان مهدي مختلفا في تأثره بشعراء الحداثة الأولى الذين سبقوه؛ أدونيس، خليل حاوي، السياب. كان صنيع ذائقة شعرية مختلفة. فشعره غاص بالأسئلة الوجودية التي تتعلق بالمصير البشري.  

“وأنا أنظر في هذا المصير

وأرى الإنسان في الجب صريعا يستجير

وأرى القيصر ما زال كما كان

إلها يملك الإبرام والنقض وتصريف الأمور

قلت: لابد إذن من رحلة أخرى

ومن شوط أخيرْ”.

ولد في بغداد عام 1940. الاقتصاد كان اختصاصه الأكاديمي. عمل في المؤسسات الإعلامية وأدار عددا منها مثل الإذاعة والتلفزيون، كما تولى رئاسة تحرير عدد من الصحف العامة والمجلات الثقافية، منها صحيفة “الجمهورية” ومجلة “المثقف العربي”.

بعد “رماد الفجيعة” أصدر أكثر من عشرين كتابا شعريا. ترجم عن الفرنسية مختارات من شعر عدد من الشعراء الفرنسيين منهم جاك بريفير وهنري ميشو. وأصدر كتبا نقدية عن الشعر والتاريخ الثقافي العراقي والعالمي، منها “أفق الحداثة” و”حداثة النمط” الذي أصدره عام 1988. بعده أصدر أكثر من عشرين كتابا كانت عبارة عن كتب إشكالية لما تضمنته من أجواء استفهامية، حاول مهدي من خلالها الخروج على السائد من القناعات، منها “أرتور رامبو الحقيقة والأسطورة”، و”ألف ليلة وليلة كتاب عراقي أصيل”. وفي العام 1987 كتب مهدي روايته الوحيدة “الصعود إلى سيحان”.

بغداده التي اختفت

● شعر مهدي شعر سهل مثل شعر ريتسوس وبريفير وكافافي، بالرغم من قوة تأثيره ورشاقته
● شعر مهدي شعر سهل مثل شعر ريتسوس وبريفير وكافافي، بالرغم من قوة تأثيره ورشاقته

يقول مهدي عن علاقته ببغداد “أنا بغدادي عريق. أعشق بغداد ولا أستطيع العيش خارجها رغم قسوة ظروفها الداخلية، وأفضل الموت في بغداد على الموت في أي مكان آخر. أما عن الخوف فإنني لا أخاف إذ ليس لدي ما أخاف عليه حتى حياتي. وأما عن الأمل فهو ضئيل حتى لا أكاد أتلمسه أو أجده. وأما عن الترقب فلست أحمل شيئا من ترقب كاف للبرابرة أو غير البرابرة. وأما عن الألم فهو كثير جدا، هو رفيقي المستديم من قبل ومن بعد”.

لم يُعرف عن مهدي حبه للظهور، لذلك لم يشارك في مهرجانات الشعر في بغداد أوسواها من المدن العربية. لم يلب الدعوات التي وجهت إليه، واعتذر عن إجراء الحوارات الصحافية، لذلك كان انتشار اسمه وشعره في الفضاء العربي محدودا وعلى المستوى الشخصي فقد التصقت به صفة النزاهة مثل تهمة، بحيث كان أصدقاؤه يغادرون المؤسسة التي يُرشح لإدارتها خشية أن يكونوا أول المتضررين. وهو متسامح في خصوماته الأدبية بالرغم من حماسته للمضي في الجدل إلى نهايته.

«أشهدُ أنّ مدينتنا ما نامتْ تلكَ الليلةَ

بل ظلَّتْ تنفخُ جمرتَها

وأبي ظلَّ يصلّي

لا أدري أيَّ صلاةٍ كانتْ

لكنّي أعرفُ أن أبي لا يؤمنُ إلاّ بالعقلِ

بلى عقلانياً كانَ

وإن لم يعرفْ ما العقلانيةُ والعقلانيونَ

أبي كان يقول: العقلُ هو اللهُ، واللهُ هو العدلُ

والناسُ سواسية في شرع الله كأسنان المشطِ

وكانَ أبي يخشى أن تتّقدَ الجمرةُ

كانَ يحبُّ مدينتَنا ويخافُ عليها منها

لكنَّ مدينتَنا ظلّتْ تنفخُ جمرتَها

والجمرةُ ظلّتْ تتوقدُ

حتى التهبتْ

واحترقَ الأخضرُ واليابسْ»

فخ شعريته القاتلة

مهدي لم يُعرف عنه حبه للظهور، لذلك لم يشارك في مهرجانات الشعر في بغداد أو سواها من المدن العربية. ولم يلب الدعوات التي وجهت إليه، واعتذر عن إجراء الحوارات الصحافية لذلك كان انتشار اسمه وشعره في الفضاء العربي محدودا

كتب مهدي ذات يوم إن “القصيدة ليست كلاما سائلا ولا مجرد صورة حاذقة أو مفارقة ذكية أو طرفة أو حكمة أو ما إلى ذلك مما نقرؤه اليوم في الكثير من المجموعات أوعلى صفحات التواصل الاجتماعي. القصيدة ليست هذا ولا هي شيء منه، لأن الخطاب الشعري خطاب بناء. والقصيدة التي ينشئها عمل فني مركب، عمارة مشيدة، ولهذه العمارة شكل ينتظمها وينظمها (لابد من أن يكون لها شكل)، ولهذا الشكل سمات وخصائص تميزها عن غيرها من القصائد وتميز صاحبها عن غيره”.

لم يكتب الشاعر ذلك لأنه أراد أن يقدم درسا. ذاك شاعر لا يرغب في أن يتعالى على الآخرين بفهمه للشعر. ولكنه اضطر إلى القيام بذلك نتيجة سوء الفهم الذي أحيط بشعره من قبل مقلديه.

شعر مهدي شعر سهل مثل شعر ريتسوس وجاك بريفير وكافافي وسعدي يوسف، يعتقد مَن يقرأه أن كتابته ليست صعبة بالرغم من قوة تأثيره ورشاقته وأناقة جمله. شعر يشبه الكلام العادي أحيانا. الصور فيه ليست معلقة في فضاء خاص بها. تتسلسل الجمل كما لو أنها خُلقت من المعدن نفسه الذي خُلقت منه الأصابع التي كتبتها. إنه يتكلم شعرا. ذلك ما توحي به قصائده، وهو الفخ الذي وقع فيه الكثيرون فصاروا يذهبون مباشرة إلى الحكمة أو الطرفة كما لو أنهم يقولون شعرا.   

عذب وحكيم، سهل وعميق، جاد ومتهكم، يومي ومصيري هو الشعر الذي كتبه مهدي بسعادة ممزوجة بالألم. لقد أعانه الشعر على قول كل ما يريد قوله، ولم يكن يُخفي شيئا من آرائه في حياته اليومية. كان الشعر امتدادا لأرضه. لم يكن شعره ألغازا بل كان أسئلة تتعلق بالمصير البشري. مصير البشر كلهم وليس المصير الشخصي. كل جملة منه تلتحق بخطوة إنسان يقف متأملا ما الذي تفعله يداه. ما من شعور بالإحباط في ذلك الشعر الذي يصور صراع الإنسان مع قدره.

كتاب المراثي

● مهدي يحاسب نفسه على الأخطاء الصغيرة التي يرتكبها لأنه إنساني بضراوة في شعره
● مهدي يحاسب نفسه على الأخطاء الصغيرة التي يرتكبها لأنه إنساني بضراوة في شعره

كل قصيدة من مهدي هي خلاصة أسطورة معاصرة. فالشاعر هو تلميذ مُجيد لكتاب المراثي السومرية. تعلم منهم كيف يكون سعيدا في أشد لحظاته ألما. ألم يصف الألم بأنه رفيقه المستديم من قبل ومن بعد. ذلك ألمه الذي يُسعد. لا لشيء إلا أنه كان ملهم الشعر. ليس ذلك بالشيء القليل. الألم الذي يصنع شاعرا.

كتب مهدي شيئا من سيرته الشخصية موزعا بين كتبه النثرية التي أراد من خلالها قول ما لم يقله الآخرون، غير أن شعره قال كل شيء عن رجل أدركته السعادة وهو لا يستخف بألمه الذي هو ألم وجودي لا يمكن سوى أن يعبر عن طريقة في النظر إلى العالم. 

“وأنا عجلانُ في سربٍ من الطيرِ أَطيرْ

 دونما قلبٍ يغنِّي أو جناحٍ قادرٍ أن يستديرْ

 أَخَذَتْنا الريحُ نحو الغربِ حتى

 لم نعد ندري: أهذا شوطُنا الأوّلُ

 في السبقِ أَمِ الشوطُ الأخيرْ؟

 لم أكنْ أَعْرف أنّا فُرَقاءْ ولنا آلهةٌ شتّى

 وأنّا سُفَهاءْ لم نُصِبْ من منطقِ الطيرِ

 وَمِنْ سرّ “فريدِ الدينِ” إلاّ الغُلَواءْ

 لم نكنْ نبحثُ عن مسرًى

إلى باب السماءْ”.

9