زيارة السراج ورئيس أركان قواته لتركيا تُثير توجس الجيش الليبي

قراءة الرئاسة التركية لمجريات الحوار الأمني والعسكري المنعقد في القاهرة وجنيف تذهب لترجيح سيناريو توحيد الجيش وبسط سيطرته في مناطق نفوذ أنقرة في ليبيا.
الأربعاء 2020/10/21
توجس من التحركات التركية

تونس – أثارت الزيارة الغامضة وغير المُعلنة التي قام بها رئيس حكومة الوفاق الليبية، فايز السراج، إلى تركيا التي استدعت في نفس الوقت على عجل، رئيس أركان الجيش الليبي، اللواء محمد الحداد، جملة من المخاوف في شرق ليبيا، ترافقت مع توجس كبير من سعي السلطات التركية إلى كسر معادلات الصراع على مستوى خط الجفرة – سرت.

واتسعت دائرة هذه المخاوف على وقع إعلان غرفة عمليات تأمين وحماية “سرت – الجفرة” التابعة لميليشيات مصراتة، غلق الطرق جنوب “أبوقرين” و”الوشكة” باتجاه الجفرة، وترافق ذلك مع تحذير لافت من الجيش الليبي من أن تركيا تُهيّئ الميليشيات الموالية لها المدعومة من المرتزقة السوريين لشن هجوم عسكري كبير على سرت لإحداث تغيير في معادلة القوة الراهنة.

زياد دغيم: تحرك الميليشيات المدعومة تركيّا لإرباك المسار السياسي
زياد دغيم: تحرك الميليشيات المدعومة تركيّا لإرباك المسار السياسي

وقالت مصادر ليبية، نقلا عن مُقربين من المجلس الرئاسي، إن السراج وصل الأحد بشكل مفاجئ إلى مدينة إسطنبول التركية في زيارة غير مُعلنة، حيث اجتمع مع اللواء إبراهيم الشقف، نائب رئيس جهاز الأمن الداخلي الأسبق التابع للمجلس الرئاسي.

وكشفت أن هذا الاجتماع الذي أحيطت مداولاته بتكتم شديد، إذ لم تتسرب معلومات حول فحواه، تم في فندق “رافليس” بمدينة إسطنبول حيث يقيم السراج خلال هذه الزيارة التي تزامنت مع وصول رئيس أركان قوات الوفاق، محمد الحداد، إلى أنقرة بشكل مفاجئ أيضا، حيث اجتمع مع وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، بحضور رئيس هيئة الأركان العامة التركية يشار غولر.

وقالت وزارة الدفاع التركية في بيان لها إنه تم خلال هذا الاجتماع “تبادل وجهات النظر حول آخر التطورات في ليبيا”، حيث أكد أكار أن تركيا “ستواصل أنشطة التدريب والاستشارة في المجالين العسكري والأمني في ليبيا، وذلك في إطار الاتفاق مع حكومة الوفاق”.

غير أن هذا البيان، الذي تضمن إشارات إلى الحلم العثماني بعبارات مُلتبسة منها قول أكار إن “روابط الصداقة والأخوة بين البلدين تمتد لأكثر من 500 عام”، لم يُبدد الشكوك المحيطة به، بل عمّقها أكثر فأكثر لدى الأوساط العسكرية والسياسية الليبية التي لا تُخفي توجسها من كل خطوة تخطوها تركيا نحو ليبيا.

واعتبر البرلماني الليبي زياد دغيم، في اتصال هاتفي مع “العرب”، أن هذه التحركات التي تبدو غير مُنفصلة عن الحراك السياسي لتسوية الملف الليبي بجميع تشعباته، هي “تعبير علني عن رفض المسار السياسي، وعدم وجود رغبة جدية للمشاركة فيه”.

وكان تزامن تلك التحركات التركية مع سيطرة البعد الأمني والعسكري على الحراك السياسي وفق ما تعكسه مُجريات الأسبوع الماضي، في علاقة بالاجتماعات العسكرية الليبية التي تواصلت الثلاثاء، ضمن إطار اللجنة العسكرية المشتركة 5 + 5، في جنيف بحضور رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالوكالة، ستيفاني ويليامز.

ومع ذلك، يرى مراقبون أن القراءة الصحيحة لمسار التحركات التركية تؤكد وجود خطة لكسر المعادلات العسكرية القائمة، أو تجاوزها وفرض معادلة أخرى لإحداث تغيير في موازين القوى، لأنه لا يمكن تصور أي اتفاق سياسي قابل للتنفيذ والصمود دون استناد هذا الاتفاق إلى واقع قائم على الأرض.

واعتبر رافع الطبيب، الخبير التونسي في الشأن الليبي، أن قراءة الرئاسة التركية لمجريات الحوار الأمني والعسكري المنعقد في القاهرة وجنيف تذهب لترجيح سيناريو توحيد الجيش وبسط سيطرته في مناطق نفوذ أنقرة في ليبيا.

وقال الطبيب لـ”العرب” إنه على قاعدة هذه القراءة “يُصبح من الأفضل لدى الأتراك إعادة خلط الأوراق ميدانيا وتغيير مفردات المعادلة الجيواستراتيجية بسحب اتفاق التقاسم للسلطة وذلك عبر ضرب مدينة سرت لرمزيتها ومركزيتها ضمن التوافقات”.

رافع الطبيب: الأتراك يسعون لخلط الأوراق العسكرية ميدانيا
رافع الطبيب: الأتراك يسعون لخلط الأوراق العسكرية ميدانيا

ولفت إلى أن “أخبارا ذات مصداقية ومشاهدات ميدانية، أكدت تحشيد الآلاف من المرتزقة وعناصر شركة ‘صادات’ الأمنية الخاصة المقربة من مؤسسة الرئاسة التركية في منطقة السدادة وغرب مصراتة عموما، تؤكد أن مخطط الهجوم على مدينة سرت وخاصة قاعدة القرضابية الجوية قد وصل إلى نهايته ولم يبق إلا أمر العمليات”.

وشدد على أن مؤتمر القبائل والمدن الليبية المنعقد في مدينة سرت قد وضع أسس التقاء القوى الداعية إلى الاستقلال والسيادة، وهو موقف تسانده بقوة الجزائر وتونس وبدرجة أقل مصر، لكنه “لا يجد أي مساندة من طرف تركيا التي تعمل على إرباك المسار السياسي حتى تعاد صياغة حل على شاكلة اتفاق الصخيرات وبناء سلطة محاصصة تحفظ مصالح أنقرة”.

وعلى وقع هذه المعطيات، حذر المتحدث باسم الجيش الليبي، اللواء أحمد المسماري، من إعداد تركيا عبر ميليشياتها في طرابلس لهجوم عسكري وصفه بالكبير على سرت.

وأشار في تصريحات صحافية إلى أنه تم خلال اليومين الماضيين رصد هبوط طائرات ضخمة محملة بالأسلحة الثقيلة في قاعدة “الوطية” ومطاري مصراتة ومعيتيقة، وإدخال مرتزقة جدد مدرّبين في تركيا على تقنيات جديدة للأسلحة، بالتزامن مع زيارة مستشارين عسكريين لليبيا.

واعتبر أن تركيا تسعى من خلال هذه التحركات “بكل السبل لإفشال الحوار الليبي، خوفا من التوصل إلى حل سياسي، يؤدي إلى إخراجها كليا من ليبيا، حيث تعمل على وضع المطبات والعراقيل، حرصا منها على إبقاء فايز السراج في منصبه رغم تعهده بالاستقالة في نهاية الشهر الجاري”.

1