زائد الثقة بالنفس

ربما كانت قطر تريد أن تقول إن سياسات المناكفة تصلح ليس في مواجهة الحكومات فحسب، ولكن في مواجهة الشعوب أيضا.
الخميس 2019/01/10
من باقي تركة الإخوان

لم تترك قطر وسيلة لحرق المراكب مع المنطق إلا وأقدمت عليها. إنها الثقة الزائدة بالنفس. ولكن أي نفس؟

آخر العاقبة، كان إعلان التضامن والتأييد لسلطة عمر حسن البشير. ربما لأنه من باقي تركة “الإخوان”، وربما لأنه تعلم كيف يتلوّن.

صحيح أن شعب السودان يتظاهر ضده، ويسعى منذ عدة سنوات للتخلص منه، وصحيح أنه أوقع شعبه بالكثير من الرزايا المتواصلة، وصحيح أن سجلاته باتت فضيحة مكتملة الأركان، إذ جمعت ما جمعت من الفقر والتمزيق والفساد والانتهاكات والتعسف، وصحيح أن 23 حزبا وقف ضده ويطالب برحيله، إلا أن أمير قطر لم يتردد في تقديم وعود الدعم له والتضامن معه ضد شعبه.

ربما كانت قطر تريد أن تقول إن سياسات المناكفة تصلح ليس في مواجهة الحكومات فحسب، ولكن في مواجهة الشعوب أيضا.

ومثلما سعت قطر لتمويل كل أوجه الحملة ضد السعودية باستغلال جريمة مقتل جمال خاشقجي، فإنها لم تكفّ عن التجريح ضدها في كل فرصة وعند كل خبر وكأنها تشن حربا شعواء (أو عشواء بالأحرى).

وكذلك ضد أشقاء آخرين على المنوال نفسه. أولئك الذين كلما حرصوا على الصمت والتعالي، كلما زادهم إعلام قطر ضدهم تشنيعا وتقريعا وتقذيعا. إنها الثقة بالنفس. الزائدة خيلاء وفخرا، وكأن المرء بها يُخيّل إليه أنه سيخرق الأرض ويبلغ الجبال طولا.

ولكن هذا ليس من طبيعة السياسة. ولا هو من أصولها أو معارفها، دع عنك المنطق والحكمة فيها. إنما الأيامُ دُول. هذا ما يقوله التاريخ. أم إنها لم تعد كذلك؟ فالأحوال التي من طبيعتها أن تتبدل، لن تستقر في حال على أي حال. ولقد أوجدت السياسة مكانا لـ”شعرة معاوية” من أجل ألا تصبح العداوة قبحا متواصلا، ومن أجل أن تترك الباب مفتوحا لما قد يتغير، فتعطي لخيلاء النفس فسحة للتصالح مع واقع آخر.

البعض يقول “مئة صديق ولا عدو واحد”، أو “إذا فسدت السياسة ذهب السلطان”، أو “لا عدو دائم ولا صديق دائم، بل مصالح دائمة”. فلماذا الاستعداء الدائم لأقرب المقربين؟ ما النفع من وراء جرّة مكسورة كهذه؟

يقول علي بن أبي طالب “آلة السياسة سعة الصدر”. فلماذا يضيق صدرك؟ الصيد في الماء العكر، ماذا يمكنه أن يصيد حيال جيران يعتزمون عملا أو يتبارون من أجل تنمية هنا، ومشروع إعمار هناك وتسوية مشكلات هنالك. ويقول ابن خلدون “السياسة المدنية هي تدبير المدينة بمقتضى الأخلاق والحكمة ليُحمل الجمهور على منهاج يكون فيه حفظ النوع وبقاؤه”. (أو قل حفظ الناس والدول) أم أنها لم تعد كذلك؟

ما الشغل الشاغل اليوم في السعودية؟ أليس هو الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي؟ أليس هو مشروع 2030؟ وماذا يعني هذا المشروع بالنسبة لمستقبل المنطقة بأسرها؟ أفلا يعني خيرا؟ أفلا يعني فرصة مشتركة؟

ثم ما الشغل الشاغل في الإمارات؟ أليس هو التنمية الشاملة والاستثمار الذكي وإرساء الأسس لاقتصاد المستقبل؟ فلماذا يبدو الأمر وكأنه يثير الضيق في نفس صانع التوجهات الناقمة في قطر؟ وماذا تريد مصر غير أن تنجو من ركام الكارثة؟ بل وماذا تريد البحرين غير ألا تصبح لقمة سائغة لعدو لا يتورع عن تمزيق أي مجتمع في الجوار؟

لا، لا يهم، ما قد تعنيه هذه الحكومة أو تلك بالنسبة إليك. ولكن أليس شاغلها مهما، أو ما تعمله أو ما تحرص عليه؟ أليس ما يرسو على الأرض هو القيمة الأهم؟

ما أجمل الحجر الذي ينتظر حجرا فوقه. وما أجمل الجدار إذا ما أنتج صرحا. أليس هذا هو ما ينبغي التشجيع عليه؟ ألا يجدر بالنظرة الثاقبة أن تنظر إلى ما يعنيه؟ وإذا بنى جارك لنفسه دارا وأوسع فيها على أهله، أفليس في هذا خير لك؟

لا بأس. يمكن الالتفات إلى العيوب والأخطاء. ولكن أن تكون هي وحدها شغلك الشاغل، فإنها لن تعدو نصحا بل صيدا للأذى، ضد من يعمل أو من يحاول أن يعمل.

يستطيع المرء أن يفترض أن هذا كله غير جاد، لأنه غير ضروري وليس مفيدا لأحد، ولا حتى للنفس، وإن المناكفة مراهقة لا سياسة.

أم أنها الثقة الزائدة بالنفس. الثقة بأنك تعلو، وتعلو، ثم تعلو، كطائر يملك من السماء ما لم يملكه طائر آخر، وإن الدنيا كلها لك، ولأن الأفلاك تدور من حولك، وأنك تستطيع أن تخرق المنطق، وتنشئ في السياسة ثقبا. وتستطيع أن تحرق معاوية وشعرته. فإذا كان التردد واجبا ملزما للحكمة، فقطر يمكنها، لأسباب في الغنى عن الناس، والطيران عن الأيام الدول، ألا تتردد بكل ما يقع تحتها. إنها النفس الأمارة بالسوء، تلك التي تبغي الأذى طمعا به وحده.

9