رهان إسرائيلي على خلخلة الارتباط بين حماس والجهاد في غزة

نتائج التصعيد تحدد معالم العلاقة ووضع إيران في معادلة المقاومة الفلسطينية.
الأحد 2022/08/07
مساندة حماس للجهاد حذرة هذه المرة

تتحرك إسرائيل لكسر ارتباط حركة الجهاد الإسلامي بإيران في وقت تسعى فيه حماس لعدم التورط في الحرب، وهو ما سيحرجها في العلاقة مع بقية الفصائل، وأساسا حركة الجهاد، في الوقت الذي قد يقود فيه هذا الموقف إلى توتر علاقتها بطهران.

وضعت الحكومة وقيادة الجيش في إسرائيل مجموعة من الأهداف التي تريد تحقيقها من وراء التصعيد العسكري في غزة، فالعملية جرى اختيار توقيتها بعناية ولم تكن مفروضة على إسرائيل، كما حدث في مرات سابقة، حيث جرى اغتيال تيسير الجعبري القيادي في سرايا القدس، الجناح المسلح لحركة الجهاد الإسلامي، في قطاع غزة الجمعة.

وظهرت إسرائيل في صورة المستعدة تماما للتعامل مع ردود الفعل المتوقعة، وبينها استقبال زخات صواريخ أشبه بالألعاب النارية تهبط على بعض المدن والقرى.

ما يحمله التصعيد له علاقة وثيقة باختبار حجم صلابة المقاومة الفلسطينية، وبالتحديد قوة الارتباط بين حركتي حماس التي تسيطر على غزة، والجهاد الإسلامي التي وقفت إلى جانب الأولى في كل المرات التي وقع فيها عدوان عسكري على غزة.

أدركت حماس هذه الفحوى وجاءت جملة مواقفها حذرة أكثر من اللازم، بما يعني أنها لا تريد المشاركة في حرب ربما تمتد لأسابيع، وتميل إلى إنهائها مبكرا قبل أن تجد نفسها مضطرة للاشتباك معها وتتكبد جملة من الخسائر قد لا تستطيع تعويضها في المستقبل القريب، كما كان يحدث عقب كل جولة عسكرية مع إسرائيل في السنوات الماضية، فاللعبة التي تعتمد على غض الطرف على بعض الأسلحة التي كانت تصل إليها يمكن أن تتوقف مع بروز مؤشرات في المنطقة ترفع من وزن المقاومة.

◙ تحركات قيادات الجهاد باتجاه طهران لم تعد خافية على إسرائيل وتتم في وضح النهار
◙ تحركات قيادات الجهاد باتجاه طهران لم تعد خافية على إسرائيل وتتم في وضح النهار

ويأتي اهتمام إسرائيل بتفكيك التنسيق العسكري بين حماس والجهاد من تزايد اعتماد كليهما على إيران، فالجناح الحمساوي الذي كان يتحسب من التمادي في العلاقة مع طهران كي لا يفقد علاقته بدول عربية مهمة لم يعد مؤثرا في الحركة، والتغيرات الجارية في المنطقة جعلت توجهات حماس أقرب للتنسيق بصورة كبيرة مع إيران، وهي إشارة كشفت عنها زيارات عدد من قياداتها، وعززتها العودة إلى حضن سوريا.

وما زاد من انزعاج إسرائيل أن تحركات قيادات الجهاد باتجاه طهران لم تعد خافية عليها وتتم في وضح النهار، كأنها تريد أن تظهر عدم انكشاف ظهرها في أي تصعيد يتعرض له جناحها العسكري في غزة، وأن المدد الإيراني لن يتوقف وقد يتزايد عن ذي قبل بعد التهديدات الإسرائيلية بضرب برنامجها النووي، حيث تحتاج طهران إلى تفعيل الدور الذي تقوم به أذرعها في المنطقة حال حدوث مواجهة مع إسرائيل.

وقالت قناة العالم الإيرانية السبت إن قائد الحرس الثوري حسين سلامي بحث مع الأمين العام لحركة الجهاد زياد النخالة تطورات العملية العسكرية الإسرائيلية في غزة، ما يوحي أن طهران لن تتخلى عن حركة الجهاد، والتصعيد يمكن أن يطول وقته ما لم تتوقف إسرائيل عن توسيع نطاق أهدافها العسكرية والسياسية من ورائه.

وأشار النخالة المتواجد حاليا في طهران إلى أن زيارته “روتينية وطبيعية في الأصل، وصادف أثناء وجودنا أن وقعت الأحداث. نحن دائما نقوم بزيارات إلى إيران لما لها من موقف مساند للشعب الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية”.

وسواء أكانت الزيارة روتينية أم جاءت من رحم التصعيد الإسرائيلي على غزة، فهي تؤكد العلاقة الوثيقة بين الجانبين، الجهاد وطهران، وأن رد فعل الأولى يتوقف على ما تريده الثانية في هذه المرحلة، ما يضع حماس في موقف غاية في الحرج.

فالتريث الظاهر في خطابها حمّال أوجه متباينة، وقد يدفعها إلى إعلان التضامن السياسي والتخلف عنها عسكريا وفقا لتقديراتها في الوقت الراهن التي تبدو مقيدة بخيارات تدفعها إلى امتصاص تبعات هذه العملية على مضض، حيث أعلنت السبت على لسان أحد متحدثيها فوزي برهوم أن فصائل المقاومة والغرفة المشتركة “في حال استنفار قصوى وتقدير موقف مستمر للتعامل مع التصعيد”.

ومنع التعاون والتنسيق على الأرض بين حركتي حماس والجهاد آلة الحرب الإسرائيلية من إضعافهما معا في الفترة الماضية، وكانت الضربات التي تتعرض لها عناصر إحداهما من المداخيل المهمة للحفاظ على هذا الارتباط في الأوقات الصعبة.

◙ ما يحمله التصعيد له علاقة وثيقة باختبار حجم صلابة المقاومة الفلسطينية، وبالتحديد قوة الارتباط بين حركتي حماس التي تسيطر على غزة، والجهاد الإسلامي
◙ ما يحمله التصعيد له علاقة وثيقة باختبار حجم صلابة المقاومة الفلسطينية وبالتحديد قوة الارتباط بين حركتي حماس والجهاد الإسلامي

ويميل خطاب تل أبيب إلى تركيز مخاوفها على الجهاد، وتسعى لعدم توفير الذرائع الكافية لحماس التي تسعى بدورها لتجنب فرض خيار المواجهة عليها، كلما وجدت إلى ذلك سبيلا، الأمر الذي عكسه امتناعها عن إعلانها توجيه صواريخ من ذراعها المسلحة (كتائب عزالدين القسام) إلى إسرائيل يومي الجمعة والسبت.

وتخشى حماس أن يؤدي تخلفها عن هذا التصعيد إلى تفكيك جيوب المقاومة في غزة والضفة الغربية وإصابتهما بخلخلة من الداخل، كما تخشى أن يؤدي تضامنها إلى وقوعها في فخ عسكري حاد هذه المرة يمكن أن يكلفها خسائر باهظة، خاصة أنها لم تفق بعد من التكاليف التي تكبدتها، عسكريا واقتصاديا، بسبب العملية التي تعرضت لها في مايو من العام الماضي، فلا تزال تداعياتها مستمرة حتى الآن.

وتدعم حماس طريق التهدئة التي تقوم بها كل من مصر وقطر والأمم المتحدة، في حين تبدو الجهاد غير راغبة فيها إلا وفقا لشروط معينة تحفظ لها ماء الوجه، فإذا مرت عملية اغتيال تيسير الجعبري بلا رد يتوافق مع أهميته كقائد ميداني كبير فإنها ستظهر كأنها قادرة على امتصاص الصدمات من هذا النوع بسهولة، ما يضع بعض القادة في مجال الاستهداف العاجل ويحولهم إلى صيد سهل للقوات الإسرائيلية.

وتدرك حماس أن علاقتها بالجهاد في الفترة المقبلة ستكون مكلفة، وسوف تزداد التكلفة مع تسارع وتيرة ارتمائها في أحضان إيران، لأن هناك اتجاها قويا لتغيير قواعد اللعبة، ويقود إصرار حماس الحفاظ على قواعدها القديمة إلى تعرضها لخسائر، لأن مساحة المناورة التي كانت أمامها تتراجع وقد تحصرها في نطاق طهران وحلفائها.

حماس تدرك أن علاقتها بالجهاد ستكون مكلفة، وسوف تزداد التكلفة مع تسارع وتيرة ارتمائها في أحضان إيران

وتسعى إسرائيل للتعامل مع هذا السيناريو مبكرا من خلال وضع حماس في اختبار صعب لاختبار نواياها في المستقبل، وما إذا كانت مستعدة للتعاطي مع المتغيرات، وهذه الجولة من التصعيد تكشف أين تضع حماس قدميها، وهل تغلب براغماتيتها المعهودة في عدم رهن أهدافها بإيران فقط أم حسمت أمرها بتوثيق عرى التحالف مع قيادتها وتقف على قدم المساوة مع الجهاد في أرض غزة وطهران؟

وتحدد الرؤية التي تضعها إسرائيل النتيجة والمجال والأفق التي يمكن أن يصل إليها التصعيد الذي بدأ الجمعة على غزة، وهو في جوهر بنك الأهداف الإستراتيجية التي يضعها رئيس الحكومة يائير لابيد في أجندته الحالية، كي يثبت أنه لا يقل شراسة عن أسلافه، وتتحول هذه الشراسة إلى أصوات لصالحه في الانتخابات المقبلة عندما يقتنع به المتشددون سياسيا وأنه قادر على مواجهة التحديات العسكرية في المنطقة.

4