رسالة إخوانية مسمومة

جماعة الإخوان اختزلت الأزمة في الصراع على السلطة وأرادت خطب ود النظام المصري للمصالحة والعودة لممارسة أنشطتها السياسية وأسقطت من ذاكرتها أن الموقف السلبي منها لا يخص النظام الحاكم وحده.
الاثنين 2022/08/01
رسالة تطمين لا غير

تزاحمت التقارير عن جماعة الإخوان المصرية في بعض وسائل الإعلام الدولية، وأجرت إحداها حوارا مع القائم بأعمال المرشد العام إبراهيم منير تضمن كلاما جذابا أشار فيه إلى أن الجماعة قررت عدم خوض صراع جديد على السلطة في مصر، وهي رسالة تطمين لمن يهمهم الأمر تشي باتجاهها نحو مشاركة سياسية منضبطة.

وجه بعض قيادات الإخوان إشارات عديدة واضحة ومبطنة قبل وبعد انطلاق الحوار الوطني الذي دعا إليه الرئيس عبدالفتاح السيسي في أبريل الماضي، تفيد برغبة عارمة في المشاركة دون تغيير حقيقي في الخطاب العام الذي تتبناه، كأن السنوات الماضية التي لجأت فيها الجماعة إلى العنف والإرهاب يجب أن تسقط من حسابات المصريين.

اختزلت الجماعة الأزمة في الصراع على السلطة وأرادت خطب ود النظام المصري ليسمح لها بالمصالحة والعودة إلى ممارسة أنشطتها السياسية داخل البلاد، وأسقطت من ذاكرتها أن الموقف السلبي منها لا يخص النظام الحاكم وحده الذي أعلن أكثر من مرة عدم الصفح، وأنها التيار الوحيد المستثنى من المشاركة في الحوار الوطني.

ركبت الجماعة على أكتاف بعض الأحزاب والقوى السياسية في مصر من تيارات مختلفة واستفادت من قوتها التنظيمية وضعف منافسيها فكانت لها الغلبة في الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي جرت في مصر بعد ثورة يناير 2011، وهي ضربة موجعة تعرضت لها قوى اعتقدت إمكانية التفاهم مع الإخوان وعدم الاستئثار بالسلطة.

الإخوان تنظيم عابر للحدود ورسائل قادته لا تعني القاهرة فقط بل هي موجهة أيضا إلى الدول التي سقطت فيها الجماعة سياسيا أو تعرضت فيها لهزات عبر ثورات شعبية أو حملات تطهير داخلية

يعلم إبراهيم منير ورفاقه أن التنظيم الدولي لجماعة الإخوان يعيش خريفا سياسيا تتساقط فيه الأوراق على مستوى الخلافات التي تعصف به من الداخل، وعلاقاته بالقوى الأخرى، ومستقبل الجماعة في الدول التي تحظى بحضور قوي فيها، ومن الضروري أن يبدو الخطاب مرنا بما يوحي بوجود مراجعة تدريجية في الأدبيات المستحدثة تبدأ من الزاوية التي أدت إلى الورطة التي تسببت في أزمة هيكلية.

كشف الصراع على السلطة وما تلاه من اشتباكات سياسية وأمنية عن جانب خفي في سلوك الجماعة، ولو لم يصل ممثل لها إلى منصب رئيس الدولة في مصر لما عرف الناس طبيعتها بدقة.

ولذلك جاء حوار منير خاليا من الدسم السياسي باستثناء مسألة الصراع على السلطة التي يعتقد أنها قضية تؤرق النخب التي قبلت سابقا بالتعاون مع الجماعة وتتحفظ على عودتها إلى المشهد العام في مصر أو حتى الاقتراب منها والحوار معها.

من المفترض أن هذه رسالة تبعث على الارتياح لدى المنزعجين من ميولها نحو التمكين، غير أن تقليبها على وجوهها المختلفة يشير إلى نتيجة عكسية، لأن حملات التشفي في الأزمة الاقتصادية التي تمر بها مصر وتقوم بها العديد من وسائل الإعلام التابعة للجماعة تؤكد أن الصراع على السلطة مازال يهيمن على تفكيرها، حيث تجد فيها فرصة لتأليب الناس على النظام الحاكم وتحريضهم على الخروج في مظاهرات.

ضاعف إعلام الجماعة الأيام الماضية من تركيزه على الأزمة الاقتصادية باعتبارها النافذة التي يمكن أن يطل منها الإخوان، والأداة التي تمثل ضغطا على النظام الحاكم بعد أن فقدت جميع الأدوات التي لجأت إليها، بدءا من حملات “عودة الشرعية” و”بكره العصر مرسي راجع القصر” وحتى المظلومية التقليدية والمتاجرة بضحايا فض اعتصام ميدان رابعة العدوية في القاهرة.

كما أن الدعم المادي والمعنوي الذي حصلت عليه الجماعة من دول مثل تركيا وقطر تراجع عن ذي قبل، وأن الخطط التي يمكن أن تعيد إليها بعضه تكمن في إجراء مصالحة مع النظام المصري تخفف وطأة الحرج المتوقع لكل من أنقرة والدوحة، وهي خطوة من المستحيل حدوثها إذا أصرت الجماعة على أنها طامعة في السلطة.

تتخطى الليونة الظاهرة في خطاب منير (زعيم جبهة لندن) فكرة الانقسامات الداخلية وسعيه للمّ شمل الجماعة وتسجيل هدف في مرمى خصمه محمود حسين (زعيم جبهة إسطنبول) لأنها تكتيك غاب عن الجماعة، ويمكن باللجوء إليه في هذه المرحلة أن تضرب مجموعة من العصافير السياسية داخل الجماعة وخارجها.

لم تعد الخطابات التي تعزف على وتر البراءة السياسية مفيدة في حالة الإخوان.. حيث أدى استثمارها في العاطفة الدينية إلى وقوع فئة كبيرة داخل مصر وخارجها في خطيئة يتحملون وزرها حتى الآن

الجماعة غير مستعدة لإجراء مراجعة حقيقية في أدبياتها، وتنازلاتها تتم بتدرج، فقد قذفت بكرة رفضها الصراع على السلطة، وإذا لم تجد مردودا إيجابيا يمكنها أن تقدم عرضا جديدا حتى تجد الثغرة التي تنفذ منها وتعيد من خلالها ترتيب أوراقها.

تنطوي الرسالة الإخوانية التي جاءت في حوار منير مع وكالة رويترز أخيرا على مجموعة من السموم السياسية، أبرزها أن الجماعة لا تزال تحتفظ بشعبيتها أو جزء منها ومع ذلك تزهد في السلطة، وتريد أن تستعيد زخمها الدولي الذي صاحبها وقت أن كانت في صفوف المعارضة، وأنها استوعبت الدروس والعبر التي استقرت في عقلها في الأحداث التي مرت بها مصر والسودان وتونس والمغرب.

ولأن الإخوان تنظيم عابر للحدود فرسائل قادته لا تعني القاهرة فقط، فهي موجهة أيضا إلى الدول التي سقطت فيها الجماعة سياسيا أو تعرضت لهزات عنيفة فيها، عبر ثورات شعبية (مصر والسودان) أو حملات تطهير داخلية (تونس) أو بالأداة الانتخابية (المغرب) كأن منير يعترف بما وصلت إليه أحزاب الجماعة ومكوناتها في هذه الدول من إخفاقات وأنه يستوعب نتائجها.

من الصعب أن يتم إسقاط السنوات العجاف من ذاكرة الشعوب، أو وضع نقطة ومن أول السطر كما يريد منير، فالقضية شائكة ومتشعبة ودخلت في دروب ودهاليز وتعرجات متعددة وبحاجة إلى المزيد من الخطوات لتسترد الجماعة جانبا في الثقة السياسية التي فقدتها، في مقدمتها التخلي عن ألاعيبها وتبني مقاربة صريحة.

لم تعد الخطابات التي تعزف على وتر البراءة السياسية مفيدة في حالة الإخوان أو يمكن هضمها من قبل خصومها، حيث أدى استثمارها في العاطفة الدينية إلى وقوع فئة كبيرة داخل مصر وخارجها في خطيئة يتحملون وزرها حتى الآن، فالشيكات على بياض التي قدمت للجماعة أوقعت أصحابها في براثن خيبة لم يتم الشفاء منها.

ومهما أبدت الجماعة من تصورات تؤكد حسن نوايا قادتها في قضية الصراع على السلطة فلن يتم تصديقها بسهولة، فلا وعود في السياسة ولا عهود تلتزم بها الإخوان، فقد وعدت المصريين بعدم تقديم مرشح في الانتخابات الرئاسية عام 2012 وخالفت وفازت وسعت لتمكين عناصرها في مفاصل الحكم.

يلوح شبح هذا السيناريو في ذهن كل من تابع المفردات المطاطة التي استخدمها منير في حواره، ما قلل من صداه السياسي والتعامل معه كإحدى مراوغات الجماعة التي لم تعد تنطلي على مصريين يكابدون لتجاوز أزمة اقتصادية طاحنة.

8