ذلك الهوس الصحافي بحضور المهرجانات السينمائية

كلما تعدّدت مواهب الصحافي “متعدّد المواهب”، كلما زاد ثمنه، أو هكذا يتصوّر البعض ممن يتصوّرون أن “كله عند العرب صابون”، كما يقال في المثل الشعبي المصري الساخر.
الأربعاء 2019/05/15
الغاية من الحضور.. تسجيل الحضور

أكتب هذا المقال من مهرجان كان المقام حاليا والذي يعاني من تضخم عدد الصحافيين عاما بعد عام، وقارب عددهم حاليا أكثر من 4 آلاف صحافي ممّا يجعل مهمة مشاهدة الأفلام مهمة شديدة الصعوبة بسبب التزاحم والتدافع أمام أبواب قاعات العرض، والوقوف في الانتظار لنصف ساعة وأكثر قبل فتح الأبواب.

في مصر والعالم العربي ظاهرة غريبة كل الغرابة، فرغم وجود نوع ما من التخصّص في العمل الصحافي، أي أقسام يعمل فيها محررون يفترض فيهم التخصّص سواء في الاقتصاد أو السياسة الدولية أو الرياضة وغير ذلك، إلاّ أن من الممكن أن تجد الصحافيين جميعا قد تحولوا فجأة إلى مهتمين بالسينما والفنون، فالفنون لها سحرها الخاص وجاذبيتها لدى الجمهور، خاصة لو كان العمل الصحافي ينحصر في مجال نشر أخبار الفنانين والمقابلات الترويجية للنجوم.

لذلك ليس من الغريب أن تجد من يكتب في النقد السياسي والاجتماعي ويوهمك أيضا بأنه متخصّص في الشؤون الاقتصادية والاستراتيجية الدولية، كما في الأدب والفكر وفي الرياضة والشعر، لكنه مولع كثيرا بالرغبة في أن يدلي بدلوه بكل جرأة أيضا في السينما والمسرح والموسيقى والمسلسلات الدرامية التلفزيونية وأعمال السيرك وغيرها.

وكلما تعدّدت مواهب الصحافي “متعدّد المواهب”، كلما زاد ثمنه، أو هكذا يتصوّر البعض ممن يتصوّرون أن “كله عند العرب صابون”، كما يقال في المثل الشعبي المصري الساخر!

توليت مسؤولية مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة مرتين تفصل بينهما عشر سنوات، والمهرجان كما هو معروف، مهرجان حكومي تنظمه وزارة الثقافة. وأعترف أنها كانت غلطة كبيرة لأن التجربة لم تكتمل أبدا ولم تسمح طبيعة تكوين البيروقراطية المصرية ولن تسمح أبدا، باكتمال أي تجربة حقيقية فالتغيير والتبديل والهدم وإعادة البناء من الصفر داء قديم مستفحل يتكفل دائما بإفساد كل شيء.

وفي المرتين شعرت بعبء ثقيل تحت وطأة الكثير من المشاكل وما نتج عنها من إحراج، فقد شعرت أن جميع الصحافيين في مصر أصبحوا فجأة من نقاد السينما أو المهتمين بشؤونها، وقد فوجئت بالمئات منهم، يرغبون في الحصول على دعوات لحضور المهرجان بدعوى تغطية فعالياته.

واجهت أيضا ضغوطا من جانب المسؤولين في المركز القومي للسينما وهو الجهة التابعة لوزارة الثقافة التي تنظم المهرجان، وكانت الضغوط تهدف إلى فرض دعوة أسماء محددة يهم بعض المسؤولين حضورها لأسباب شخصية، حتى ممن يعرف الجميع أن لا علاقة لها بالسينما وقضاياها، وأن أحدا منها لن يكتب حرفا واحدا عن أفلام المهرجان إذا افترضنا أصلا أنه سيحرص على حضور العروض، لكنها “العادة” السيئة.

وهي عادة مرتبطة بعادة أخرى أسوأ منها، هي أن يأتي إليك العشرات من الأشخاص يعرضون خدماتهم ورغبتهم في العمل معك، فقد أصبح الجميع فجأة “خبراء” في تنظيم وإدارة المهرجانات، وعندما تسأل “ماذا يمكنك تقديمه؟”، يكون الرد ببساطة “أي حاجة!”. ليس من الممكن بالطبع أن يكون الصحافي الذي يصر على الحضور قد اكتشف فجأة أهمية السينما التسجيلية والأفلام القصيرة وأفلام التحريك التي يعرضها هذا المهرجان، لكنه يرغب أن يكون ضمن “صحبة” الضيوف، ويتصوّر أن الحضور حق ثابت له ومن دون الحصول عليه ربما سيشعر بالغبن والاضطهاد، وقد يهاجم المهرجان والمسؤولين عنه كما حدث بالفعل!

حضور المهرجانات لالتقاط صور السيلفي
حضور المهرجانات لالتقاط صور السيلفي

كنا قد انتهينا من إرسال كل الدعوات حسب الغرف الشاغرة في الفندق المخصّص لإقامة الضيوف، وأغلقنا الباب تماما ولم يبق على المهرجان سوى أيام، وطلبت من المسؤول عن الصحافة عدم قبول أي طلبات أو وساطات من أحد، لكني فوجئت بأحد كبار الصحافيين من الجيل المخضرم، يطلب مقابلتي، وقيل لي إنه ينتظر على باب مكتبي فلم أجد مناصا من استقباله رغم معرفتي سلفا بما يريده.

وقد أخذ الرجل يلح عليّ، وقال إنه يرأس القسم الفني في المجلة، ويستنكر أن نكون قد دعونا الصحافية الفنية (التي تكتب في السينما) والتي تعمل تحت رئاسته ولم ندعوه في حين أنه “رئيس القسم”.

أخذت أشرح له الأمر، قلت إننا ندعو من يمكن أن يهتموا بالمهرجان وأفلامه، وأن الباب قد أغلق بالفعل ولم تعد لدينا إمكانية لاستضافة أي ضيف بسبب محدودية أماكن الإقامة، ولكنه أخذ يلح ويلح، ثم رأيت الدموع تنهال من عينيه، كان شديد التأثر، وقد تأثرت بدوري من تأثره، وبعد أن انصرف دون أي وعد من جانبي تحدثت مع المسؤول الصحافي وقلت له إنه يجب أن نعثر على مكان لهذا الصحافي بأي طريقة وأن نرسل إليه دعوة. اعترض صاحبنا بشدة وقال معاتبا “ألم تطلب مني ألاّ أستثني أحدا بعد إغلاق الباب؟”، كان محقا بالطبع لكني وجدت نفسي مضطرا إلى القول وأنا أشعر بالضيق والألم “وماذا يمكنك أن تفعل أمام دموع إنسان؟ لنوجه إليه الدعوة حتى لو تنازلت له عن غرفتي”، وقد كان. وظللت بعد كل تلك السنوات، عاجزا عن الفهم.

حدث أن اتصل بي أحد معاوني ليخبرني بأنه تلقى اتصالا هاتفيا طويلا جدا من أحد الصحافيين الكبار الذين يكتبون في الشأن السياسي ولم يسبق لهم قط الكتابة عن السينما، وأنه يطلب أن ندعوه لحضور المهرجان، وكان من الطريف أنه أخذ يؤكد لزميلي أنه “يعيش طوال العام على ما يشاهده من أفلام في الإسماعيلية”، يكتب عنها ويستمتع باسترجاعها.

ورغم دهشتي الشديدة فقد وافقت على دعوته فربما كان يكتب بالفعل ولم أكن مطلعا، ولكني فوجئت في وسط المهرجان بأنه يرافق صحافية من ضيوف المهرجان عرفت أنها زوجته. وانتهى المهرجان، ومضى الزمن دون أن يكتب هذا الصحافي “الكبير” كلمة واحدة عن دورة المهرجان وأفلامها.

وكان الأمر مدعاة للدهشة الشديدة، فلو كان صاحبنا قد صرح بوضوح بأنه يرغب في مرافقة زوجته المدعوة أصلا، لما كانت هناك مشكلة، أما أن يزعم أنه “يعيش العام بكامله على أفلام المهرجان”، ثم لا يكتب شيئا، فهو أمر عجيب ومضحك حقا!

حتى يومنا هذا لا أستطيع أن أفهم لماذا يتهافت الصحافيون على حضور مهرجانات لا تعنيهم في شيء ولا يهتمون أصلا بما يُعرض فيها، بل ولا يحضرون عروضها في معظم الأحوال؟ لكني أفهم أنهم يريدون فقط قضاء عطلة مريحة بعيدا عن متاعب العمل في المكتب، ثم الاستمتاع بالتقاط صور “السيلفي” التي ينشرونها على صفحاتهم الشخصية على “الفيسبوك”.. وهي العادة التي أصبحت اليوم منتشرة كالوباء!

16