دعم الصين وروسيا لإيران لا يرقى لتحدي ترامب

إيران قد تتحوّل إلى ساحة صراع وسوق للمزايدات والمراهنات بين الدب الروسي والتنين الصيني في مواجهة النمر الأميركي وحلفائه.
السبت 2019/05/25
الضغوط من كل الاتجاهات

مصطفى دالع

تحشد الولايات المتحدة مزيدا من قواتها الضاربة حول إيران، بشكل يشبه إلى حد ما بداية إرهاصات حرب الخليج الثانية في 1990 (قبل اندلاعها فعليا مطلع 1991)، رغم أن واشنطن وطهران تؤكدان أنهما لا تريدان الحرب.

وبالنظر إلى فارق القوة بين الولايات المتحدة وإيران، فإن الأخيرة تحاول الاعتماد على حلفائها الدوليين وعلى رأسهم روسيا والصين، للإفلات من الحصار الاقتصادي الذي تحاول واشنطن فرضه عليها، في ظل عدم قدرة شركائها الأوروبيين على الإيفاء بالتزاماتهم معها في مواجهة التهديدات الأميركية بفرض عقوبات على الشركات التي تخرق العقوبات. لكن إلى أي درجة يمكن للصين وروسيا دعم إيران في مواجهة الضغط الأميركي؟

حليف بلا مخالب

لا تنظر روسيا للأخيرة كحليف استراتيجي بالرغم من شراكتهما العسكرية في الدفاع عن النظام السوري. ورغم أن روسيا تعتبر أكبر مصدر للأسلحة لإيران، يبدو مستوى التبادل التجاري بين البلدين جد متواضع ولم يتجاوز 1.741 مليار دولار في 2018، منها 1.208 مليار دولار صادرات روسية، وأقل من 533 مليون دولار صادرات إيرانية.

فكلا البلدين يعتبران من كبار مصدري النفط والغاز الطبيعي، واقتصاديا يعتبران متنافسين على أسواق الطاقة أكثر منهما شريكين، لذلك من المستبعد أن تلعب موسكو دورا جوهريا في تخفيف الحصار الاقتصادي على إيران، رغم ارتفاع المبادلات بينهما 2 بالمئة في 2018، وإعلان موسكو مواصلة تطوير تجارتها بالنفط الإيراني، الذي تبيعه إلى بلدان أخرى، وفق اتفاق النفط مقابل البضائع مع طهران.

فلاديمير بوتين: روسيا ليست فرقة إطفاء، وغير قادرة على إنقاذ كل شيء
فلاديمير بوتين: روسيا ليست فرقة إطفاء، وغير قادرة على إنقاذ كل شيء

كما أدانت روسيا العقوبات الأميركية، وحثت الدول الأجنبية على عدم تقييد علاقاتها الاقتصادية مع طهران، مؤكدة مواصلتها بناء محطة الطاقة النووية في مدينة بوشهر الإيرانية، ومواصلة العمل على تحويل مشروع تخصيب اليورانيوم في “فوردو” (بمحافظة قم).

ورغم أن الخارجية الروسية، أعلنت في بيان، أنها “تتفهم” قرار إيران وقف بعض التزاماتها في الاتفاق النووي، إلا أنه بعد أيام من ذلك نصح الرئيس فلاديمير بوتين، إيران بالبقاء في الاتفاق النووي، بل ذهب أبعد من ذلك عندما قال “روسيا ليست فرقة إطفاء، ونحن غير قادرين على إنقاذ كل شيء، خاصة ما لا يعتمد على إرادتنا بالكامل”.

يحاول بوتين أن يلعب دور الناصح والوسيط، أكثر من دور الحليف القوي، بل اتهم الأوروبيين بالعجز عن إنقاذ الاتفاق النووي بعد انسحاب الولايات المتحدة منه، قائلا “خرج الأميركيون والاتفاقية تنهار، فيما لا تستطيع الدول الأوروبية فعل أي شيء لإنقاذها، والأوروبيون عاجزون عن القيام بعمل فعلي مع إيران للتعويض عن خسائرها في القطاع الاقتصادي”.

يعترف الرئيس الروسي أنه لا يملك كل خيوط اللعبة لإنقاذ الاتفاق النووي من الانهيار، ناهيك عن فك الخناق الاقتصادي عن طهران، ويقول “الأمر لا يعتمد علينا فقط، بل يعتمد على جميع الشركاء، جميع اللاعبين، بما فيهم الولايات المتحدة والدول الأوروبية وإيران”.

تعكس هذه التصريحات مدى افتقاد موسكو لكثير من الأوراق لحماية الاقتصاد الإيراني من الانهيار تحت ضغط العقوبات الأميركية، ناهيك عن التدخل عسكريا لمنع أي غزو محتمل لأرض الفُرس، لكنها تبقى داعما دبلوماسيا مهما لطهران في مجلس الأمن، ومصدرا رئيسيا للأسلحة، وشريكا لا غنى عنه في إنتاج الطاقة النووية.

المصالح كبيرة والمخاطر أكبر

تمثّل الصين أكبر شريك اقتصادي لإيران بإجمالي 37 مليار دولار، لذلك فبكين أكثر المتضررين من فرض عقوبات على طهران، خاصة وأنها تستورد منها أكثر من نصف مليون برميل نفط يوميا. كما أن إيران تمثّل سوقا يتجاوز 80 مليون مستهلك، مما يجعل الصين، الباحثة عن أسواق جديدة لاستيعاب صادراتها الضخمة، غير مستعدة للتخلي عن مصالحها مع طهران بسهولة.

وهو ما يفسر الموقف الصيني المعارض للعقوبات الأميركية، وتأكيد بكين أن علاقاتها بطهران “استرتيجية”، لكن ليس واضحا إلى أي مدى يمكن للتنين الصيني تحدي النمر الأميركي.

قبل توقيع الاتفاق النووي في 2015، كانت الصين اللاعب الرئيسي في الاقتصاد الإيراني، لكنها واجهت، بعد هذا التاريخ، منافسة قوية من شركات أوروبية دخلت السوق الإيرانية المتعطشة للمنتجات الغربية ذات الجودة العالية مقارنة بنظيرتها الصينية.

وانسحاب العديد من الشركات الأوروبية مؤخرا من الاستثمار في إيران تحت ضغط أميركي، يشكّل فرصة للشركات الصينية للاستحواذ على مزيد من الحصص في هذا السوق الخصب، خاصة وأن إيران شريك رئيسي في مبادرة الحزام والطريق الصينية.

Thumbnail

لكن الصين، المعروفة بطابعها المهادن، تواجه مخاطر اقتصادية عالية في حال تمسكها بـ”شريكها الاستراتيجي”، فتهديدات ترامب جدية، ومصالح بكين مع واشنطن أكبر، فإن كانت الأولى “مصنع العالم”، فالثانية سوقه، وحجم المبادلات التجارية بينهما تصل لنحو 600 مليار دولار، قرابة 500 مليار دولار منها صادرات صينية إلى الولايات المتحدة.

وضغوط واشنطن على بكين كبيرة، خاصة بعد فرضها لرسوم جمركية على الصادرات الصينية إلى أسواقها لتقليص الفجوة في الميزان التجاري، لكن أخطر من ذلك تحرش الولايات المتحدة بالشركات الصينية ذات الانتشار العالمي، والتي يسهل فرض عقوبات عليها، على غرار شركة هواوي للاتصالات.

فالتنين الصيني، ورغم أنه يملك مصالح استراتيجية مع إيران، إلا أن حسابات الربح والخسارة تجعله يعيد تقييم أولوياته، والبحث عن خيارات أخرى للالتفاف على العقوبات الأميركية، خاصة وأن بكين تتميز بمرونة في الدفع من خلال مقايضة السلع أو استعمال العملات المحلية في المبادلات التجارية.

لطالما كان الدعم الروسي لإيران في مواجهة عقوبات ترامب، براغماتيا، خاصة وأن طهران ترفض أن تكون مجرد تابع لحلفائها الروس، الذين لا يملكون الكثير من الأوراق لدعم طهران اقتصاديا، على عكس الصينيين الذين يعد اقتصادهم تكامليا مع الاقتصاد الإيراني.

لكن إيران قد تتحوّل إلى ساحة صراع وسوق للمزايدات والمراهنات بين العمالقة الكبار، الدب الروسي والتنين الصيني، في مواجهة النمر الأميركي وحلفائه، في ظل سياسة ترامب التصادمية مع القوى المنافسة في العالم.

6