خالد زكي رئيس جمهورية الفن يعيد حساباته السينمائية

الفنان خالد زكي يتسم بالصرامة في أدواره المختلفة التي استطاع من خلالها أن يحجز لنفسه مكانة في وجدان الجمهور.
الثلاثاء 2021/03/09
فنان استثنائي

يعكس احتفاء الجمهور بذكرى ميلاد أي نجم وصول العلاقة بين الطرفين لمرحلة كبيرة من التناغم والتقدير المتبادل، خاصة عندما يكون الاحتفال بمولده مصحوبا بعبارات مؤثرة لها دلالة ومعنى، وهو ما حدث عندما حلت، قبل أيام، الذكرى الحادية والسبعون لمولد الممثل المصري خالد زكي، صاحب التاريخ الفني الطويل والأدوار الفريدة، خاصة تجسيد كبار المسؤولين ورجال الأعمال.

يظل زكي، في نظر الكثير من الجمهور المصري والعربي أيضا، حالة قد يصعب تكرارها، لدرجة أن البعض أطلقوا عليه “رئيس جمهورية الفن بمصر”، تعبيرا عن الاحتفاء بدوره التاريخي في الفيلم السينمائي الشهير “طباخ الرئيس”، عندما جسد شخصية رئيس الجمهورية الراحل حسني مبارك، الذي لا يعرف شيئا عن أحوال الدولة، ويحصل على أخبار ومطالب شعبه من خلال طباخه الشخصي، الذي مثل دوره الفنان الراحل طلعت زكريا.

جدية ومسؤولية

الدعوات المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي تطالب زكي، منذ ثورة 25 يناير 2011 التي أسقطت نظام مبارك، بالترشح لمنصب رئيس الدولة، شريطة أن يحكم بنفس الطريقة التي ظهر عليها في الأفلام، ليصلح الأوضاع ويلتزم بالشفافية

من شدة ارتباط الجمهور بهذا الدور، وشغفه بصاحبه، ظهرت دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي طالبته بالترشح لمنصب رئيس البلاد عقب اندلاع ثورة 25 يناير 2011 التي أسقطت نظام مبارك، شريطة أن يحكم بنفس الطريقة التي ظهر عليها وهو يمثل الدور، ويصلح الأوضاع، ويلتزم بالشفافية.

ولا يزال يطلق البعض من أصدقائه وزملائه عليه لقب “الرئيس”، لأنه من القلائل الذين لديهم خبرة في الكثير من نواحي العمل الفني، كالتمثيل والإنتاج والإخراج والديكور والتصوير والمونتاج، حيث يتعامل معه بشكل متكامل، ما أكسبه مهارات كثيرة أهلته لأداء أدواره بشكل احترافي.

عندما يصف البعض زكي بأنه فنان “استثنائي”، فهذه ليست مبالغة، بحكم الأدوار التي أداها ببراعة وجدية ودقة ومسؤولية فائقة، قد يصعب على الكثير من أبناء المهنة تقديمها بالطريقة التي ترضي غرور الجمهور. فتقمص دور الرئيس ووزير الداخلية ورئيس جهاز الاستخبارات، وغيرها، ليس بالأمر السهل، لأن هذه الأدوار تفرض على الممثل أن يكون مدركا حجم وقيمة الشخصية التي يمثلها.

يتسم زكي بالصرامة في أدواره المختلفة، رغم ما عُرف عنه في بدايات حياته الفنية بأنه الممثل الذي تستهويه الأعمال الرومانسية، وبحكم براعته وقدرته على التغيير من جلده بسهولة استطاع أن يحجز لنفسه مكانة في وجدان الجمهور في الأدوار التي تحتاج من الفنان أن يكون حاسما وجادا، يختار كلماته بعناية ويتحدث بطريقة توحي  للمشاهد كأنه أمام مسؤول كبير حقيقي، وليس تمثيلا.

انعكست أدواره الصعبة على ملامح شخصيته، فتراه جادّا ومتزنا يستمع أكثر مما يتحدث، وإذا تكلم تدرك حجم ثقافته ووعيه بالنواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أي أنه لم يستطع بعد الخروج من عباءة الرجل الأمني المنضبط الذي يتسم بقلة الكلام والردود الدبلوماسية والهدوء والثقة بالنفس وتجنب الهزل.

تحمل العبارات التي يستخدمها عند تجسيد الشخصيات السياسية الهامة دلالات توحي بأن هذا الفنان قارئ جيد للأوضاع داخل الدولة، كأنه جزء من مطبخ السلطة، ومطلع على بواطن الأمور ويخاطب الناس في الدور الذي يؤديه على هذا الأساس، فمثلا، عندما جسد شخصية لواء استخبارات في فيلم “السفارة في العمارة” مع الفنان عادل إمام، جاء حديثه عن العلاقات المصرية الإسرائيلية على المستويين الرسمي والشعبي متقنا والفرق بينهما ظهر بطريقة شديدة الدبلوماسية.

رغم أن لقاءاته الإعلامية نادرة، لكن يمكن بسهولة اكتشاف أن الطريقة التي يؤدي بها أدواره تبدو نسخة من شخصيته الحقيقية، فهو يتحدث بأسلوب واحد تقريبا، ويصعب أن ينطق بعبارة تغضب الجمهور، ومع كل إجابة لسؤال، تشعر كأنه يريد توصيل رسالة بعينها، إما لتوعية الناس أو مدهم بخبراته ويزرع داخلهم أفكارا جديدة.

تمسك في أحد لقاءاته التلفزيونية بإعادة تعريف الجمهور المصري بحياة الممثلين الشخصية، وكيف يعيشون وينفقون على أنفسهم ويتعاملون مع الصعوبات المادية التي يتعرضون لها، ونفى عن غالبية نجوم المهنة فكرة أنهم من شريحة الأغنياء والمرفهين ويتقاضون الملايين من الجنيهات، ودلل على نفسه بأنه عانى من ضائقة مالية.

يتباهى زكي بنفسه، من حيث كونه شخصية شديدة الجرأة ولا يهاب أحدا، ويصعب أن يتفوه بالكذب مهما كانت الضغوط والخسائر التي يتعرض لها، فهو صريح بصورة مطلقة، ويدرك أن رصيده في الحياة هو استمرار علاقته بالجمهور القائمة على الحب والاحترام والصدق، بعيدا عن التلون وادعاء المثالية ومحاولة الظهور بشكل مزيف لنيل رضاء الناس.

معلم أجيال

معظم أعمال زكي في السنوات الأخيرة مع شباب صاعدين، مخرجين أو ممثلين، وهو ينحو باتجاه ذلك من منطلق حرصه على تمهيد طرق الإبداع والنجومية للأجيال الجديدة، بعيدا عن عقدة البطولة المطلقة
معظم أعمال زكي في السنوات الأخيرة مع شباب صاعدين، مخرجين أو ممثلين، وهو ينحو باتجاه ذلك من منطلق حرصه على تمهيد طرق الإبداع والنجومية للأجيال الجديدة، بعيدا عن عقدة البطولة المطلقة

رغم وصوله إلى مرحلة جيدة من النجومية والشعبية، غير أنه مازال يعترف بحاجته الدائمة للمزيد من الخبرات والنصائح والإرشادات التي تمكنه من النجاح وإرضاء من يتعاملون معه أو يشاهدون أعماله الفنية، فلا يمتعض من توجيهات زملائه من الفنانين الشباب له طالما أن النصيحة منطقية، ولا يتذمر من الأوامر التي يصدرها إليه المخرجون أو مسؤولو كاميرات التصوير، لأنهم يفهمون ما لا يدركه.

يعتقد زكي أن التواضع أمام الجمهور السبيل الأمثل لنيل محبته، فالغرور والكبرياء والتعالي صفات مكروهة بالنسبة إليه، ولا يمكن أن تصنع نجما له شعبية، والأهم أنه يُعادي فكرة تقييم الفنان لنفسه ولحجمه ولقوته بين زملائه، فذلك حق مطلق للجمهور وحده، ومهما كانت آراؤه على الممثل أن يتقبلها ويتمعن فيها ويتعامل معها بأريحية ولو كانت سلبية.

لا ينسب أي نجاح لعمل فني إلى نفسه، ويدين بالفضل إلى جميع المشاركين فيه، من المؤلف إلى المخرج للسيناريست حتى عمال الإضاءة والملابس والديكورات، ما جعله شخصية معروف عنها التواضع، وكثيرا ما يقدم الآخرين على نفسه، ويدعو الجمهور إلى الثناء عليهم أولا، باعتبارهم أصحاب نجاح في العمل الفني. كما لم يفتعل أزمة مع أيّ من زملاء المهنة، فهو شخصية تعادي الصراع مع الآخرين، وعندما يُسأل عن فنان بعينه، حتى لو كان حديث العهد في الوسط الفني، تراه يثني عليه ولا يمانع أن يقول إنه تعلم منه في بعض المواقف، وإذا جاءت سيرة ممثل قدير يتحدث عنه باحترام ولا ينكر أنه من أساتذته، رغم كونه ضمن المصنفين بـ”معلمي الأجيال” في مهنة الفن.

 الأدوار التي تميل للإسفاف والخروج عن النسق القيمي لا تلفت نظره، ويفضل أن يكون فنه متسقا مع الطبيعة المحافظة، فهو شخص ملتزم إلى حد كبير، يُبغض التطرف الفكري والثقافي والرجعية ويميل إلى الوسطية والاعتدال، ومازالت أزمة الجمهور الوحيدة معه أنه يُعادي منصات التواصل الاجتماعي بكل منابرها، أو يحتك بالجيل الجديد الذي اتخذ من الشبكة العنكبوتية منبرا للتعبير عن نفسه.

الفيلم السينمائي الكوميدي “طباخ الرئيس” يجسد فيه زكي شخصية رئيس الجمهورية الراحل حسني مبارك، رئيس لا يعرف شيئا عن أحوال الدولة، يحصل على أخبار ومطالب شعبه من خلال طباخه الشخصي، الذي مثل دوره الفنان الراحل طلعت زكريا

يجيد اختيار أدواره بعناية شديدة، ولا يمكن أن يكرّر نفسه، أو يشارك في عمل لا يحمل رسالة هادفة، فقد يرفض بطولة مطلقة لفيلم سينمائي لمجرد أنه لن يرضي جمهوره أو لا يضيف إلى رصيده نقطة واحدة، لكنه يقبل بأداء دور هامشي في عمل آخر يراه يتناسب مع المكانة التي وضعها فيه محبوه، ولا يقبل بالتنازل عنها.

معضلة زكي أن خوفه على خسارة رصيده الفني دفعه إلى رفض الكثير من الأعمال السينمائية، فهو شديد الحساسية تجاه علاقته بالجمهور، ويريد الحفاظ على نجاحاته السابقة، لذلك لا يغامر بقبول أي دور لمجرد الظهور أو حتى البطولة المطلقة، لدرجة أنه ظل طوال 12 عاما بعد فيلم “طباخ الرئيس” يرفض المشاركة في أي أعمال سينمائية، واتجه بشكل أكبر إلى الدراما التلفزيونية.

ومن خلال مسيرته الفنية بقيت شخصية اللواء راشد سلام التي قدمها في فيلم ”السفارة في العمارة“ مع عادل إمام محفورة في ذاكرة المصريين والعرب. رئيس المخابرات الذي يحاول إقناع المواطن بشتى الوسائل، بالحكمة والتعقّل، دون أن يخفي موقفه الذي يكاد يطابق موقف بطل الفيلم في القصة الطريفة التي عالجها حينها.

وعلى الشاشة الصغيرة، شارك زكي في أعمال محورية في الدراما المصرية، مثل ”زمن الأقوياء“، و”مذكرات سيئة السمعة“، و“اغتيال شمس“ الذي قام فيه بدور الدكتور شمس المتخصص في الهندسة الوراثية، وبالطبع كان لأدوار المسؤولين نصيب على التلفزيون كما هو الحال في السينما، فقدّم زكي في مسلسل ”صاحب السعادة“ مع عادل إمام أيضا دور وزير الداخلية.

اشتهر في بداياته الفنية بتقديم الأعمال الرومانسية، لكنه عندما انتقل إلى الأدوار المركبة أجادها ببراعة، حتى صار مرتبطا بالشخصيات التي يمثلها، وفي رصيده العشرات من الأعمال على مستوى السينما والتلفزيون والمسرح، انتقى كلا منها بدقة، لرفضه القبول بمجرد الظهور.بلغت درجة عدائه للأعمال غير الهادفة أنه قال “مستعد للجلوس في بيتي دون طعام جيد على أن أقبل بتمثيل دور لا يقنعني ويسحب من رصيدي لمجرد الحصول على المال”، لأن الجمهور ينظر لوجوده في أي عمل فني على أنه دليل دامغ على كونه ناجحا ويستحق المشاهدة.

رغم تعرضه في بدايات حياته لأزمات ومنغصات أسرية واجتماعية واقتصادية كثيرة، غير أنه نجح في عبورها بعزيمة وإصرار، فقد مات والده وهو في سن صغيرة، وتولى رعاية أسرته والإنفاق عليها وهو مازال طالبا، وعاش مراحل حياتية متقلبة بين الحزن والفرح والانكسار، ولم ييأس أو يستسلم أمام الضغوط التي تحاصره وتعيقه عن تحقيق حلم النجومية.

انكسارات وانتصارات

شخصية اللواء راشد سلام محفورة في ذاكرة المصريين والعرب، قدمها زكي في فيلم ”السفارة في العمارة“ مع عادل إمام، وكان سلام في الفيلم رئيسا لجهاز مخابرات يحاول إقناع المواطن بشتى الوسائل، بالتعقّل، دون أن يكتم موقفه
شخصية اللواء راشد سلام محفورة في ذاكرة المصريين والعرب، قدمها زكي في فيلم ”السفارة في العمارة“ مع عادل إمام، وكان سلام في الفيلم رئيسا لجهاز مخابرات يحاول إقناع المواطن بشتى الوسائل، بالتعقّل، دون أن يكتم موقفه

بدأ التمثيل وهو في المدرسة الابتدائية، ووقف على خشبة المسرح القومي ضمن الفرقة الطلابية آنذاك، وحينها سأل نفسه، هل يأتي اليوم الذي أكون فيه فنانا كبيرا ينتظر الناس أعماله بشغف، ومن وقتها تمسك بتحقيق حلمه وحدد هدفه مبكرا، حيث التحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية بعد البكالوريا مباشرة، وحصل على البكالوريوس في التمثيل والإخراج وتم تعيينه بنفس المسرح الذي وقف عليه وهو طفل.

يعكس ذلك أنه لم يكن فنانا بالصدفة، بل بالفطرة، حتى عندما تم ترشيحه لأول فيلم في حياته “مدرسة المراهقين”، أمام النجمين فؤاد المهندس وشويكار، أدى الدور كأنه فنان مخضرم، وحينها كان طالبا في الفرقة الثانية بمعهد الفنون المسرحية، وفور تخرجه صار نجما حاضرا في كثير من الأعمال، وأعاد النظر في حساباته السينمائية.

من الثوابت الفنية لديه رفض البطولة المطلقة والميل إلى الجماعية منها، باعتبار أن الأخيرة تضفي على العمل مساحة من التنافس وإجبار الممثل على تقديم كل ما لديه لإرضاء الجمهور وترك بصمة واضحة عنه، ومهما كانت الإغراءات المادية فالرصيد الحقيقي للفنان أن يتعامل معه الناس بتقدير ولا ينظرون لأرصدته بالبنوك.

وإذا كان بعض الفنانين الشباب نجحوا في الوصول إلى النجومية سريعا، وتحقيق مكاسب مادية خرافية على حساب المخضرمين في المهنة، وبينهم شريحة اعتادت افتعال أزمات وصدامات مع الجمهور، إلا أن زكي لم يخرج مرة واحدة في حديث إعلامي إلا ويدافع عنهم ويدعو الناس لالتماس الأعذار لعدم خبرتهم وحماسهم الزائد.

الأدوار التي تميل للإسفاف والخروج عن النسق القيمي لا تلفت نظر زكي الذي يفضل أن يكون فنه متسقا مع الطبيعة المحافظة، فهو شخص ملتزم إلى حد كبير، يُبغض التطرف الفكري والثقافي والرجعية ويميل إلى الوسطية والاعتدال

جاءت معظم أعماله في السنوات الأخيرة مع شباب صاعدين، مخرجين أو ممثلين، من منطلق حرصه على تمهيد طرق الإبداع والنجومية للأجيال الجديدة، بعيدا عن عقدة البطولة المطلقة، أو البحث عن احتكار الشهرة، فلم يعتد التعامل مع الفن بمنطق المكسب والخسارة، بل بالبحث عن كل ما يفيد المهنة ولو بإظهار موهبة مدفونة.

انعكس ذلك على تكوينه علاقات طيبة داخل الوسط الفني، بحكم القوانين الصارمة التي وضعها لنفسه في التعامل مع الآخرين، فالغيرة والحقد من نجاح زملائه ليسا في قاموسه، فهو يرى الجميع أساتذة، واحترام الناس للفنان يبدأ من احترامه لنفسه وتقديره لأبناء مهنته وتعامله كقدوة للأجيال الصاعدة.

13