حنفي جبالي رئيس برلمان مصر الجديد مولعٌ بالحريات وحقوق الإنسان

جبالي هو القاضي المصري الوحيد الذي كانت رسالة الدكتوراه الخاصة به، وهو عضو صغير في المحكمة الدستورية، عن ضرورة تعويض المتضررين من الحبس بسبب القوانين المخالفة للدستور.
الأحد 2021/01/17
قاضٍ يرفض الإقصاء وتستهويه المعارضة المنضبطة

حمل انتخاب القاضي حنفي جبالي رئيس المحكمة الدستورية المصرية السابق، لرئاسة مجلس النواب، جملة من المفارقات، مردّها أن الرجل لم يسبق له الانخراط في العمل السياسي، ولم يمارسه من قريب أو بعيد، وترك منصة القضاء منذ أقل من عامين، بعد مسيرة امتدت لأكثر من ثلاث وأربعين سنة، عاشها داخل السلك القضائي.

دخل جبالي محراب السياسة من بوابة حزب مستقبل وطن، الذي يصنف على أنه الظهير السياسي للحكومة، حيث ترشح في انتخابات مجلس النواب الأخيرة على رأس إحدى قوائمه الانتخابية، وتم الدفع به من جانب الحزب لينافس على رئاسة البرلمان، وفاز بأغلبية الأصوات، الثلاثاء الماضي 12 يناير الجاري، وحصل على تأييد 508 أعضاء، من إجمالي 568 يمثلون تركيبة المجلس الجديد.

اللافت أن رئيس حزب مستقبل وطن، القاضي عبدالوهاب عبدالرازق، كان رئيسا للمحكمة الدستورية العليا، قبل أن يتولى جبالي رئاسة المحكمة خلفا له، وعبدالرازق نفسه أصبح رئيسا لمجلس الشيوخ، الغرفة الثانية للبرلمان المصري مؤخرا، ما يعني أن المؤسستين التشريعيتين في البلاد صارتا تحت قيادة قضائية.

يرتبط استغراب البعض من الاعتماد على شخصيات قضائية في مناصب حساسة، بأن القضاة اعتادوا الابتعاد عن ممارسة العمل السياسي، ولا يريدون أن يكونوا في واجهة المشهد، حفاظا على الصورة الذهنية الراسخة عنهم، بكونهم عناصر مستقلة، وليس من طبعهم التحزب أو التسييس، ويتمسكون بإبعاد أنفسهم عن مواضع الجدل والشبهات.

مصداقية القاضي السياسية

البرلمان المصري السابق يوصف بأنه وصل في تماهيه مع الحكومة إلى حد التعصّب لأغلب قراراتها وسياساتها، لكن سهام النقد وجّهت إلى دوائر داخل السلطة لا إلى النواب أنفسهم، ما أحرج النظام وجعله متهما بأنه يدير البرلمان عن بُعد

يبدو أن التغيرات التي تشهدها الساحة السياسية في مصر، فرضت على دوائر صناعة القرار الاعتماد بشكل أكبر على قامات قضائية لها مصداقية وتتمتع بالنزاهة والرصانة والثقل والهيبة عند الشارع، ليتم الاعتماد عليها في إعادة تشكيل المشهد، بعدما أظهرت التجارب أن العناصر التي جرى الاعتماد عليها أدت دورها على نحو أغضب الشارع.

وصل البرلمان السابق في تماهيه مع الحكومة إلى حد التلاحم والتعصب لأغلب قراراتها وسياساتها، لكن طريقة إدارة المجلس كانت سيئة، ووجهت سهام النقد إلى دوائر داخل السلطة لا إلى النواب أنفسهم، ما أحرج النظام وجعله متهما بأنه من يدير البرلمان عن بُعد، وبالتالي فإن الحكومة لا تريد تكرار سيناريوهات قديمة في أسلوب عمل المؤسسة التشريعية، كما حدث مع علي عبدالعال رئيس مجلس النواب السابق.

ميزة جبالي أنه شخصية متزنة ومنضبط، ولديه كاريزما خاصة تدفع من يتعامل معه إلى أن يبادله الاحترام، فهو اعتاد أن يكون مستقلا عن أية مؤثرات، ولا يسمح لأي طرف أن يضغط عليه أو يوجهه إلى شيء لا يقتنع به، ويعرف جيدا كيف ومتى يتحدث، وبأي طريقة يوصل رسائله بشكل يرضي الجميع.

الحديث عن تلك السمات يرتبط بطبيعة الشخصية التي تحتاجها دوائر صناعة القرار في القامة التي تترأس المؤسسة التشريعية الأولى، بحيث تكون لدى الشارع قناعة راسخة بأن الرجل ليس دمية في يد السلطة تحركها متى تشاء وكيفما تشاء، باعتبار أن ثقة الناس في البرلمان وعدم التشكيك في قراراته وسلطاته الرقابية يُستمدّان من قائده أولا.

ترغب الحكومة في أن يكون البرلمان ظهيرا سياسيا عقلانيا، وتعتقد أن تحقيق هذه المعادلة يتطلب وجود شخصية لها هيبة وحضور ومصداقية على رأس البرلمان، بحيث تكون مهمته رقابية وتشريعية بما يخدم المصلحة العامة.

عكست أولى عباراته التي نطق بها فور اعتلاء كرسي رئاسة مجلس النواب، أنه شخص يمتلك قدرا من الدهاء السياسي، حيث استطاع أن يكسب ود كل الأطراف منذ اللحظات الأولى، فهو الذي امتدح من لم يصوتوا له قبل أن يشكر الذين رشحوه للمنصب، وقال إن الديمقراطية تفرض ذلك، بأن يكون المؤيد والمعارض في مرتبة واحدة، وكلاهما يستحق الثناء. وتطرق إلى الجهود الوطنية التي تقوم بها الأجهزة الأمنية في محاربة الإرهاب وحماية التنمية وفرض الاستقرار، ولم يتجاهل بطولات الأطباء في مواجهة جائحة كورونا وتعهد بدعمهم بكل قوة، ثم تحدث عن الرئيس عبدالفتاح السيسي واصفا إياه بـ”الزعيم الذي يبني بلده رغم ظروف الوباء”، وكانت رسالته الأهم تتعلق باحترام حرية الرأي والاختلاف طالما تصب في صالح الوطن.

كان واضحا في إعلان أن البرلمان الجديد لن يكون مجرد جهة تصادق على التشريعات وتصفق للحكومة على قراراتها، بل بادر بمطالبة النواب بالرقابة على أعمال المؤسسات والهيئات والوزارات، شريطة أن تكون رقابة متزنة تؤتي ثمارها، ولا تبالغ في التهوين أو التهويل، بل تفصل بشكل مرن بين السلطات.

بين النواب والشيوخ

الحكومة ترغب في أن يكون البرلمان ظهيرا سياسيا عقلانيا، وتعتقد أن تحقيق هذه المعادلة يتطلب وجود شخصية لها هيبة وحضور ومصداقية على رأس البرلمان.
الحكومة ترغب في أن يكون البرلمان ظهيرا سياسيا عقلانيا، وتعتقد أن تحقيق هذه المعادلة يتطلب وجود شخصية لها هيبة وحضور ومصداقية على رأس البرلمان.

بحكم ما عُرف عن جبالي طوال مشواره بالسلك القضائي، الذي بدأه في النيابة العامة منذ عام 1976، فقد اعتاد على أن يضع لنفسه دستورا لا يحيد عنه، ومطالبته نواب المجلس بأن يكونوا رقابيين قبل أن يصبحوا تشريعيين، تعني أن مصر على موعد مع مرحلة جديدة يقوم فيها البرلمان بدور المعارضة المنضبطة التي ترضي الحكومة والشارع على حد سواء، وهذا مقبول للطرفين.

أهم صفات جبالي أنه فقيه دستوري ورجل قانون مخضرم ويدرك جيدا بأي طريقة ومضمون يمكن تمرير التشريعات دون شوائب تدفع تيارات معادية لاستثمارها في مناكفة الحكومة، حيث سبق أن اعترض القضاء على قوانين لم تكن دستورية، ورغم ذلك جرى تمريرها، ما ضاعف سخط الناس على البرلمان السابق.

يحول وجود جبالي على رأس مجلس النواب دون حدوث صدام مع مجلس الشيوخ في التصديق على التشريعات، بحكم أن رئيسي المجلسين قامتان قضائيتان شغلا من قبل رئاسة المحكمة الدستورية، وكانا زميلين على منصة واحدة، ما يعني أن التناغم بين الطرفين سيكون مرتفعا، بحيث تكون طريقة إخراج القوانين متقنة.

كما أن وجود القاضي عبدالرازق، كما سبق ذكره، على رأس قيادة حزب مستقبل وطن الذي يحظى بالأغلبية البرلمانية، ويتحكم في زمام الأمور بالمجلس، سوف يريح جبالي بشكل كبير، ويجعله يدير البرلمان بطريقة سلسة ومرنة ويدفعه إلى العمل في بيئة خالية من الصراعات والصدامات.

ولأن الناس يرتبطون بماضٍ سيء مع البرلمان المنتهية ولايته، حيث لم يقدم أيّا من نوابه استجوابا واحدا للحكومة طوال خمس سنوات، فإن جبالي يدرك أنه سوف يكون تحت الميكروسكوب، وعليه إثبات استقلالية المجلس عن التماهي مع السلطة، وعدم خسارة تاريخه القضائي كشخصية لا تقبل الضغوط أو تعمل لطرف على حساب الآخر، أو تستخف بمطالب الشارع.

جبالي يدخل محراب السياسة من بوابة حزب مستقبل وطن، الذي يصنف على أنه الظهير السياسي للحكومة، حيث ترشح في انتخابات مجلس النواب الأخيرة على رأس أحد قوائمه الانتخابية، لينافس على رئاسة البرلمان ويفوز بها

ما يعزز أن الرجل لديه قدر من الانفتاح وعدم ضيق الأفق أو اختزال الوطنية في المؤيدين فقط، أنه يقدس المواطنة ويعتبرها عنوانا للتحضر والمساواة بين الجميع، ويحترم حرية الرأي لأقصى درجة، ويمتعض من فكرة التمييز على أي أساس، ويرى أن تطبيق الدستور بشكل حرفي الضمانة الأولى لكفالة حقوق كل الأطراف.

يحمل وجود جبالي في هذا المنصب قدرا من الطمأنينة للأصوات المختلفة مع الحكومة داخل وخارج البرلمان، بحكم أنه من المؤمنين بالحق الدستوري لأي أحد في ممارسة السياسة بقوة القانون، ولا يحق لجهة ما أن تمارس أدوارا تحول دون ذلك، فقط شارك في إصدار حكم بعدم دستورية قانون العزل السياسي إبان ثورة 25 يناير 2011.

وإن كان لدى الحكومة رؤية ضيقة حول قضايا حقوق الإنسان، جعلتها تتعرض لانتقادات متكررة من مؤسسات محلية ودولية، فإن جبالي لديه خبرات في هذا الملف تجعله يتعامل مع الأمر بحنكة، لا أن يقوم البرلمان بدور المؤيد للسلطة على طول الخط في هذا الشأن كما جرى من قبل.

جبالي هو القاضي الوحيد الذي كانت رسالة الدكتوراه الخاصة به، وهو عضو صغير في المحكمة الدستورية، عن ضرورة تعويض المتضررين من الحبس بسبب القوانين المخالفة للدستور، وقال إن الدولة مسؤولة عن تعويض كل شخص تضرر بسبب خطأ اِرْتُكِب في أيّ تشريع، فماذا ذنب المواطن الذي تعرض للحبس وتمت تبرئته لاحقا.

عندما تولى منصب الأمين العام لاتحاد المحاكم الدستورية العربية، الذي يضم وجهاء القضاء الدستوري في الوطن العربي، كانت أغلب أوراقه البحثية في مجال القضاء الدستوري تتعلق بالحقوق والحريات، بل إنه كان يقدمها بأكثر من لغة أجنبية، فقد عاش لسنوات في بلدان غربية ليعمق معارفه القضائية واستفادت من خبراته بعض الدول العربية.

وأصدر الرجل مؤلفا خاصا عن مبادئ حماية حقوق الإنسان في الدستور المصري ودور المحكمة الدستورية في صونها وحصانتها. وبلغت جرأته في التعبير عن نفسه كقاضٍ نزيه ومستقل، أنه أعلن تأييده لإقدام البعض على إقامة دعوى مخاصمة القضاة في قوانين المرافعات، بمعنى أن يتم التشكيك فيهم ومطالبتهم بالتنحي واتهامهم بعدم الحياد، إلى أن يثبت العكس.

اختبار عملي

ميزة جبالي أنه شخصية متزنة، لديه كاريزما خاصة تدفع من يتعامل معه إلى أن يبادله الاحترام، وقد اعتاد أن يكون مستقلا عن أية مؤثرات، ولا يسمح لأي طرف بالضغط عليه
ميزة جبالي أنه شخصية متزنة، لديه كاريزما خاصة تدفع من يتعامل معه إلى أن يبادله الاحترام، وقد اعتاد أن يكون مستقلا عن أية مؤثرات، ولا يسمح لأي طرف بالضغط عليه

يؤمن جبالي بأن القاضي النزيه والمتجرد الذي يتمسك بالحياد والمصداقية ولا يحيد عنها مهما كانت المؤثرات، لا يجب أن يخاف من دعوى المخاصمة حتى لو تم اتهامه في ذمته، وبالعكس، فمن مصلحته أن يؤكد على نزاهته، أما لو كان قاضيا شابه الانحراف ويستحق الفصل من السلك القضائي، فهو أول المؤيدين لذلك حتى يتطهر القضاء أولا بأول من تلقاء نفسه.

يقود ذلك إلى عدم مجاراة الخطأ حتى لو صدر من قاضٍ مثله، فلا حصانة لأحد على حساب القانون، والتجرد من المؤثرات والضغوط يجب أن يكون صفة ملاصقة لعمل القضاة، ومن غير المتوقع أن يتم استقطاب جبالي إلى طريق لا يرضيه أو يتناقض مع مبادئه وتاريخه وقناعاته التي تمسك بها طوال مسيرته القضائية.

تكاد تكون المعضلة الأكبر أمامه في أن يقدم على خطوات من شأنها تحريك المياه الراكدة في المشهد السياسي، واستثمار التنوع الذي يتميز به البرلمان الجديد، من شباب وفتيات وكبار ونساء ومفكرين ومعارضين، أنه تولى المهمة وقد بلغ من العمر سبعين عاما، ولم يشتبك من قبل مع أي سلطة، ولم يختلط بالشارع، بل عاش منكفئا على أوراق القضايا، يقضي قرابة 90 في المئة من يومه وهو يقرأ ويبحث في الدعاوى ويجهز أحكامه بشكل لا يدفع أيّ جهة إلى التشكيك فيها.

يظل أول اختبار تعرض له جبالي بعد اشتباكه مع السياسة، ما واجهه من تلميحات أطلقها معارضون للسلطة، بأنه اختير رئيسا لمجلس النواب كمكافأة له على أنه حكم بأحقية تنازل مصر عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، لكن من غير المتوقع أن يتأثر الرجل بمثل هذه الضغوط، فهو الذي قال من قبل “القاضي الحق، هو الذي يتمتع بالثبات الانفعالي أمام مؤثرات الرأي العام، يسير في طريقه، كأنه لا يسمع ولا يرى”.

هناك شواهد تدحض فكرة مكافأته برئاسة البرلمان، أهمها أن جبالي سبق أن شارك في إصدار حكم بعدم دستورية قانون تقسيم الدوائر الانتخابية عام 2015 وكانت البلاد حينها في أمس الحاجة إلى مجلس نواب يكتمل به النظام السياسي، والأهم أن عدلي منصور رئيس المحكمة الدستورية الأسبق كان رئيسا للجمهورية بشكل مؤقت، وهو من أصدر القانون.

يعتز جبالي بنفسه كشخص عصامي ينتمي إلى أسرة بسيطة من جنوب مصر، ويتعامل مع الكبرياء والكرامة والعزة باعتبارها من المقدسات، ولأجل هذه السمات يمكن التضحية بأي شيء، المهم أن يكون هناك اعتزاز بالنفس مع الحفاظ على السمعة وعدم الانبطاح أمام أي ضغوط أو مؤثرات تخترق العرف والتقليد الراسخ. صحيح أن هذه المبادئ قد تنكسر عند البعض أمام الاعتبارات السياسية، لكنها نادرا ما تتحطم عند قامة قضائية كانت يوما رئيسا للمحكمة الدستورية التي لا سلطان لأي سلطة عليها.

يتعامل الرئيس السيسي مع قضاة المحكمة الدستورية بخصوصية شديدة، ويضعهم في مكانة استثنائية عن باقي أعضاء الهيئات القضائية، ويثني عليهم في مناسبات تطرق فيها إلى تصديهم بشجاعة لمحاولات هدم الدولة إبان فترة حكم الإخوان، وما بعدها، وعدم تأثرهم بحصار أنصار الجماعة لمقر المحكمة بعد الحكم بحل مجلسي الشعب والشورى، في محاول لترهيب قضاتها ودفعهم إلى التراجع.

إذا كان جبالي مطالبا بوضع خطوط حمراء لأيّ جهة تحاول الانتقاص من مكانته وتاريخه وتحويل البرلمان إلى متحدث باسم النظام، فإن التحدي الأكبر أمامه أن يعيد ثقة الشارع المفقودة في مجلس النواب بالاشتباك مع الحكومة وتختفي نبرة الاصطفاف الوطني التي يتم الترويج لها بدعوى الحفاظ على الأمن والاستقرار، وتبدأ مصر عهدا جديدا من الإصلاحات السياسية التي يصعب أن تتحقق في وجود برلمان بلا أنياب.

8