حمدي ولد الرشيد الرجل القوي الواقف ضد "أبناء العم" في البوليساريو

البعض يجد ولد الرشيد ابن الميدان، حاضرا في كافة الأوراش التنموية وعلى مستوى البنية التحتية التي تعرفها المدينة، بينما يقول آخرون إن الرجل مهيمن، ويحتكر المجال دون إتاحة الفرصة لمن يريد أن يلعب دوره في الإقليم.
السبت 2019/05/11
زعيم سياسي وقائد قبلي يتمسك بوحدة التراب المغربي

يعتبر مولاي حمدي ولد الرشيد عيناً من أعيان الصحراء المغربية، وهو القيادي بحزب الاستقلال أقدم حزب في المغرب له حضور وازن في الأقاليم الجنوبية وعلى مستوى العيون كبرى حواضر الأقاليم الجنوبية. يصفه البعض بالرجل القوي لاعتبارات سياسية ومالية وقبلية، فيما يرى فيه البعض الآخر رقما ضمن مجموعة أرقام رابحة في هذه اللحظة الزمنية كما كان أخوه خليهن ولد الرشيد وآخرون غيره من قبل.

ولد الرشيد ينتمي إلى الركيبات النهالات، كبرى قبائل الصحراء، ويتحدر من عائلة سياسية مؤثرة داخل المشهد الوطني والمحلي. ارتبط اسمه بملف الصحراء ومقارعته للبوليساريو، وهو الذي تحول من سائق لإحدى الشركات في عهد الاحتلال الإسباني للأقاليم الجنوبية إلى رجل أعمال استطاع أن يفرض نفسه داخل المربعات السياسية والاقتصادية المؤثرة.

لعب حذر بالأوراق

الصحراوي ولد الرشيد لاعب كبير داخل حزب الاستقلال الذي وصل من خلاله إلى البرلمان ويرأس بلدية العيون وهو عم سيدي حمدي ولد الرشيد عضو الوفد المفاوض في المائدة المستديرة التي دعت إليها الأمم المتحدة بين البوليساريو والجزائر وموريتانيا والمغرب بجنيف، بعد أن بات يعد من بين أبرز شيوخ القبائل الذين ساهموا في عملية تحديد هوية الهيئة الناخبة التي أشرفت عليها الأمم المتحدة، والمدافعين عن وحدة التراب المغربي.

بدراعيته الصحراوية وقسمات وجهه الصارمة يلعب أوراقه بحذر سواء داخل حزبه أو بين شيوخ الصحراء الأقوياء، وقد استطاع في مستهل أبريل الماضي أن يحشد حضورا جماهيريا كبيرا بالعيون قدّر بـ57 ألف شخص، ليؤكد من خلاله لخصوم الوحدة الترابية للمملكة أنه جدير بتمثيل أهل الصحراء سياسيا واجتماعيا وتنمويا واقتصاديا.

بالطبع لم يستسغ قادة البوليساريو هذا المسلك لما يمثله من تهديد لأطروحتهم الانفصالية التي يؤسسونها على مشروعية مجتمعية ومظلومية سياسية وجغرافية متوهمة. وباعتبار قادة وقواعد البوليساريو ينحدرون من الأقاليم الصحراوية فلا بأس أن يصفهم ولد الرشيد بالعائلة وأبناء العم الذين لا يتفقون سياسيا وأيديولوجيا، فهم يريدون اقتطاع الأرض فيما نحن نتمسك بالحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

عندما استقبل ولد الرشيد المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، هورست كوهلر، في يونيو 2018، دعاه باعتباره رئيس جماعة العيون، أي أنه يمثل بشكل شرعي سكان الأقاليم الجنوبية، إلى بحث السبل الممكنة والحلول الأنجع لحل النزاع المفتعل حول الصحراء، هذا الجزء من المغرب الذي يعرف حركية متسارعة لتنزيل النموذج التنموي الخاص بالأقاليم الجنوبية. ولتوضيح الصورة بشكل لا لبس فيه، اعتبر ولد الرشيد أن سكان مخيمات تندوف على التراب الجزائري ممن التقاهم قبل أيام، هم إخوة وأبناء عمومة وقد فرقتهم التدخلات الإقليمية من دول الجوار، الهادفة إلى تأبيد النزاع وإطالة أمده على حساب الصحراويين. وهذا يدل على أن الرجل متمسك بالحل السياسي ولا يحبذ الدخول في حرب لا فائدة منها مع أبناء العمومة رغم اختلاف التقدير كون هؤلاء مغررا بهم.

الاعتبارات السياسية والمالية والقبلية تجعل من حمدي ولد الرشيد رجلاً قوياً في نظر كثيرين. وقد يكون هذا السياسي الطموح مجرد رقم ضمن مجموعة أرقام رابحة في هذه اللحظة السياسية، كما كان أخوه خليهن ولد الرشيد من قبل
الاعتبارات السياسية والمالية والقبلية تجعل من حمدي ولد الرشيد رجلاً قوياً في نظر كثيرين

وكعارف ببواطن الأمور، يرى ولد الرشيد أن جبهة البوليساريو، وكما أوضح لممثل الأمين العام، لم تكن لها في أي مرحلة من مراحل النزاع أي شرعية لتمثيل السكان، فقبل حزب الاستقلال وقبل البوليساريو كان هناك فقط حزب الوحدة الوطنية الصحراوية “البونس”، برئاسة أخيه الطموح جدا خليهن ولد الرشيد الرئيس الحالي للمجلس الملكي للشؤون الصحراوية، والجمعية الصحراوية كممثل للصحراويين والمتحدث باسمهم إبان الاحتلال الإسباني. والمعنى أن عائلة ولد الرشيد كانت تمثل السكان الصحراويين سياسيا واجتماعيا تحت لواء البيعة التي قدموها للعاهل المغربي، وكنتيجة لذلك يؤكد ولد الرشيد أن الممثل الشرعي والتاريخي لسكان الولايات الجنوبية هو المنتخبون الذين وشحتهم بثقتها في انتخابات شفافة وديمقراطية نوهت دول العالم برمتها بشرعيتها، وهم مجمعون على أن لا حل للنزاع إلا من خلال المبادرة الملكية المتقدمة والرائدة الهادفة إلى تمتيع السكان بحكم ذاتي موسع يدبرون من خلاله شأنهم العام ويسهمون في تنمية المنطقة والنهوض بها على مختلف المستويات تحت السيادة المغربية.

ولم يكن هذا الموقف الأول أمام أحد ممثلي الأمين العام للأمم المتحدة فقد رفض ولد الرشيد إنزال علم المغرب بمحيط مقر بعثة المينورسو في عهد كريستوفر روس، مستندا على أن ذلك مجال تدخل المجلس البلدي والعَلَم من المقدسات ولن يُنزع علم واحد من الأعلام، وأصر أمام روس على أنه ممثل الصحراويين بفضل شرعية الانتماء القبلي والمشروعية الانتخابية كنائب برلماني ورئيس بلدية العيون.

وبقدر ما أثنى عليه البعض وثمّنوا مواقفه وتجربة تدبيره للشأن المحلي منتخبا، فقد انتقده البعض الآخر معتبرا إياه ذا شخصية مهيمنة ويريد احتكار كل شيء، لكن هذا لم يلو عزيمة ولد الرشيد ولا قناعته كصحراوي في أنه حتى لو استمر الوضع على ما هو عليه اليوم بالصحراء لـ200 سنة، فإننا لن نصل إلى أي حل آخر من غير الحكم الذاتي.

ولد الرشيد هو المنسق الجهوي لحزب الاستقلال بالجهات الثلاث للصحراء، جهة العيون بوجدور الساقية الحمراء، وجهة كلميم السمارة، وجهة وادي الذهب الكويرة. وتلك مسؤولية كبرى وتحديات أكبر خصوصا وأنه رئيس المجلس البلدي لمدينة العيون، وينسق مع رئيس جهة العيون الساقية الحمراء، التي تزخر بمؤهلات سياحية واقتصادية ومالية يسيل لها لعاب الكل في الداخل والخارج.

يجده البعض ابن الميدان حاضرا في كافة الأوراش التنموية وعلى مستوى البنية التحتية التي تعرفها المدينة، فيما يقول آخرون إن الرجل مهيمن ويحتكر المجال دون إتاحة الفرصة لمن يريد أن يلعب دوره في الإقليم.

الدور السياسي

ولد الرشيد بدراعيته الصحراوية الشهيرة يتقدم بوعي وحذر، سواء داخل حزبه أو بين شيوخ الصحراء الأقوياء
ولد الرشيد بدراعيته الصحراوية الشهيرة يتقدم بوعي وحذر، سواء داخل حزبه أو بين شيوخ الصحراء الأقوياء

قبل أن يصبح ولد الرشيد برلمانيا ورئيس جماعة العيون باسم حزب الاستقلال كان قائدا بعمالة الإقليم الى حدود العام 2002 باعتباره من شيوخ القبائل الأقوياء في الصحراء، وفي تلك الفترة راكم خبرة في التدبير والتقييم السياسي والإداري أهلته ليكون أحد اللاعبين في الأقاليم الجنوبية وعلى مستوى مدينة العيون بشكل خاص.

صراع السياسة لا ينتهي والحيل كذلك مستمرة بين ممتهنيها، وولد الرشيد كعضو مؤثر في المشهد السياسي المحلي والوطني يناضل كي يبقى في الواجهة ضمن رجالات حزب الاستقلال في الأقاليم الجنوبية، ولهذا كان دائما مشاركا ومؤثرا في صناعة القرار الحزبي ولذلك دخل في معركة لي الذراع مع الأمين العام السابق للحزب حميد شباط، والذي قال عنه إنه “منذ 2015 ونحن ننبه إلى أن الطريقة التي يسير بها الحزب غير صحيحة”،  والنتيجة بعد ذلك كانت إسقاط شباط من كرسي الأمانة العامة كنهاية لمشواره السياسي في عام 2017.

وخلال الأسابيع الماضية اتهم الخصوم السياسيون ولد الرشيد بأنه استعرض عضلاته السياسية والتنظيمية عندما نظم لقاء جماهيريا بالعيون كرسالة لحزب الأحرار الذي ينافس حزب الاستقلال في الأقاليم الجنوبية. وفعلا، اعترف بأنه من “الطبيعي أن نستعرض قوتنا، دون أن نتعدى على أي أحد وما ظلمناهم، هذا هو تنظيمنا ونحن نريد أن نكون أقوياء”.

جاء هذا التجمع في مدينة العيون بعد أسابيع على تنظيم عزيز أخنوش، رئيس التجمع الوطني للأحرار، تجمعا خطابيا في مدينة الداخلة، والمعروف عن أخنوش أنه يطمح بالفوز بأغلبية برلمانية في الانتخابات المقبلة ويرفع في سبيل ذلك شعار “أغراس أغراس”، بالأمازيغية وتعني “المعقول”. لكن ولد الرشيد وفي ما يعتبر ردا على أخنوش قال “إنني لن أقول أغراس أغراس ولكن أقول حق بعد حق”.

التوافق سيد العقلاء

“لن تكون مساهما في تدبير الشأن العام دون أن تقترف أخطاء مقصودة أو فُجئية كأعطاب ناتجة عن العمل السياسي، ولن تصبح بالضرورة في مأمن من اصطدام مصالحك بمصالح الغير ويبقى التوافق سيد الموقف عند العقلاء”. هذا ما حاول ولد الرشيد أن يقوم به في كثير من المحطات، خصوصا بعدما راج في عهده التصرف دون وجه حق في الوعاء العقاري للدولة بمنطقة نفوذه الإداري والقبلي، وأنه هو وأفراد عائلته استولوا على قطع أرضية في مدينة العيون كانت مخصصة للحدائق والمرافق العمومية، كانت سببا في ردود فعل سلبية بينه وبين خصومه متصلة إلى وقت قريب.

ويرجع ولد الرشيد ذلك إلى ما أسماه بالتشويش عليه وعلى عائلته داخل وخارج الأقاليم الجنوبية، وللدفاع عن مصالحه ونفوذه استخرج سلاحه مطالبا بإطلاق سراح معتقلي مخيم أكديم إزيك، الذين تورطوا في قتل عدد كبير من عناصر قوات الأمن والوقاية المدنية عندما أقدمت السلطات على تفكيك مخيم أكديم إزيك بالعيون في أكتوبر من عام 2010، ورفع مندسون داخله شعارات سياسية بنبرة انفصالية بعدما كانت مطالب الذين اعتصموا بالمخيم اجتماعية.

وكانت خديجة المروازي، رئيسة جمعية الوسيط من أجل الديمقراطية، قد علقت بوجوب “ترك موضوع أكديم إزيك بعيدا عن أي استغلال سياسي”. رد هذه الحقوقية جاء بعد شكاية مديرية أملاك الدولة، أمام الوكيل العام للملك بالعيون، وهي شكاية مفتوحة منذ 2013، بشأن تزوير وثائق من أجل الاستيلاء على عقار الدولة.

اسمه يرتبط بملف الصحراء ومقارعة البوليساريو، وهو الذي تمكن من فرض نفسه داخل مربعات السياسة بعد أن كان سائقاً في شركة خلال الاحتلال الإسباني
اسمه يرتبط بملف الصحراء ومقارعة البوليساريو، وهو الذي تمكن من فرض نفسه داخل مربعات السياسة بعد أن كان سائقاً في شركة خلال الاحتلال الإسباني

ويدعي ولد الرشيد أنه يتعرض لمؤامرات من خصومه السياسيين وأعدائه من الانفصاليين بدعم جزائري، وهناك من يدافع عنه ويقول إنه يحق له أن تكون له هواجسه فالرجل يقود عائلته بين الألغام والفخاخ والدسائس ويريد في هذا الخضم أن ينجح مهما كانت الظروف والملابسات. ولهذا وقف ابن أخيه حمدي، رئيس جهة العيون الساقية الحمراء،  مدافعا عن عائلة آل الرشيد باعتبارها “نالت النفوذ بناء على أصوات انتخابية عبّر عنها مواطنو المنطقة”، مضيفاً قوله “نحن لم نجد المناصب معروضة في الطريق فأخذناها، لقد تقدمنا إلى الانتخابات وحصلنا على ثقة الشعب”، موضحا أنها إرادة الشعب، سكان العيون والجهة يثقون في آل الرشيد. وبدعم من عمه مولاي هاجم رئيس حزب الأحرار بوصفه وزير الفلاحة والصيد البحري، متهما إياه بإقصاء الجهة من معرض “أليوتيس” الذي نظم في مدينة أغادير، بالرغم من توفرها على ثلاثة موانئ للصيد رائدة وطنيا وأن أبناء المنطقة لا يستفيدون بشكل جيد من الثروات البحرية. وهو ما اعتبره مقربون من أخنوش شعبوية مفضوحة متهمين إياه بدعم المقربين منه ومن أبناء المنطقة بالاستثمار في القطاع واحتكار الصناعات التحويلية السمكية وتجارة السمك والنقل وغير ذلك.

وكشهادة من العارفين بشؤون الاقتصاد فإن مدينة العيون جذبت الكثير من الشركات العالمية للاستثمار فيها لما تعرفه من تطور مهم في البنية التحتية والأمان والاستقرار الذي تعرفه المدينة، وذلك راجع إلى الاهتمام الذي يوليه رئيس جماعتها حمدي ولد الرشيد. كما تصدرت جهة العيون الساقية الحمراء لائحة الجهات المغربية في ما يخص تحقيق أهداف التنمية المستدامة في أفق 2030 التي اعتمدها المنتظم الدولي في عام 2015.

العرش خط أحمر

كل ما سبق يوضح أن ولد الرشيد يقول إنه لن يتخلى عن قيادة كبرى مدن الأقاليم الجنوبية وسيدعم لهذا الغرض ابن أخيه حمدي ولد الرشيد رئيس الجهة والحامل للاسم نفسه والمنتمي إلى الحزب ذاته، كما يتحدى خصومه أن ينظموا إنزالا جماهيريا وقتما يريدون في ساحة المشور بالعيون، وبكثير من الثقة في النفس يقول إن “جهة الداخلة تاريخيا استقلالية، والناس الذين يقولون إنها ليست استقلالية أقول لهم حساباتكم واهية”. وحتى عندما أراد البعض إقحام الملك في صراع سياسي بين الأحزاب رد بذكاء أن أعلى سلطة في البلاد لا تتدخل في الأحزاب، والملك للأحزاب كاملة الصغيرة والكبيرة، ولـ34 مليون مواطن ومواطنة بالمملكة”، أما للمشوشين فيقول ولد الرشيد “في انتخابات 2021 سترون العجب”.

12