حماس.. الأوضاع القديمة والتكيف الجديد

لم يعد الأمر يُطاق. ففي السياسة هزلت ورقة السلطة، وفي المقاومة هزلت تعليلات الهجمات الصاروخية، والمحتلون معنيون بالهُزاليْن. لذا أصبح الطرفان معنيين بتلاقي المتعوس مع خائب الرجاء.
الأربعاء 2019/07/17
غزة بلا سوق عمل وبلا أفق للأجيال

بدت مقاربة حركة حماس، الجديدة، للتعاطي مع الأوضاع القديمة الضاغطة على الفلسطينيين في وطنهم، حييّة مستشعرة الحرج في العلن، فصيحة بليغة في السر. كان موقفها، قبل إحدى عشرة سنة، هو الصدود الباتّ عن كل مفردات التسوية والتهدئة والتعاملات اليومية مع واقع الاحتلال، الذي لا جحافل البتة، لتحقيق بدائله.

فقد كان الواقع معلومًا ومقروءًا، دون أن يتغير صدود حماس التي استمرأت الحكم. وربما ساعدها على الصدود أمران، الأول هو إخلاء جيش الاحتلال غزة، والثاني الصدود الإسرائيلي المضاد والبات، الذي تفاقم مع وصول اليمين العنصري الأكثر تطرفًا إلى الحكم. في الأمر الأول، لم يكن إخلاء غزة، يعني إنهاء الاحتلال الذي اتخذ شكل الحصار الذي يصعب أن تُجدي معه عمليات القصف التي استحثت قصفا إسرائيليّا أعتى وأكثر إيلاما وخسارة بما لا يقاس.

ولم تمر خمس سنوات، حتى أصبح الهدف الأقصى هو تخفيف الحصار وتثبيت التهدئة، لتحاشي التدمير الشامل لقطاع غزة، دون أن تقترب الحركة التي حكمت منذ منتصف العام 2007 من تحقيق أبسط المتطلبات التي لن تؤدي استجابة إسرائيل لها، إلى أية مضاعفات سلبية عليها. مثال ذلك تسجيل المواليد فلسطينيًّا، لاعتماد الطفل الجديد مواطنًا في غزة، يمتلك رقما وطنيا وفي مقدور ذويه استصدار جواز سفر فلسطيني له.

فعلى هذا الجانب وحده، تراكم عدد المقيمين بغير أرقام وطنية، الذين وصلوا إلى غزة بتصاريح زيارة إسرائيلية وبقوا فيها، أو اضطروا للعودة إلى بيوتهم قادمين من الأقطار التي عملوا فيها، بعد أن استُغني عن خدماتهم. فهؤلاء، مع المواليد الجدد لأبنائهم، أصبحوا يشكلون نحو ربع مليون مواطن، لا يستطيعون السفر لمتابعة مصالحهم ومصالح أبنائهم في أسواق العمل والمؤسسات التعليمية في الخارج وفي المشافي وفي المشاركة في أي نوع من المناسبات وتلبية الدعوات.

في الوقت نفسه، اتجهت كل الضغوطات، لجعل غزة بلا سوق عمل، وبلا أفق للأجيال، وبلا دخل على الأسر. فالحصار أدى مفاعيله، ولكي تتفاقم الأمور أكثر، تولى رئيس السلطة الفلسطينية مهمة المساعدة في الإفقار، لكي يعوض -بالمعنى السلبي- ما تفعله الهيئات الإغاثية والدول التي ترسل مساعدات عينية، لتخفيف آثار الحصار. فمع كل إغاثة، كانت هناك قوائم قطع لرواتب الموظفين.

أما حماس نفسها، التي اتخذها محمود عباس ذريعة لكي يفعل ما فعل، فقد زادت أو زاودت على عباس، إما بالاستيلاء على المساعدات العينية من غذاء ودواء، وبيعها في الأسواق الفقيرة، وإما بإحكام إغلاق سوق العمل أمام ضحايا الفعل الأول. ذلك فضلًا عن اعتماد حكمها على منطق البطش والحديد والنار.

وبناء على هذا الذي جرى، لن يخطئ من يقول إن “صفقة القرن” توغلت في شرايين الحال الفلسطينية، قبل أن يفكر أصحابها في موضوعها!

في هذا الخضم، ومنذ بداية انقلاب حماس، كان الواقع معلوما ومقروءا. فالذي حدث بعد ثلاث سنوات، أن الاستجابة الحمساوية، للشق السياسي من الواقع، جاءت ضمن ورقة المصالحة في العام 2011 التي وقعت عليها الحركة دون أن تفكر مجرد تفكير في تطبيقها آنذاك. وبات الفلسطينيون أمام طرفين عنيدين يتعاميان عن واقع المجتمع.

واحد يرسل الوفد ويوصيه ألا يعود باتفاق، كما كان يفعل عباس ويتعمد اختيار عناصر ينطبق عليها المثل الذي يقول “إرسل حريصًا ولا توصه”. وآخر يرسل الوفد ويعطيه صلاحية التوقيع، قائلا له “لا تقلق، إن الثغرات كثيرة، وخيرها كثير، والفلتان من التطبيق مؤمن بحمد الله الذي تتم به الصالحات”. وكان ذلك صحيحا بالنسبة لحركة تبنت عمليات حفر نحو ألفي نفق تحت الأرض، ساعدتها اقتصاديّا حتى باتت شبه مستغنية -آنذاك- عن حقائب الدولارات، لنفسها طبعًا!

بعد مرور أكثر من اثنتي عشرة سنة على هذه الحال، وجدت حركة حماس في غزة نفسها بلا حلول، كما وجد عباس نفسه بلا ورقة سياسية وازنة على ميزان الذهب. لا حلول لدى الأولى، ولا وريقة لدى الثاني الذي تردت سلطته.

أما القضية نفسها فقد باتت في مهب الريح، أو في حال بائسة وهي في أيدي الطرفين، لكن قوتها لدى الشعب المحزون، ازدادت وتعمقت. وهذه الحقيقة الأخيرة، أخطأ الأميركيون في قراءتها، فظنوها من نوع الكوارث التي استحقت الغزو السياسي والمالي، تحت عنوان “إعادة الأمل”، وهذا نوع لم يُجدِ مع الصومال، حتى عندما جاء مشفوعا بقوة الغزو العسكري!

بعدئذٍ وجدت حماس نفسها مضطرة إلى المأسسة السياسية. ففي بداية انقلابها على النظام الفلسطيني في غزة، اكتشفت هي و”الإخوان” أن غزة لن تصبح جغرافيا سياسية للجماعة. فالجغرافيا السياسية تتاح من خلال فتح الحدود وسلاسة المرور، ومن خلال العلاقات الدولية. انكفأت لسنوات داخل حدود غزة، ولم يكن خطاب “الإخوان” الجامح يُسمن ولا يُغني من جوع. وفي السنوات الثلاث الأخيرة، بدأ التفكيك، الذي ظنت الحركة، أن خطواته محض تكتيكية. فــ”الإخوان” بطبائعهم، أجهل الناس بكيمياء السياسة وفي قراءة الواقع وتقدير احتمالاته. فلو كانوا يفهمون، لما اقتربوا من الحكم، واكتفوا بالبقاء قوة وازنة في المشهد السياسي، ولو أصبحوا يفهمون أكثر، سيكونون أثقل وأفعل إن حافظوا على رضا الشعب عنهم، وحسموا أمر السلطة، بتعزيز مؤسساتها الدستورية وورقتها السياسية وانحازوا إلى القانون وإلى الوثيقة الدستورية، على النحو الذي سيجعل من الاستحالة استمرار سياقات الفساد والاستبداد.

فما حدث هو العكس، حتى أصبح المواطن الفلسطيني في غزة، حائرا وهو يقارن بين فساد وفساد، من طرفين لا يطيقان وجود المؤسسات الدستورية. وبالطبع رجحت كفة حماس في موازين قياس الفساد، على أصعدة السرعة والوقت والتجرؤ والكم والكيف، وفي التأثيرات الكارثية على المجتمع الفلسطيني.

لم يعد الأمر يُطاق. ففي السياسة هزلت ورقة السلطة، وفي المقاومة هزلت تعليلات الهجمات الصاروخية، والمحتلون معنيون بالهُزاليْن. لذا أصبح الطرفان معنيين بتلاقي المتعوس مع خائب الرجاء. هما يأملان في شكل من التقاسم، للاستمرار في السيطرة، رُغم توافقهما على الذهاب إلى انتخابات.

حماس، من جهتها، تمر بلحظة الإحساس أنها استكملت شروط تأهلها للسياسة: هي صديقة للدولة المصرية، بخلاف ما هو خيار “الإخوان”. وهي متعاونة أمنيًّا معها بخلاف ما يتمناه “الإخوان”. وهي مستعدة للتهدئة وللمصالحة ولإرسال الوفود إلى روسيا فلاديمير بوتين، ولإنجاح الجهود المصرية، بخلاف ما يريده محورها الإقليمي الرئيس.

في هذا السياق، نطق قبل أيام، أحد المشتغلين بالخطاب القديم، عندما كانت الحركة تظن أن الدنيا قد خلت لها، وأن في مقدورها أن تغسل يدها تماما من كل المفردات التي تأسست بموجبها السلطة أصلا. كان ما نطق به عنصرها القيادي، نسخة موسعة لم تكن تصلح إلا للجلسات السرية قبل عشرين سنة. دعا إلى الانقضاض على اليهود في كل مكان، ليصبح المواطن الفلسطيني في كل مكان من شتاته الواسع، مضطرًّا إلى التبرؤ مما قاله قيادي الزمن الرديء. واضطرت حماس إلى الاعتراض على صاحبها، للمرة الأولى، ببيان رسمي.

إنه التكيف الجديد، والحتمي، مع واقع ومعطيات قديمة. لقد تأخر “المؤمنون” كثيرا في قراءتها، والواجب الآن، المثابرة على قراءة كيمياء السياسة!

8