حكومة بشر الخصاونة تصارع دون أسلحة على جبهات متعددة

عدم انعقاد مجلس النواب يضع مشروع الموازنة أمام إشكال دستوري.
الاثنين 2020/11/30
بين الواقع والمأمول فارق شاسع

الحكومة الأردنية برئاسة بشر الخصاونة تجد نفسها في وضع المحاصر بين الاستحقاقات المالية التي عليها إنجازها، واحتواء الغضب المتصاعد في الشارع، وترويض مجلس نيابي شاب يطمح لتغيير الصورة النمطية التي طبعت في أذهان الناس حيال العمل البرلماني طيلة السنوات الماضية.

عمان - تواجه الحكومة الأردنية مأزقا في ما يتعلق بمشروع الموازنة العامة في ظل عدم دعوة مجلس النواب المنتخب حتى الآن إلى الانعقاد، ووسط مخاوف من تفجر الوضع الاجتماعي وعودة الصراع مع النقابات لاسيما مع نقابة المعلمين التي تسيطر عليها جماعة الإخوان المسلمين.

وكان من المفترض أن تتم دعوة مجلس النواب إلى عقد دورة عادية في أجل لا يتعدى الأحد 29 نوفمبر الجاري، بيد أن ذلك لم يتحقق وبالتالي سيصار دعوته لعقد دورة استثنائية يرجح أن تُجرى في يناير المقبل.

ويرى متابعون أن عاملين أساسيين كانا خلف تأجيل انعقاد المجلس النيابي التاسع عشر: الأول يتمثل في وجود طعون ينظر فيها أمام القضاء بحق 33 نائبا جديدا، بتهم عدة من بينها استخدام المال الأسود للتأثير على الناخبين، وإلى اليوم لم يتم الحسم بشأنها، أما العامل الثاني: فهو عدم توصل النواب حتى الآن لتشكيل كتل برلمانية، واختيار أعضاء المكتب الدائم للمجلس.

وقال وزير المالية السابق الدكتور عزالدين كناكرية في تصريحات لوسائل إعلام محلية “إن عدم انعقاد مجلس النواب الجديد يضع مشروع الموازنة أمام إشكال دستوري”. وأوضح أن الموعد النهائي لتقديم المشروع إلى جانب قانون الوحدات الحكومية للمجلس يجب أن يكون قبل شهر واحد من نهاية السنة المالية والذي يصادف اليوم الاثنين.

ولفت كناكرية إلى أن المادة 112/1 من الدستور الأردني تنص على “أن يقدم مشروع قانون الموازنة العامة ومشروع قانون موازنات الوحدات الحكومية إلى مجلس الأمة قبل ابتداء السنة المالية بشهر واحد على الأقل للنظر فيهما وفقا لأحكام الدستور”.

وأقرّ مجلس الوزراء في جلسته الأحد، برئاسة رئيس الوزراء بشر الخصاونة، مشروع قانون الموازنة ومشروع قانون موازنات الوحدات الحكوميّة للسنة الماليّة 2021، وسط ترجيحات بأن يكون مشروع الموازنة المطروح الأسوأ على الإطلاق ما ينذر بتوترات اجتماعية.

عزالدين كناكرية: المفروض تقديم الموازنة للبرلمان قبل انطلاق السنة المالية
عزالدين كناكرية: المفروض تقديم الموازنة للبرلمان قبل انطلاق السنة المالية

ويواجه الأردن وضعا ماليا غير مسبوق في ظل بلوغ الدين العام مستويات قياسية حيث من المتوقع أن يقفز إلى 120 في المئة من الناتج المحلي.

ويقول خبراء إن حكومة بشر الخصاونة تواجه تحديات غير مسبوقة لجهة تمرير هذه الموازنة في ظل مجلس نيابي يبدو مختلفا من حيث الشكل عن سابقيه مع وصول نحو 100 نائب جديد من أصل 130 إلى قبة المجلس معظمهم من الفئة الشبابية، المتحفزة للتغيير والتي تريد إثبات حضورها في ظل شعور عام بغياب الثقة نتيجة تراكمات السنوات الماضية.

ويشير المراقبون إلى أن النواب سيحاولون تغيير الصورة السلبية التي طبعت لسنوات العمل النيابي لدى الرأي العام الأردني، كما أن العديد منهم سيحاولون استثمار أي ثغرات حكومية لكسب ثقة الشارع في ظل اتهامات تلاحقهم باستخدام أساليب ملتوية للفوز بالاستحقاق.

وعلى ضوء ذلك ليس من المتوقع أن يبدي المجلس الجديد أي تساهل مع الحكومة، التي لا تملك ترف الخيارات في مشروع الموازنة رغم سعيها إلى تجنب فرض المزيد من الأعباء الضريبية على المواطنين.

ويقول المحلل الاقتصادي الأردني سليمان الشياب إن الملامح الأولية للموازنة العامة تؤكد أنها لن تختلف عن الموازانات السابقة، بل ستكون ربما أسوأ منها إذا لم تتم معالجة الخلل الهيكلي للموازنة لإحداث نسبة نموّ تساهم في تحريك الاقتصاد الوطني.

ويوضح الشياب أن الحكومة مطالبة باجراءات سريعة تعمل على خفض العجز وزيادة نسبة النمو مثل تخفيض فوائد البنوك وتخفيض الضرائب، مشيرا إلى أن الملامح الحالية ستزيد الدين العام إلى ما نسبته 120 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهذا مؤشر خطير على الاستقرار النقدي، وسيجعل الأمور أكثر سوءا مما هي عليه الآن، نظرا لعدم زيادة إيرادات الخزينة، فيما ستلجأ الحكومة إلى تغطية النقص من خلال القروض.

وكانت الحكومة السابقة قد أوقفت في مارس الماضي العلاوات المخصصة للموظفين في القطاعين المدني والعسكري إلى مطلع العام المقبل، وقد أثار ذلك ردود فعل غاضبة لاسيما من قبل نقابة المعلمين التي حشدت منظوريها للتحرك والاحتجاج طيلة أيام، للضغط على الحكومة التي كان يرأسها حينها عمر الرزاز.

ويجري حديث عن بحث الحكومة الحالية مد أجل تعليق الزيادات والعلاوات ما ينذر بعودة التحركات الاحتجاجية وهذه المرة لن تكون محصورة فقط في نقابة المعلمين بل قد تنظم لها نقابات أخرى.

وليس من المستبعد أن تعمد جهات سياسية على غرار جماعة الإخوان المسلمين إلى تحريك النقابات التي تسيطر عليها وفي مقدمتها نقابة المعلمين لإعادة شد العصب إليها، لاسيما بعد الخسارة الكبيرة التي منيت بها في انتخابات مجلس النواب حيث فقدت أكثر من نصف مقاعدها.

ويرى السياب في تصريح لموقع “الأردن 24” أن إعادة زيادات العلاوات يحتاج إيرادات إضافية، ولا توجد ملامح على أنها سترتفع، فما زالت السياسات الاقتصادية كما هي، ولا جدية بالتنمية المحلية للأقاليم لتخفيض نسب البطالة والفقر، ولذلك يجب على الحكومة دعم القطاعات الزراعية والصناعية والتجارية من خلال إعادة النظر بالضرائب وفوائد البنوك لإحداث تغيير بنسبة النمو.

ويبدو الخبراء متشائمون حيال الوضع المالي للأردن لاسيما وأن تداعيات فايروس كورونا ما تزال تلقي بظلالها القاتمة، فضلا عن كون المملكة لم تعد تملك الثقل الإقليمي الذي استثمرته طويلا في الحصول على مساعدات ودعم خارجي مجز.

ويقول الخبراء إن حكومة بشر الخصاونة تبدو في وضع المحاصر بين الاستحقاقات المالية وتخفيف الضغوط على المواطن، ورغبة مجلس نيابي جديد في القطع مع صورة التابع للسلطة التنفيذية.

2