حسن نصرالله.. اللبنانيون طالبوا برحيله وكورونا خذله

إن كان نصرالله ممتنا لوباء كورونا، الذي أكره اللبنانيين على إخلاء الشوارع والعودة إلى منازلهم؛ فعليه أن يدرك أن ذلك لن يطول؛ الاحتجاجات ستتمدد وتتوسع، والغضب سيتصاعد.
الجمعة 2020/05/22
لنصر الله قدرة استثنائية على تجاهل ما يريد تجاهله

في كل مرة يشعر فيها بأنه محاصر، يلجأ الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، إلى نفس الحيلة؛ يتحدث باسم الفلسطينيين، ويقدم نفسه عَرّابا لقضيتهم، يشجعه على ذلك أن الحيلة انطلت على الفلسطينيين وعلى الشارع العربي أكثر من مرة.

اليوم، هناك شك في أن يجد من يصغي إليه، رغم الدعم الذي قدمه له المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، بتغريدة على تويتر، أكد فيها أنه سيدعم أي بلد أو جماعة تقاتل إسرائيل. بالطبع الجماعة التي يقصدها هي حزب الله.

ويحرص نصرالله على تلافي استخدام اسم حزب الله في أحاديثه، التي تلتهب عادة بالحماسة، مفضلا الحديث عن المقاومة الإسلامية، فحربه هي حرب دينية مقدسة، يهونُ من أجلها تدمير لبنان وتدمير المنطقة، وهو لا يكترث أيضا سواء حقق النصر أو لم يحققه؛ العبرة في الخواتيم، وخواتيم سيد نصرالله يوم يبعثون.

المشكلة ليست في تعاطف نصرالله مع معاناة الفلسطينيين؛ الشعوب العربية كلها متعاطفة مع قضيتهم. المشكلة أن نصرالله، الذي يذرف الدموع على الفلسطينيين المحاصرين داخل الأراضي الفلسطينية، لا يكترث بحياة اللبنانيين، ومعهم جالية فلسطينية كبيرة موزعة على 12 مخيما للاجئين، تحوّلت، بمرور الوقت، إلى أحياء سكنية كبيرة تعاني من أوضاع إنسانية بائسة.

والمقاومة الإسلامية، اللازمة التي يشير إليها نصرالله، اختلط عليها الأمر، وبدلا من خوض حروب في مواجهة الجيش الإسرائيلي، ركزت جهودها على ممارسة الجهاد في دول الجوار.

يجب أن نعترف بأن لنصر الله قدرة استثنائية على تجاهل ما يريد تجاهله، ولم يكن غريبا أن رسالته النارية، أتت بعد ساعات فقط من مواجهات مسلحة شهدتها مدينة بعلبك وبدأت مع ساعات الليل الأولى ولم تنته حتى فجر الأربعاء.

صب اللبنانيون غضبهم على ما اعتبروه السبب الرئيسي وراء الانفلات الذي تعيشه المدينة؛ التعايش بين حزب الله والعشائر الموالية له، والتي يدعمها لفرض الوصاية على المدينة، وكسب أصواتها في الانتخابات.

والتذكير بالقضية الفلسطينية والحرب المقدسة كان أيضا ضروريا، خاصة بعد دعوة الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الحكومة والجيش اللبنانيين إلى نزع سلاح تنظيم حزب الله.

لا يهم أن يكون اللبنانيون قد ضاقوا ذرعا بممارسات حزب الله ومحاولته اختطاف لبنان، وسيطرته على مفاصل البلد؛ الاتهام الآن جاهز ليُشهر في وجه كل من يتجرأ على المطالبة بما يعتبر خطيئة كبرى.

وشهد لبنان على مدى أشهر احتجاجات غير مسبوقة عابرة للطوائف، وهي إن طالبت برحيل الطبقة السياسية بلا استثناء، إلا أنها ركزت على تنظيم حزب الله.

ولمن لم تسعفه الذاكرة، نعيد التذكير بالشعار الأشهر للمحتجين في الساحات وعلى مواقع التواصل الاجتماعي “كلن يعني كلن والسيد واحد منن”. طبعا السيد هو زعيم حزب الله حسن نصرالله.

جدد نصرالله في رسالته، العهد على “المضي في هذا الطريق إلى جانب ‏شعبنا الفلسطيني الصابر، المحتسب، المظلوم، المحاصر، المجاهد، وفصائله المقاومة المباركة، وكل قوى الأمة ‏الحية والمخلصة”، مضيفاً “كلنا ثقة بأن النصر سيكون قريباً بإذن لله”.

وأشار إلى أن “محاولات عزل فلسطين ‏والشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية لم يكتب ولن يكتب لها النجاح، هذا التلاقي اليوم يؤكد أن هذه ‏القضية المقدسة كانت وستبقى قضية الأمة وقضية قواها الحية والمخلصة المستعدة لمزيد من التضحيات”.

الرسالة التي جاءت بمناسبة يوم القدس العالمي، الذي يوافق آخر جمعة من شهر رمضان من كل عام، هي مناسبة كانت انطلاقتها من جمهورية إيران وباقتراح الإمام الخميني، عام 1979، وحرص نصرالله على إحيائها، أكبر من حرصه على الشعب اللبناني والفلسطيني.

قضية نصرالله مقدسة، لا يهم إن مات فيها مليون شخص أو نصف سكان الكون، وكما يقول الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم “العمر أصلا مش مضمون والناس أعمار”.

للبنانيين رأي آخر، يحمّلون فيه حزب الله مسؤولية تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، فهو كما يقولون حوّل البلاد إلى رهينة، بسبب تدخله في الدول المجاورة. وبينما تدخلت، في أزمات مالية سابقة، دول عربية وأجنبية لمد يد العون، تحجم معظم الدول اليوم عن تقديم المساعدة.

إن كان حسن نصرالله ممتنا لوباء كورونا، الذي أكره اللبنانيين على إخلاء الشوارع والعودة إلى منازلهم، فعليه أن يدرك أن ذلك لن يطول؛ الاحتجاجات ستتمدد وتتوسع، والغضب سيتصاعد، وقد يأخذ منحى عنيفا.

وانعكس تراجع قيمة الليرة اللبنانية مقابل الدولار، سلبا على أسعار المواد الاستهلاكية الأولية، وتآكلت رواتب الموظفين.

ورغم الإجراءات المشددة التي اتخذتها الحكومة لمكافحة فايروس كورونا، خرجت في مدينة طرابلس احتجاجات نددت بالأوضاع التي “هدّت كاهل المواطن”. وشهدت مناطق في البقاع وغرب العاصمة بيروت، إغلاقا لطرقات ووقفات احتجاجية، حمّل المحتجون خلالها الطبقة السياسية الحاكمة مسؤولية التدهور المعيشي في ظل أسوأ أزمة اقتصادية شهدها لبنان.

السيد نصرالله، “الفقر لا طائفة له ولا هوية”؛ الأوضاع الاقتصادية قاتمة، والمشهد السياسي غامض؛ انتشار فايروس كورونا لن يحميك، والمتاجرة بقضية الفلسطينيين لن تؤمن لك غطاء الشرعية؛ من قال إن اللبنانيين مستعدون للتضحية أكثر مما ضحوا على مدى ستين عاما؟

9