حرب غزة مقامرة لابيد المحسوبة للبقاء في السلطة

رئيس الوزراء الإسرائيلي نجح في تحييد حماس.
الثلاثاء 2022/08/09
لابيد يسعى لإنقاذ شعبيته في مواجهة نتنياهو

سعى رئيس الوزراء الاسرائيلي يائير لابيد لتنفيذ عملية دقيقة ومحسوبة في غزة استهدفت حصرا حركة الجهاد الإسلامي وعينه على الانتخابات العامة ويبدو أنه نجح في ذلك.

القدس - راهن رئيس الوزراء الإسرائيلي المؤقت يائير لابيد بضربة استباقية ضد مقاتلي الجهاد الإسلامي في غزة وذلك في محاولة لتعزيز شعبيته قبل الانتخابات العامة المقررة في نوفمبر المقبل.

ويسعى لابيد من خلال تلك الخطوة للاحتفاظ بمنصبه حيث اعتمد على نأي قادة حماس بأنفسهم عن القتال، وبالتالي تمكين إسرائيل من إضعاف الشقيقة الأصغر للحركة مع تجنب تصعيد شامل. وربما يكون بهذه الخطوة قد اكتسب أرضية سياسية قبل الانتخابات.

وتبدو الحسابات دقيقة مع وقف إطلاق النار بين الجانبين الاثنين، بعد ثلاثة أيام من العنف. حيث ظلت حماس على الهامش بينما قصفت الطائرات الإسرائيلية أهدافا في غزة، مما أسفر عن مقتل اثنين من قادة الجهاد الإسلامي في هجمات مستهدفة. وقد اعترضت الدرع الصاروخية الإسرائيلية في المقابل وابلا من الصواريخ التي أطلقتها حركة الجهاد الإسلامي.

وتحمل المدنيون في غزة الذين طالت معاناتهم وطأة العنف مرة أخرى، حيث قُتل 44 فلسطينيا، من بينهم 15 طفلا وأربع نساء. وقالت إسرائيل إن بعضهم سقطوا ضحايا لقذائف صاروخية.

وأنهى وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه مصر، والذي دخل حيز التنفيذ في وقت متأخر من يوم الأحد، واحدة من أقصر جولات القتال منذ سيطرة حماس على غزة في 2007.

أحداث قطاع غزة سلطت الضوء على أولويات حركة حماس المتغيرة، حيث تركز على الحكم والبقاء في السلطة

ويُذكر أن إسرائيل وحماس خاضتا أربع حروب على مدار الخمسة عشر عاما الماضية، بينما عانى أكثر من مليوني مواطن في غزة حصارا خانقا على الحدود المصرية – الإسرائيلية.

ومنذ الحرب الأخيرة في مايو 2021، حاول لابيد وشريكه نفتالي بينيت خلق المزيد من الحوافز لحماس للحفاظ على الهدوء على طول حدود غزة، مع الاعتراف الضمني بأن هذا من شأنه أن يعزز حكم المسلحين.

وأصدرت إسرائيل كجزء من هذه الإستراتيجية تصاريح لاثني عشر ألف عامل من غزة لدخول إسرائيل، مع وعد بمنح المزيد لو يبقى الوضع هادئا. كما انخرطت قطر ومصر في إعادة بناء غزة بدعم من إسرائيل.

وأعادت إسرائيل فتح معابر غزة جزئيا صباح الاثنين بعد أن كانت مغلقة خلال القتال. ويشير هذا إلى عودة سريعة للتفاهمات التي كانت سائدة قبل الصدام الأخير.

وقال البعض إن لابيد سجل نقاطا سياسية في الداخل من خلال الحملة العسكرية القصيرة.

وتقول جايل تالشير، وهي أستاذة علوم سياسية في الجامعة العبرية بالقدس، إن “لابيد أصبح في وضع أقوى بكثير مما كان عليه من قبل لأن الادعاء الرئيسي ضده هو أنه يفتقر إلى الخبرة. وقد يكون قادرا أيضا على الادعاء بأنه يحاول تحقيق تغيير في النموذج” الذي يدعم سياسة إسرائيل في غزة.

وعند الدخول في هجوم غزة، افتقر لابيد الوسطي، وهو مقدم برامج تلفزيوني سابق ومؤلف، إلى المؤهلات الأمنية التي كثيرا ما يريدها الإسرائيليون في قادتهم. وكان يُنظر إلى هذا النقص على أنه نقطة ضعف صارخة بينما يواجه رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو، الذي يصور نفسه على أنه صقر أمني، في انتخابات نوفمبر. وبدا أن لبيد قد صقل براعته الأمنية لصد ما قال إنه تهديد وشيك من الحركة الفلسطينية المسلحة.

يائير لابيد سعى لإضعاف الجهاد الإسلامي مع تجنب تصعيد شامل في غزة خدمة لمخططاته
يائير لابيد سعى لإضعاف الجهاد الإسلامي مع تجنب تصعيد شامل في غزة خدمة لمخططاته

واعتبرت المحللة السياسية تال شنايدر “الأمر حاسم بالنسبة إلى حملته. إنه لمن المفيد أن يكون لديك المزيد من الخبرة في النشاط العسكري عند خوض الانتخابات”.

كما سلطت أحداث الأيام القليلة الماضية الضوء على أولويات حماس المتغيرة، حيث تركز على الحكم والبقاء في السلطة.

وقال مخيمر أبو سعدة، وهو أستاذ مشارك ورئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الأزهر في غزة، إن “حماس لا تريد حربا كل يومين. وإذا ردّت علنا فهذا يعني تدمير المباني والبنية التحتية. وقد لعب المصريون دورا مؤثرا في منع حماس من المشاركة في المعركة”.

وكانت تصاريح العمل الإسرائيلية شريان الحياة لاقتصاد غزة الذي تضرر من الدمار واسع النطاق من الضربات الإسرائيلية على مر السنين والقيود المفروضة على الحركة.

وقال حسام الدجاني، أستاذ في العلوم السياسية في جامعة الأمة في غزة، إن التصاريح “بالتأكيد مهمة جدا لحماس لأنها تحكم غزة وتتحمل مسؤوليات سلطوية”.

وأشار لابيد في الآن نفسه إلى تحولات أخرى في السياسة. وامتنع لابيد عن ذكر حماس طوال القتال، عكس نتنياهو الذي حمّل الحركة المسؤولية عن أي هجوم ينطلق من غزة.

كما ردت حكومة لابيد – بينيت المنتهية ولايتها على أيّ نيران من غزة، بما في ذلك البالونات الحارقة. ويبدو أن لبيد قد ذهب إلى أبعد من نتنياهو الذي ينظر إليه على أنه مسكون بالمسألة الأمنية وتتمثل إستراتيجيته إلى حد كبير في ضرب غزة ردا على الهجمات الصاروخية. وقد اختار لابيد الضربة الوقائية في الجولة الأخيرة، مستشهدا بتهديدات ملموسة من الجهاد الإسلامي.

وقال لابيد في بداية العملية الجمعة إن إسرائيل تستعد لأيّ سيناريو وستعمل على شن هجمات ضد أيّ منظمة تهدد أمن المواطنين الإسرائيليين إذا لزم الأمر.

وكان لابيد مهندس الحكومة الائتلافية المنتهية ولايتها، وهو تحالف من ثمانية أحزاب متنوعة تشمل الطيف السياسي الإسرائيلي الذي ارتبط إلى حد كبير بنفور مشترك من نتنياهو.

وقد أنهى التحالف الذي شمل حزبا عربيا لأول مرة في تاريخ إسرائيل، فترة حكم نتنياهو التي استمرت 12 سنة. وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي الأطول خدمة، ومن المتوقع أن يكون حزبه “يش عتيد” (هناك مستقبل) ثاني أكبر حزب في البرلمان في انتخابات نوفمبر، وقد ينال فرصة تشكيل حكومة.

وعلى عكس نتنياهو، الذي خدم في وحدة النخبة في الجيش الإسرائيلي الإلزامي في أواخر الستينات، كان لبيد صحافيا عسكريا في مجلة أسبوعية ينشرها الجيش الإسرائيلي.

وقاد رئيس الوزراء نتنياهو إسرائيل خلال ثلاث حروب مع غزة، وصعّد حملته بضرب أهداف معادية في سوريا، وأثار قلق إيران بشأن برنامجها النووي. لكن لبيد برز واعدا بمعالجة قضايا مستوى المعيشة وأصبح بطلا للطبقة الوسطى العلمانية السائدة التي انبهرت بصورته الجذابة على شاشة التلفزيون ووعوده بدعم الشيكل. ولم تهتم كثيرا بخلو سجلّه العسكري من البطولات.

ويعود فشل لابيد في اختراق الدوائر الانتخابية الأخرى جزئيا إلى ضعف خلفيته الأمنية. حيث شغل خلال فترات عمله في الحكومة منصبي وزير المالية والخارجية، واكتسب مهارات قيمة في السياسة والحوكمة والدبلوماسية، لكنه لم يكتسب خبرة أمنية.

ومن المرجح أن يسعى نتنياهو في الأسابيع التالية للهجوم إلى هدم ما يُنظر إليه في إسرائيل على أنه إنجاز عسكري. ولكنه قد لا ينجح بعد جر إسرائيل إلى ثلاث حروب أكثر تكلفة في غزة، وعدم قدرته على القضاء على إطلاق الصواريخ من القطاع طوال العقد الذي أمضاه في السلطة.

وذكر أنشل بفيفر، كاتب عمود في صحيفة هآرتس ويغطي الشؤون العسكرية، أن “لبيد سيكون قادرا على الادعاء بأن السياسة التي قادها مع بينيت كانت أكثر فعالية من تلك التي اتبعها الرجل الذي يحاول أن يحل محلّه في رئاسة الوزراء”.

6