حتى هتلر كان شاعرا

تحتاج كتابة القصيدة إلى الخيال لكن رؤية العالم أو الشاعر كذات إنسانية لا تحتاج إلى خيال. وما ينطبق على الشاعر ينطبق على المرأة، التي حاول بعض الشعراء أن يجعلوا منها مستقبل العالم.
الثلاثاء 2019/03/26
كتابة القصيدة تحتاج إلى الخيال (لوحة: موسى النعنع)

بعض الشعراء العرب لم ينتظروا أن يتبعهم الغاوون، كي يدركوا سلطة مخيلتهم على الناس، لأنهم كانوا الغواية والغاوين في آن معا. ما حدث أنهم جعلوا من العالم القصيدة التي على الشاعر أن يكتبها. ذلك لم يكن وهما لأنهم ألغوا المسافة بين العالم والقصيدة. لذلك طالبوا بأن يحكم الشعراء العالم. هذا الموقف لم يكن دفاعا عن حق الشاعر بأن يكون قائدا، بل من أجل عالم تنتفي فيه الحروب والمآسي العظيمة والخراب.

ينطلق هؤلاء الشعراء من قاعدة بسيطة، تقول إن الشاعر صانع جمال، وصانع الجمال لا يمكن أن يكون صانع خراب وقتل، ويستحضرون لذلك صرخة نيرودا الشهيرة في قصيدته عن الحرب الإسبانية “تعالوا انظروا الدم في الشوارع″. هذه الرؤية على ما فيها من بعد رومانسي وتجريد، هي محاولة لإضفاء قيمة استثنائية على الشاعر، تجعل منه المنقذ والمخلص من ميراث الدم وكوابيس الحروب الدامية وصراع الأمم.

لقد نقل هؤلاء الشعراء رومانسيتهم من فضاء القصيدة إلى فضاء الذات وكأنهم يريدون تحويل العالم إلى قصيدة. إن هذه الرؤية المثالية هي النسخة الثانية من النسخة الأولى لظاهرة الشعراء التموزيين، الذين كانوا يبشرون بقيامة الحياة الجديدة، مع صعود أيديولوجياتهم في زمن المد الأيديولوجي، لكنهم مع أول هزيمة لها، تحولوا إلى ندابين على أبواب الماضي التليد، يشكون إليه مآلات الحاضر الأليم.

تناسى هؤلاء الشعراء أن هتلر الشخصية الأكثر دموية وعنفا في التاريخ الحديث، كان شاعرا ورساما، وأن هذه الصفات لم تمنعه من ارتكاب فظاعات حروبه الرهيبة. كذلك لم تسهم عبقرية بيكاسو الفنية في منعه من ممارسة القسوة والعنف مع نسائه اللواتي عشن معه، كما لم يمنع الشعر شخصية مثل بورخيس من تبجيله لآلة الموت الإسرائيلية، وتجاهل ضحيتها الفلسطينية. إن الشاعر أو الفنان هو إنسان أولا، وهذه الشخصية تخضع في تكوينها لعوامل كثيرة معقدة. لكن قبل كل هذا يمكن أن نسأل هل يعيش الشعراء في ما بينهم بسلام؟ وهل حروب الإلغاء وصناعة المريدين تجري في عالم آخر؟

تحتاج كتابة القصيدة إلى الخيال لكن رؤية العالم أو الشاعر كذات إنسانية لا تحتاج إلى خيال. وما ينطبق على الشاعر ينطبق على المرأة، التي حاول بعض الشعراء أن يجعلوا منها مستقبل العالم، أو يدعوا إلى تأنيثه لتحريره من عنف القوة الغاشمة. الغريب أن هذين الموقفين ارتبطا بشخصية الشاعر، لذلك استبدلوا الأنوثة بالشاعر بوصفها عنوانا للحب والجمال والعطاء. إن هذا التنميط والرومانسية في الرؤية والفهم يعيداننا إلى إشكالية مفهوم الطبقة وما تنطوي عليه من إفقار وتسطيح للشخصية الإنسانية.

15