حبل مشنقة حول عنق لبنان ينتظر من يركل كرسياً تحته

عوامل الانهيار الشامل لا يسعها الانتظار.
الجمعة 2022/09/23
الوقت يبدو كمسدس مصوب على الرأس، فالفراغ سينطلق في غضون عشرة أيام

بعد أن حصل لبنان على تقييم سلبي من وفد صندوق النقد الدولي عما يفترض البدء به من إجراءات للإصلاحات، صار المزيد من التدهور في ظل الشلل السياسي القائم ينذر بعواصف اقتصادية وأمنية تكشف ما كانت تعنيه المخاوف من انهيار الدولة.

بيروت - بارقة الأمل التي نشأت من خلال أول لقاء ثلاثي من نوعه بين وزراء خارجية الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة لبحث الملف اللبناني، لا تزال مشروطة بتقدم سياسي لم تظهر علاماته بعد.

هذا الاجتماع بدا كأنه رغبة مشتركة لهذه الدول في توفير ضمانات إنقاذ للبنان. ولكن هذه الدول اشترطت أو دعت إلى “تشكيل حكومة قادرة على تطبيق الإصلاحات الهيكلية والاقتصادية اللازمة لمعالجة الأزمة السياسية والاقتصادية في لبنان، وتحديدا الإصلاحات الضرورية للوصول إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي”.

وأعرب وزراء الخارجية الثلاثة عن استعدادهم “للعمل المشترك مع لبنان لدعم تنفيذ هذه الإصلاحات الأساسية”، إلا أن هذا الاستعداد ينتظر الخروج من دائرة الشلل الراهن المتعلق بانتخاب رئيس جديد وتشكيل حكومة ثابتة بدلا من حكومة تصريف الأعمال.

وأحد أهم أسباب الشلل هو أن التوازنات داخل المجلس النيابي لا توفر قاعدة لتحقيق التوافقات المطلوبة للإصلاح.

غرق في الوهم

إرنستو راميريز ريغو: معظم الإصلاحات المسبقة التي يُنتظر من لبنان إقرارها من أجل حصوله على دعم مالي لم تنفذ بعد

تغرق الأطراف التي تتحكم في السلطة، وفي مقدمتها حزب الله، بأوهام تفيد بأن حل النزاع على الحدود البحرية مع إسرائيل سوف يوفر للبنان فرصة أن يُصبح منتجا للغاز، ما يغنيه حتى عن اللجوء إلى صندوق النقد الدولي.

ويقول مراقبون إن هذه الأوهام لا تستقيم مع أبسط الوقائع الفنية والحسابية حول قدرات الإنتاج والوقت الذي سوف تستغرقه لكي تتحول إلى عائدات فعلية.

وعاد رئيس وفد صندوق النقد الدولي إرنستو راميريز ريغو من بيروت بانطباعات متشائمة، وقدم تقييما سلبيا عن التقدم المطلوب للحصول على حزمة إنقاذ أولية تبلغ ثلاثة مليارات دولار على مدى أربع سنوات.

وقال ريغو في ختام زيارته إلى لبنان إن “معظم الإصلاحات المسبقة التي يُنتظر من لبنان إقرارها من أجل حصوله على دعم مالي لم تنفذ بعد”، وحذر من “كلفة” هذا التأخير على البلاد الغارقة في أزمة اقتصادية غير مسبوقة.

وينتظر الصندوق، من بين الإجراءات الملحة، إقرار قانون “كابيتال كونترول” الذي يقيّد عمليات السحب وتحويل العملات الأجنبية من المصارف، ومشروع قانون موازنة 2022، إضافة إلى إقرار تشريعات تتعلق بإعادة هيكلة القطاع المصرفي وتعديل قانون السرية المصرفية.

وقال وزير الاقتصاد في حكومة تصريف الأعمال أمين سلام، بعد لقائه مع وفد الصندوق، إنّ الوفد وجه رسالة مفادها “الانتباه إلى حساسية الوقت، وضرورة إقرار القوانين الأربعة المطلوبة قبل الدخول في الاستحقاق الرئاسي”.

ويبدو الوقت كمسدس مصوب على الرأس؛ فالفراغ سينطلق في غضون عشرة أيام، والمراهنون على الغاز مهددون بالتعرض لانهيار شامل قبل أن يدخل الخزانة العامة أي دولار.

ولم يعد بقاء البلد نفسه واقفا على قدميه مضمونا؛ فالدوائر الحكومية تعاني الإهمال، ولا تتوفر لها المستلزمات الأساسية. وهناك دوائر لم تعد الحمامات فيها صالحة للاستخدام. وانخفاض الرواتب يجعل موظفي هذه الدوائر يفضلون البقاء في منازلهم. وبعض أصحاب الودائع اختاروا تنفيذ اقتحامات مسلحة لاسترداد ودائعهم، في إشارة إلى انهيار العلاقة بين المواطن والمؤسسات الحكومية والخاصة.

أمين سلام: وفد صندوق النقد الدولي وجه رسالة مفادها الانتباه إلى حساسية الوقت

ومع ارتفاع مستويات الفقر ترتفع معدلات الجريمة؛ إذ تشير بعض الإحصاءات إلى ارتفاع جرائم السرقة في العام الماضي بنسبة 265.6 في المئة مقارنةً بالفترة ذاتها من عام 2019 الذي سجل بداية اندلاع الأزمة. كما ارتفعت جرائم القتل بنسبة 101 في المئة عام 2021 مقارنةً بعام 2019.

برلمان متعثر

وما زال البرلمان يتعثر في مناقشة قانون الضوابط على رأس المال وتعديل قانون السرية المصرفية الذي أُقرّ في يوليو الماضي وأُعيد إلى النواب لمراجعته.

وهناك ثغرة ما زالت الحكومة والبرلمان عاجزيْن عن العثور على سبيل لتخطيها، وهي المتعلقة بالأطراف التي يجب أن تتحمل الخسائر المصرفية التي تتراوح بين 60 و80 مليار دولار.

وقال وفد الصندوق إن “خطة التعافي المالي للبنان يجب أن تحترم التسلسل الهرمي المعترف به دولياً للمطالبات، إذ تتلقى الدولة والمودعون حماية أكبر من القطاع الخاص”، وهو ما يعني حماية صغار المودعين أوّلا.

وتبدو إعادة الهيكلة المصرفية حلا، إلا أنها تواجه اعتراضات من جمعية المصارف اللبنانية وكبار المودعين الذين يريدون أن تتحمل الدولة تلك الخسائر. ويطالبون بأن تبيع الدولة بعض موجوداتها لتسديد جانب من الخسائر، وتحيل الباقي إلى ديون تعاد هيكلتها.

واعترف الرئيس ميقاتي بأن الأزمة الغذائية في لبنان بلغت مستويات خطيرة أيضا. وفي الواقع فإن 90 في المئة من اللبنانيين لم يعودوا قادرين على شراء احتياجاتهم الغذائية بنفس مستويات عام 2019.

ويقول مراقبون إن عدم التمكن من انتخاب رئيس سوف يبقي البلاد معلقة على حبل مشنقة فعلي، ليجعلها تنتظر فقط من يركل الكرسي تحت أقدامها. وسواء تولت حكومة تصريف الأعمال إدارة الشغور الرئاسي أم تولاه غيرها، فإن الإصلاحات المطلوبة نفسها تحتاج إلى توافقات برلمانية لم تتوفر بعد مؤشرات على أنها سوف تتحقق بالفعل؛ فالانقسامات الحادة في البلاد جعلت المرشحين المحتملين للرئاسة جزءا من هذه الانقسامات.

90

في المئة من اللبنانيين لم يعودوا قادرين على شراء احتياجاتهم الغذائية

المرشح المفضل لدى حزب الله هو سليمان فرنجية زعيم “تيار المردة”، وهو في أعين الأطراف المعارضة بمثابة ميشال عون آخر. أما المرشح الذي يبدو وسطيا، وهو العماد جوزيف عون قائد الجيش اللبناني، فإنه يثير مخاوف حزب الله وحلفائه من أنه قريب من الأميركيين والفرنسيين، لاسيما وأن الجيش اللبناني يتلقى دعما متواصلا من الولايات المتحدة وفرنسا، إلى درجة تضعه في مكانة متميزة عن باقي المؤسسات اللبنانية. وهو رجل “قوي”، بينما يريد حزب الله رئيسا يلعب دور “خيال مآتة” على غرار عون.

انقسام سياسي حاد

وعدا عن جبران باسيل رئيس “التيار الوطني الحر” وسمير جعجع رئيس “حزب القوات اللبنانية”، اللذين يمثلان أقصى الانقسام، فإن مرشحين في الوسط بينهما، هما دميانوس قطار وزير البيئة وشؤون التنمية الإدارية في حكومة حسان دياب، وزياد بارود وزير الداخلية والبلديات السابق في حكومتي فؤاد السنيورة وسعد الحريري، مقربان من البطريركية المارونية، وهو ما يكفي لعزلهما من حسابات حزب الله وحلفائه.

وهناك مرشحون أكثر وسطية مثل المصرفي سمير عساف، الرئيس التنفيذي السابق للخدمات المصرفية العالمية والأسواق لمجموعة “إتش أس بي سي”، وجهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، ووزير المالية بين عامي 2005 و2008، ولكن حظوظهما تعتمد على ما يمكن أن يقدماه من تعهدات لأطراف الانقسام، وهو ما يمكن في النهاية أن يحبط ما قد يسعيان إليه. وهذا الأمر يشمل كل الأسماء المرشحة الأخرى؛ فالبلاد ليست في حالة أزمة اقتصادية يمكن حلها بإجراءات إصلاحية صرف، ولكنها في حالة انقسام سياسي واجتماعي حاد. وما من مؤشر ظهر حتى الآن يدل على أن أطراف الانقسام الرئيسية تزمع القبول بتسويات.

تطويق العنق بحبل المشنقة في ظل أوضاع تزداد ترديا، حيث تنهار قدرة مؤسسات الدولة حتى على إدارة شؤونها الصغيرة، يوحي بأن البلاد لا تنتظر إلا الأسوأ، إما بتعطل عمل كل تلك المؤسسات، أو بانفجار نزاع مسلح، وهو ما قد يدفع إلى تولي الجيش السلطة بالقوة.

يمكن لصندوق النقد ودول الدعم والمساندة الأخرى الانتظار، إلا أن عوامل الانهيار الشامل هي التي لا يسعها الانتظار.

6