حان الوقت لتجاوز محنة المثقف العربي في مطار القاهرة

تكرار منع الفنانين والمثقفين يخصم من الرصيد الثقافي للقاهرة.
السبت 2022/08/06
يمكن منع الفنان ولا يمكن منع الفن

ما زال الكثير من الدول العربية ينتهج سياسة المنع، ومنها منع دخول أراضيها، والذي إن كان مفهوما في حالات خاصة تهدد الأمن الداخلي أو تزعزع الاستقرار فإنه غير مفهوم ولا مبرر له إطلاقا حين يستهدف فنانا أو مثقفا، وهو ما تكرر في أكثر من مناسبة في مصر.

القاهرة - في كل دول العالم هناك من هم مرغوب فيهم وآخرون ممنوعون من الدخول وفقا لما تحدده إجراءات السلطات المحلية، ولم تعد قضية المنع في الدول العربية قاصرة على الأسباب الأمنية بل تطورت وشملت الدوافع السياسية، وهي سمة شاعت مدة معينة في العديد من الدول وكان الفلسطيني أحد عناوينها البارزة ومن بين ضحايا تقديراتها الطائشة.

وقد أثار منع الفنانة الفلسطينية ناي البرغوثي من دخول القاهرة قبل أيام جدلا واسعا في الأوساط الثقافية بمصر، وتحول المنع إلى قضية تتعلق بحق الفنان والمثقف العربي بوجه عام في دخول الأراضي المصرية التي احتضنت أسماء كثيرة وجد أصحابها ترحيبا في أزمنة سابقة إلى درجة أنه بات من الصعب بعد مرور زمن طويل الفصل بين جنسية بعض المصريين وجنسية غيرهم، فأهمية صباح وفريد الأطرش وإسمهان لا تقل عن أهمية أم كلثوم وعبدالحليم حافظ وشادية، ولا أحد يتحدث عن هوياتهم الحقيقية.

كتبت ناي على صفحتها في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك قصة توقيفها في مطار القاهرة نحو ثماني ساعات، ثم قامت الأجهزة الأمنية بترحيلها إلى الدولة التي جاءت منها، ولم تتطاول على أحد أو تستخدم عبارات غير لائقة، ولم تفقد الأمل وبدت متفائلة ووعدت بالعودة إلى المحروسة مرة أخرى.

وأضفت الثقة التي بدت عليها البرغوثي أجواء من الارتياح على الساحة الثقافية في مصر، الرسمية منها وغير الرسمية، ودفعت الكثيرين إلى التعاطف معها والحديث عن قصة منعها، ولو كان من اتخذ هذا القرار يعلم حجم التفاعل الإيجابي معها لفكّر ألف مرة قبل أن يقوم بترحيلها من مطار القاهرة، لأن المردود السلبي الذي تسبب فيه هذا التصرف ستكون له تبعات معنوية ضد المصالح المصرية.

محنة المطار

منع ناي البرغوثي من دخول القاهرة أثار جدلا واسعا وتحول المنع إلى قضية تتعلق بحق الفنان في دخول الأراضي المصرية

وكانت ناي تلقت دعوة رسمية من دار الأوبرا التابعة لوزارة الثقافة المصرية لإحياء حفلين، أحدهما بالقاهرة الخميس في الرابع من أغسطس الجاري، والآخر بالإسكندرية السبت في السادس من أغسطس أيضا، ما يعني أن هناك قبولا بها من حيث المبدأ، خاصة أنها لم تكن المرة الأولى التي تطأ فيها قدماها أرض مصر.

ولم يمض توقيف ثم ترحيل ناي البرغوثي مرور الكرام إذ دافع مثقفون مصريون عن حقها كفنانة عربية في دخول البلاد لأنها لا تمثل خطرا، كما أن عملية المنع المستمر تضر بالقاهرة وتسيء إلى سمعتها، في وقت تسعى فيه الحكومة حاليا إلى الاهتمام بالقوة الناعمة، ما يفرض عليها أن يشمل هذا الاهتمام مثقفين ومبدعين عربا وعجما، الأمر الذي سبق أن منح مصر رصيدا ثقافيا كبيرا في الماضي.

لقد آن الآوان لتجاوز محنة المثقف العربي في مطار القاهرة، ومن الضروري الترحيب به إذا كانت الدولة المصرية عازمة على استرداد مسيرتها الرمزية في الوجدان العربي العام، لأن رواسب المنع متعددة وتقلل من الأهمية الثقافية المنشودة.

وتُسارع الدول إلى التحرك لاستقطاب النخب من جنسيات مختلفة كمؤشّر على الانفتاح والتحضر، بصرف النظر عن هامش الحرية السياسية المتاح، وكما يترك المنع آثاره القاتمة على الدولة تصطحب حفاوة استقبال المثقفين نتيجة إيجابية.

لم تدع ناي إلى العزف على آلة الفلوت التي تجيدها وزيرة الثقافة المصرية إيناس عبدالدايم كي تحض الناس على التضامن مع الشعب الفلسطيني، كما لم تدع إلى ثورة جديدة في مصر، ولم يُعرف عنها أنها من المدافعين عن جماعة الإخوان الموصوفة إرهابية في مصر.

◙ عملية المنع المستمر تضر بالقاهرة وتسيء إلى سمعتها في وقت تسعى فيه مصر إلى الاهتمام بالقوة الناعمة

وكشفت واقعة الفنانة الفلسطينية عن عدم التنسيق بين وزارة الثقافة والأجهزة الأمنية، فعندما وجهت الأولى دعوتها كانت متأكدة من أنه لا تحفظات أو موانع حول دخولها البلاد، ولا توجد اعتراضات أمنية أو سياسية، لكن مفاجأة التوقيف في مطار القاهرة أخرست الجهة الداعية التي لم تستطع رفع الفيتو والسماح لها بالمرور بعد وصولها.

ذكّر منع ناي البرغوثي بمنع الفنان الفلسطيني علي سليمان في سبتمبر 2018، وكان مدعوا من مهرجان الجونة السينمائي كعضو لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، ومن قبله منعت الباحثة التونسية آمال القرامي من الدخول أيضا وكانت مدعوة من مكتبة الإسكندرية لحضور المؤتمر الدولي لمواجهة التطرف.

فُهم الموقفان في إطار الهواجس التي كانت تسكن قلوب الأجهزة الأمنية والحساسية المفرطة في مرحلة معينة تجاه كل من حمل فكرا لا يتواءم مع تصورات القاهرة أو كتب حرفا لا ينسجم مع رؤيتها، لكن الآن جرى تخطي الهواجس والحساسية ولا توجد دواع لهما، فالدولة المصرية مستقرة ولن يزعزع أمنها دخول مثقف أو يحميها منع فنان.

منع بلا مبرر

ذكّر منع ناي البرغوثي بمنع الفنان الفلسطيني علي سليمان في سبتمبر 2018، وكان مدعوا من مهرجان الجونة السينمائي
منع ناي البرغوثي ذكّر بمنع الفنان الفلسطيني علي سليمان في سبتمبر 2018، وكان مدعوا من مهرجان الجونة السينمائي

تعد حالات سليمان والقرامي والبرغوثي من أبرز النماذج المعروفة، وقد تكون هناك مواقف حدثت مع فنانين ومثقفين لم يشأ أصحابها الإعلان عن منعهم وعدم دخولهم، فضلا عن وجود شخصيات عديدة لم تقدم أصلا على فعل الدخول التلقائي أو عبر دعوة رسمية، لأنها تستشعر عدم الرغبة في قدومها إلى الأراضي المصرية.

وتضعف عمليات منع النخب العربية والأجنبية، ولو كانت محدودة، الدور الثقافي لمصر وتؤكد أن صدرها بات ضيقا إلى درجة أنها صارت لا تستوعب استقبال فنان أو فنانة أو كاتب، في حين أن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي عندما سأله أحد الصحافيين في ألمانيا مؤخرا عما إذا كانت هناك انتهاكات بشأن حقوق الإنسان والحريات في بلاده دعاه إلى زيارة مصر والتجوّل في ربوعها بنفسه.

◙ توقيف ثم ترحيل ناي البرغوثي لم يمرّا مرور الكرام إذ دافع مثقفون مصريون عن حقها في دخول البلاد

يشير هذا الموقف إلى عدم وجود ممانعة في المطلق، وعلى العكس يتم الترحيب بالمختلفين مع النظام قبل المؤيدين، فهؤلاء وحدهم القادرون على تغيير الصورة الذهنية النمطية التي علقت في أذهان البعض حول مصر وكأنها سجن كبير.

وكتب الناقد سيد محمود مقالا بديعا في جريدة "الشروق" المصرية الأربعاء بعنوان "من أجل مصر وليس من أجل ناي" لخص فيه المعاني السلبية التي يحملها منع الفنانة الفلسطينية بهذه الطريقة، ولقي المقال اهتماما من جانب شريحة معتبرة من النخبة المصرية لها تحفظات على الأسلوب الذي جرى التعامل به مع الفنانة.

ويخصم تكرار منع الفنانين والمثقفين من رصيد القاهرة الثقافي ويمنح خصومها فرصة للنيل منها، وهي القضية التي يجب أن تلتفت إليها الحكومة المصرية وتضع حدا لتكرار التوقيف في مطار القاهرة، لأنه يتناقض مع الأهداف التي تحاول الوصول إليها من ناحية ترحيبها بالمثقفين العرب، وهي الظاهرة التي بدأت تتحول إلى دول أخرى.

وتكمن المشكلة في الصمت المريب الذي يكتنف الجهات الرسمية التي قامت بعملية المنع، فهي لم تقدم تفسيرا محددا ولم تجب عن الأسئلة التي تدور في أذهان المثقفين، ما يعزز الاقتناع بأن المنع يفتقر إلى الدوافع الوجيهة، وربما يكون لأجل المنع الذي يحوي مضمونا بالقوة التي تملكها الجهة المانعة، لكنه يحوي أيضا معنى يشير إلى ازدواجية دولة تتصارع أجهزتها بين المنح والمنع في مسألة ثقافية.

 

13