حازم إمام كبش فداء جديد لإخفاقات كرة القدم المصرية

يُحسب عليه أنه لم يستثمر عضويته في مجلس النواب كجهة تشريعية ورقابية ليمارس الدور المفترض عليه القيام به.
الخميس 2022/06/23
ثعلب صغير لا يجيد اصطياد خصومه خارج الملاعب

لا يختلف اثنان في مصر على أن المنظومة الرياضية أصبحت مصابة بأمراض مزمنة وفي حاجة إلى جرّاح ماهر يتدخل بشجاعة وخبرة لإنقاذها قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة، فوزارة الشباب والرياضة عاجزة عن فعل شيء لتجنب إقحام الحكومة في الإدارة، واتحاد الكرة تضربه صراعات المصالح، ما تسبب في غضب الجمهور.

أمام هذا المشهد القاتم، تبرع نجم الكرة السابق حازم إمام، وهو عضو مجلس إدارة اتحاد الكرة، وعضو مجلس النواب، للتدخل وتصدّر الواجهة لوأد الأزمة، لكونه يمتلك شعبية عند جماهير الأندية المختلفة، وليس نادي الزمالك فقط الذي ترعرع فيه، ولديه دائرة علاقات قوية مع جهات حكومية ووسائل إعلام تجعله وسطيا موثوقا به حتى بعد اعتزاله لتصحيح مسار منظومة كرة القدم.

لم يكن يعلم أن تدخله لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في المنظومة الكروية يمكن أن يثير عليه غضب شريحة كبيرة من جمهور طالما احتفى به لاعبا ومحللا ومقدما للبرامج وعضوا في البرلمان، فهو صاحب شعبية جارفة، لكنه دخل عش الدبابير غير مكترث ما عرّضه لاتهامات من قبل شخصيات منخرطة في منظومة الرياضة.

كانت أزمة إمام أن دخوله مجال العمل العام تطلّب منه أن يكون أكثر جرأة وشراسة في مواجهة أصحاب المصالح ومراكز القوى الرياضية، لكن ذلك تعارض مع شخصيته التي تتسم بالتواضع واحترام الآخر والدبلوماسية بعيدا عن التطاول وترويج الأكاذيب واللعب على كل الجبهات ليضمن البقاء في المشهد لفترة طويلة.

ضحية تعدد المهام

إمام لم يدرك بعد الطريقة التي تم استدراجه بها لترضية الجمهور الغاضب من المسؤولين
إمام لم يدرك بعد الطريقة التي تم استدراجه بها لترضية الجمهور الغاضب من المسؤولين

تختلف شخصيته عن الكثير من كوادر الصفوف الأولى في المنظومة الرياضية، فهو بالنسبة إليهم شخصية محترمة بشكل زائد عن الحد لتمسكه بأن يظل في نظر الجمهور بذات البريق واللمعان اللذين كان عليهما وقت أن كان لاعبا موهوبا يمتاز بالهدوء والرصانة، مقدما نفسه قدوة لأبناء جيله ومن يريدون ممارسة الرياضة.

مشكلة إمام (47 عاما) أنه لم يدرك بعد طريقة استدراجه ليكون كبش فداء جديد في كرة القدم المصرية، حيث تم إسناد العديد من المهام إليه بغرض تصحيح المسار وترضية للجمهور الغاضب من المسؤولين عن الملف، في اتحاد كرة القدم ووزارة الشباب، وبدا كأنه أساء إلى تاريخه عندما تعامل بحسن نية مع مطالبات تدخله كجراح ماهر لحل إشكالية هزيمة المنتخب الوطني أمام منتخب إثيوبيا في التاسع من يونيو الجاري، حيث ترتبت عليها تداعيات فاقت الجوانب الرياضية.

كان أكثر أعضاء اتحاد الكرة الذين رفضوا تكليف مدرب محلي بمهمة المدير الفني لمنتخب الفراعنة بعدما خسر نهائي بطولة أمم أفريقيا والصعود إلى كأس العالم أمام نظيره السنغالي بركلات الجزاء الترجيحية في المرتين، لكن أحدا لم يصغ إليه، وذهبت أغلب الأصوات لترشيح المدرب إيهاب جلال للمنتخب، في حين أنه تمسك وحده تقريبا بفكرة تعيين مدير أجنبي له خبرات وسيرة كروية مميزة لإصلاح المسار.

صدقت رؤية إمام بعدما تعرض المنتخب المصري إلى هزيمة أمام نظيره الإثيوبي بهدفين دون رد، وذلك في ذروة الغضب المجتمعي من تهاون الحكومة المصرية مع نظيرتها الإثيوبية في ملف أزمة سد النهضة، فتحولت الهزيمة من كروية إلى سياسية، وصبّ الشارع غضبه على المسؤولين لكونهم السبب فيما آلت إليه أوضاع الدولة.

التاريخ والرمزي

لم يكن يعلم أن تدخله لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في المنظومة الكروية يمكن أن يثير عليه غضب شريحة كبيرة من جمهوره

جاءت الهزيمة الثانية من منتخب كوريا الجنوبية لتكتب نهاية المدرب المحلي مع المنتخب المصري، ويتحول اتحاد الكرة إلى متهم بارتكاب ما يشبه الجرائم الكروية، لكونه تعامل مع الكثير من الملفات بطريقة ساذجة، على رأسها سوء إدارة أزمة النادي الأهلي مع الاتحاد الأفريقي لكرة القدام (كاف)، وإخفاء الاتحاد المصري خطابا أضاع على مصر فرصة استضافة النهائي في القاهرة بدلا من الرباط.

أمام كل هذه الأزمات المتلاحقة توارى معظم المسؤولين عن ملف كرة القدم عن الواجهة، وفضلوا تقديم إمام إلى الصف الأول ليمتص غضب الشارع، استنادا إلى تاريخه وشعبيته وعلاقاته الجيدة مع وسائل الإعلام المختلفة، لكن جاءت الرياح بما لا تشتهي سفن الثعلب الصغير، كما كان يطلق عليه في الملاعب.

لم يستوعب إمام أن تألق النجوم الكبار الذين صنعوا تاريخا كبيرا لأنفسهم ولأنديتهم يصعب استمراره طالما قبلوا على أنفسهم العمل في منظومة مهترئة، لها علاقة مباشرة بأحد أهم هوايات الجمهور، وهي كرة القدم، وفي خضم هذا الارتباك الإداري والعجز عن إيجاد حلول جذرية للأزمات، كان من الصعب أن تظل الأسماء محفورة في وجدان المشجعين وذاكرتهم.

صحيح أن دخول العمل العام لأي نجم يكون بمثابة مسؤولية أدبية في المقام الأول، لكن التركيز على التاريخ والرمزية وحدهما لا يصنع مجدا في الحاضر والمستقبل، لأنه يفترض في النجم أن يكون نجما في كل شيء، الإدارة والتفكير والتخطيط وتحمل المسؤولية وابتكار الحلول والقدرة على المواجهة، لكن مشكلة إمام أنه قبل على نفسه أن يكون ضحية.

ما يحسب عليه أنه لم يستثمر عضويته في مجلس النواب كجهة تشريعية ورقابية ليمارس الدور المفترض عليه القيام به، على الأقل ليفتح ملف الأزمات الرياضية علانية، ويطلب تدخل البرلمان والحكومة لتصحيح المسار، لكنه خشي أن يبرر ذلك بتضارب المصالح الذي أوقع نفسه فيها، فليس معقولا من عضو اتحاد كرة أن يتهم الاتحاد بالإخفاق.

هذه أهم إشكالية يعاني منها ملف الرياضة في مصر، فالكثير من مقدمي البرامج الكروية مسؤولون في أندية، وقد يوجد عضو في اتحاد كرة القدم، مثل اللاعب السابق محمد بركات يعمل محللا رياضيا في بعض البرامج، كذلك إمام هو عضو في الاتحاد ويمارس الدور نفسه، ما كرس التناقض في المصالح بشكل تخطى الحدود، وجعل هناك ما يشبه مراكز قوى والتي يصعب تفكيكها.

ولأن إمام هو جزء من لعبة تضارب المصالح في الرياضة المصرية من الطبيعي أن يعجز عن تشخيص الأمراض التي تعاني منها المنظومة، أو بمعنى أدق قد يكون على علم بطرق العلاج الصحيحة ولا يريد الإفصاح عنها، باعتباره شريكا في الأزمة عندما قبل على نفسه أن يكون إعلاميا ومحللا وعضوا في اتحاد الكرة، وبرلمانيا يفترض فيه الحكمة والحنكة والرشادة السياسية.

ثمة إشكالية أخرى يعاني منها إمام ترتبط بأنه اعتاد أن يكون صاحب رأي محايد حتى في ذروة المشكلات الكروية يخشى المواجهة ولا يجيد الدخول في صدامات، ويبدو أنه عاجز عن إدارة صراعاته مع مراكز القوى، وهذا جزء من تركيبته منذ أن كان عضوا في مجلس إدارة نادي الزمالك، حتى وصل إلى اتحاد الكرة وعضوية مجلس النواب.

الحياد المفرط جريمة

أزمة إمام أن دخوله مجال العمل العام تطلب منه أن يكون أكثر جرأة وشراسة في مواجهة مراكز القوى
أزمة إمام أن دخوله مجال العمل العام تطلب منه أن يكون أكثر جرأة وشراسة في مواجهة مراكز القوى

الثعلب الصغير لم يلتقط رغم ذكائه الحاد أن الحياد المبالغ فيه وقت الأزمات التي تتطلب شجاعة وجرأة يعني الضعف، ما جلب له الكثير من المشكلات طوال مسيرته بعد اعتزال كرة القدم في الزمالك، وصار يصنّف على أنه شخصية سلبية لا موقف صارما لها، ومن السهل أن يرجع خطوات إلى الوراء إذا وجد أنه لن يستطيع إرضاء كل الأطراف.

صحيح أنه تحلل نسبيا من شخصيته الحيادية أمام تحمله مسؤولية تصحيح مسار كرة القدم في مصر، لكنه يعاني من أنه أصبح يحارب وحده في أكثر من جهة، فهناك من أعضاء اتحاد الكرة أنفسهم من لا يريدون له النجاح حتى لا يُنسب إليه الفضل في ذلك، وثمة منابر إعلامية لها مصالح في استمرار إخفاق الاتحاد ليجبر على الرحيل.

جاء خروجه لتكذيب جمال علام رئيس اتحاد الكرة المصري عن عدم وجود سيولة من الدولار الأميركي في خزانة الاتحاد لجلب مدير فني أجنبي ليعيد إليه بعد الدعم الجماهيري الذي قارب على الانتهاء لأنه جزء من المنظومة التي أفشلت كرة القدم، حيث قال أمام وسائل الإعلام “لدينا وفرة من النقد الأجنبي لنتعاقد مع أيّ مدرب محترف”.

الهزيمة الثانية للمنتخب المصري من منتخب كوريا الجنوبية حولت اتحاد الكرة إلى متهم بارتكاب ما يشبه الجرائم الكروية، لكونه تعامل مع الكثير من الملفات بطريقة ساذجة

بعدها تيقّن أنه لا مجال لاستعادة الشعبية التي اهتزت إلا بوجود شجاعة استثنائية ولو أدى ذلك في النهاية إلى الاستقالة من المنصب والعودة إلى صفوف الجماهير، ليحافظ على احترام الجمهور له بعدما أوشك أن يخفق في المجال العام، كنائب في البرلمان لا يفهم جيدا دهاليز السياسة ولا يجيد ألاعيبها، وكعضو في اتحاد الكرة لا تستهويه الصراعات والخصومات.

ليس من السهل على لاعب حصد نصيب الأسد من الألقاب أن يرى جماهيريته تهتز ويقف عاجزا، فهو الذي صنفه الإعلام والمشجعون بمختلف انتماءاتهم الكروية أنه الإمبراطور، والثعلب الصغير، وإمام الموهوبين، والساحر، ومن الطبيعي أن يروّج إعلاميون مقربون منه أنه يفكر في الاستقالة كي تستمر صورته ناصعة البياض.

يظل إمام من اللاعبين القلائل الذين حظوا باحترام وحب جماهير الغريمين التقليديين في مصر، الأهلي والزمالك، وهي معادلة بالغة الصعوبة لكل نجم ينتمي إلى أيّ من القلعتين الرياضيتين، فهو الذي سار على نهج نجوم كبار، مثل حسن شحاتة، محمود الخطيب، محمود الجوهري، هادي خشبة، محمد أبوتريكة، في أن تظل علاقاتهم بكل الجماهير متوازنة وقائمة على الاحترام المتبادل.

ما أضاف لجماهيرية إمام أنه ولد لأسرة كروية بامتياز، لا يختلف عليها أغلب جماهير وعشاق الكرة في مصر، فجده يحيى الحرية، الشهير بيحيى إمام الذي كان حارسا لمرمى نادي الزمالك، ووالده الثعلب الكبير حمادة إمام أحد أفضل اللاعبين الذين مروا على تاريخ الزمالك ومنتخب مصر، أي أن شعبيته لم تولد من فراغ، بل من بصمات عائلية، كما أن والدته الدكتورة ماجي الحلواني أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة، وهي التي غرست داخله حب الميديا.

إمام لم يكن يعلم أن تدخله لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في المنظومة الكروية يمكن أن يثير عليه غضب شريحة كبيرة من الجمهور الذي احتفى به سابقاً

لا يزال إمام من اللاعبين القلائل الذين ورثوا كرة القدم من آبائهم ولم يتعرضوا للتنمر والسخرية والمحسوبية، حيث وُلد نجما موهوبا وسرعان ما دخل نادي الزمالك ناشئا قبل أن يتلقى عرضا من نادي أودينيزي الإيطالي ليكون أول لاعب مصري يحترف في الدوري الإيطالي الذي كان الأقوى عالميا من قبل.

خاض تجارب احترافية عديدة قبل أن يختار العودة إلى صفوف الزمالك المصري، وكان من العناصر بالغة التأثير في الفريق، وأحد أهم أسباب تحقيق النادي للعديد من البطولات المحلية والأفريقية، لكنه تعرض لانتكاسة في سنواته الأخيرة في الملاعب، فهبط مستواه الفني وضعف بدنيا، حتى قرر الاعتزال أمام غضب الجمهور.

ما يحسب له بعد اعتزاله ووصوله إلى مناصب كروية عديدة أنه من النجوم القلائل الذي كانوا قدوة في نبذ التعصب الرياضي الذي يعصف بالمنظومة الرياضية في مصر، فلم يسقط في مستنقع إهانة الخصم أو الصدام مع أي جمهور، حتى استمر قدوة للروح الرياضية في الملاعب.

تظل مشكلته في عدم قدرته على إحراز الأهداف خارج الملاعب، فقد أخفق وهو ضمن الجهاز الفني للزمالك في تحقيق أيّ بطولة محلية أو قارية، ولم ينجح وهو عضو مجلس إدارة النادي في ترك بصمة أو يشارك في انتشال الكيان من أزماته، وعندما وصل إلى عضوية اتحاد الكرة طاردته نفس التهمة.

هو نجم لا يجيد اللعب في المجال العام، ما دفع العديد من الأصوات لمطالبته باعتزال السياسة والإدارة لينجو بنفسه قبل أن يتحول إلى ضحية ينهش سيرتها الكثير من الأطراف بعدما قبل أن يقوم بدور الجلاد بلا وعي أو خبرة.

12