جناح سلطنة عُمان في بينالي البندقية يعكس التنوع الثقافي

ثلاثة أجيال فنية تنقل "أقدار مكتوبة" من عمان إلى شعوب العالم.
الخميس 2022/06/23
تجهيز بصري لبعض من الموروث العماني

تحضر أهم تجارب الفن التشكيلي في سلطنة عمان خلال نصف القرن الماضي، لأول مرة، في بينالي البندقية، لتعرّف العالم على ثلاثة أجيال ومدارس من الفن المحلي، وبمكانة الفنانين العمانيين بين صناع الفنون على المستوى العالمي وهو ما من شأنه تعزيز التواصل الحضاري بين الشعب العماني وشعوب العالم.

مسقط - تشارك سلطنة عمان في الدورة التاسعة والخمسين لبينالي البندقية بجناح خاص يحمل عنوان “أقدار مكتوبة” يستمر حتى السابع والعشرين من نوفمبر القادم ويعرض أعمال ثلاثة أجيال من الفنانين العمانيين الذين تمتد ممارستهم لخمسة عقود من الفن البصري الحديث والمعاصر في السلطنة، وتقدم من خلاله مساحة لاستكشاف الحوار الديناميكي والمتوارث بين الأجيال للحركة الفنية العمانية على مدى الخمسين عاما الماضية.

ويقدم العمل الفني في الجناح الوطني لسلطنة عمان مضامين إبداعية وفق مفهوم فلسفي مرتبط بالطبيعة وما يمكن أن يقدمه للإنسان حيث يأتي متسقا مع الشعار العام لبينالي البندقية لهذه النسخة وهو “حليب الحلم” المستوحى من كتاب للأطفال صدر في الخمسينات للفنانة السريالية ليونورا كارينجتون.

الجناح العماني حوار ديناميكي بين أجيال ثلاثة يظهر المستوى الإبداعي الذي وصلت إليه الحركة الفنية في سلطنة عمان

وتحت هذا المضمون يقدم الجناح العماني عرضا ديناميكيا متعدد الوسائط يتضمن فنون الميديا والنحت والتركيب والكولاج لينتج في نهاية المطاف حوارا ديناميكيا بين أجيال ثلاثة ويظهر المستوى الإبداعي الذي وصلت إليه الحركة الفنية في سلطنة عمان.

ويعكس جناح سلطنة عُمان الإبداع والتنوع في المشهدين الفني والثقافي العُمانيين ويمثل فرصة فريدة للاحتفاء باللغة المشتركة للإبداع وإبراز الأجيال الفنية العُمانية المتعاقبة عبر تقديم أعمال فنية مجردة ومتناغمة.

ويمثل الفنانون المشاركون مسارا ممتدا من التأثير في الفن العماني من الخمسين عاما الماضية وحتى اليوم وهؤلاء هم أنور سونيا رائد الفن العماني الحديث منذ سبعينات القرن الماضي، وأحد مؤسسي استوديو الشباب وهو مؤسسة تعليمية مهمة، والفنان حسن مير مؤسس الحركة الفنية التجريبية الدائرة التي اكتسبت معارضها من أواخر التسعينات متابعة دولية وأثرت في جيل آخر من الفنانين والفنانة بدور الريامية التي تتلمذت على يد سونيا وحسن مير، وركزت في ممارستها الحالية للفن على التصوير الفوتوغرافي وتركيب الفيديو.

وتشارك أيضا راديكا كيمجي إحدى الفنانات التي اشتهرت بصناعة الفن عبر تركيب المنسوجات والبناء والروايات الشخصية بالإضافة إلى عضويتها في مجموعة الدائرة التي يشرف عليها مير، وأخيرا الفنانة الراحلة رياء الرواحية وهي إحدى الفنانات العصاميات من الجيل المعاصر، وستعرض مجموعة من أعمالها النهائية.

وقدم كل فنان من الفنانين الخمسة الذين اختيروا لتمثيل سلطنة عمان إسهامات كبيرة ومتميزة لمجتمعاتهم ونشطوا حركة الفن المعاصر في سلطنة عمان وألهموا ويلهمون أجيالا جديدة؛ لذا فإن مشاركتهم في البندقية والبرنامج التدريبي والمشاركة المجتمعية في سلطنة عمان تعدّ فرصة لجيل الشاب لتجربة العالم الأوسع للفن المعاصر في البندقية وستؤدي دورا مهما في تنمية مستقبل الفن العماني المعاصر.

وقال سعيد بن سلطان البوسعيدي وكيل وزارة الثقافة والرياضة والشباب للثقافة المفوض العام لجناح سلطنة عُمان في البينالي إن مشاركة سلطنة عُمان ممثلة في وزارة الثقافة والرياضة والشباب للمرة الأولى في المعرض مثلت فرصة تاريخية للفنون العُمانية الجميلة لتقديم الأعمال الفنية لرواد الفن العُماني المعاصر عبر أكبر مهرجان فني يعكس التقاليد الإبداعية للفنون الحديثة معززا لأوجه التبادل الثقافي ومرسخا للحوار الحضاري المشترك في المشهد الفني المعاصر.

أعمال فنية مستوحاة من الحياة في السلطنة

وأضاف أن تواجد سلطنة عُمان في بينالي البندقية الدولي بقيمته الفنية العالية بين المهرجانات العالمية والجماهير التي يستقطبها يمثل فرصة فريدة لتقديم أعمال فنية مجردة ومتناغمة في الوقت ذاته، مستمدة عناصرها من الأشكال الطبيعية والعضوية التي تتأصل جذورها العُمانية من ارتباط الفنان ببيئته المحلية ويتجلى ذلك في أعمال الفنان مير المستمدة من محافظة مطرح العريقة والفنانة  الريامية التي ركزت في تقديمها للعمل على الأحجار وتنوعها الفريد التي يشتهر بها الجبل الأخضر وجبل شمس، وكذلك أعمال الفنانة كيمجي المستنبطة مقوماتها من كهف الهوتة.

وأوضح أن الأعمال الفنية المقدمة في الجناح نفذت كلها بأيدٍ عُمانية وتحت إشراف القيّمة الفنية على الجناح عائشة ستوبي إحدى الأكاديميات العُمانيات الرائدات في الفن المعاصر، فيما جاء اختيار الفنانين المشاركين ليمثلوا خمسة أجيال لمراحل مختلفة من تاريخ الفن العُماني المعاصر، الأمر الذي يعكس التطور الذي يشهده قطاعنا الثقافي.

وأكد أنه في المشاركات المستقبلية في بينالي البندقية الدولي للفنون “سنسعى لإتاحة الفرص العادلة لكافة الفنانين العُمانيين للمشاركة تباعا، كما سنسعى لتقديم الأعمال الفنية التي ترتقي بمستوى طموحات وآمال المشهد الثقافي لسلطنة عُمان عامة والفن المعاصر خاصة والمنافسة على حصد الجوائز الأولى في تلك المشاركات”، مشيرا إلى أن سلطنة عُمان تعتزم المشاركة في النسخة القادمة من بينالي البندقية للعمارة إذا ما توفرت السبل الكفيلة لذلك.

وأضاف “مشاركاتنا في هذه التظاهرة الثقافية ستدفع قدما من وتيرة تمكين الصناعات الإبداعية العُمانية ما سيمكّن المنتسبين للفنون المعاصرة تحديدا من تطوير مهاراتهم وإيجاد مسارات واضحة للاستثمار في أوجه الثقافة لدفع عجلة التقدم والنمو الاقتصادي لسلطنة عُمان، تحقيقا لما تم طرحه في محاور رؤية عُمان 2040 وتعزيزا لدور سلطنة عُمان الدبلوماسي والثقافي الدولي”.

سلطنة عمان تشارك في الدورة التاسعة والخمسين لبينالي البندقية بجناح خاص يحمل عنوان “أقدار مكتوبة”
سلطنة عمان تشارك في الدورة التاسعة والخمسين لبينالي البندقية بجناح خاص يحمل عنوان “أقدار مكتوبة”

وفي ما يتعلق بإجراء الدراسات والبحوث في مجال الفن المعاصر على المستوى المحلي، قال إن توثيق هذه المرحلة من عمر الفن في سلطنة عُمان هو أمر بالغ الأهمية وبالتالي فإنه سيتم التركيز على الدراسات والبحوث في مجال الفنون بشكل عام والفن المعاصر بشكل خاص في المرحلة القادمة باعتبارها جزءا لا يتجزأ من الاستراتيجية الثقافية.

وبيّن البوسعيدي أنه بعد انتهاء المعرض في نوفمبر 2022 ستتم إعادة الأعمال الفنية إلى سلطنة عُمان بحيث تتاح جماهيريّا، وهناك خطة زمنية لنقل هذا المعرض بين بعض من المحافظات بحسب الجاهزية اللازمة لذلك؛ ليتمكن كافة المهتمين من مشاهدتها، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن المتاحف العالمية تقوم بزيارات متتالية إلى البينالي لاختيار أهم الأعمال المعروضة في الأجنحة الوطنية المشاركة لعرضها في صالاتها، موضحا أنه سيتم التنسيق بين فترات عرض الأعمال الفنية العُمانية في الداخل والخارج في حالة قيام أحد المتاحف بطلب عرضها.

ويذكر أن بينالي البندقية للفنون يعتبر بقيمته العالية وبحجم الجماهير الدولية التي يستقطبها فرصة فريدة للاحتفاء باللغة المشتركة للإبداع وإبراز الأصوات العمانية الناشئة حيث يعد أحد أهم المهرجانات الثقافية الفنية العالمية التي تؤدي دورا بارزا في تحقيق الكثير من المكاسب الثقافية للدول، وإبراز المكانة الحضارية لها.

ويشهد بينالي البندقية الذي تأسس منذ 1895، هذا العام مشاركات فنية مهمة من 80 دولة من أنحاء العالم إلى جانب استقطابه للجمهور المحب للفن من كل مكان.

15