جمود الترتيبات الأمنية يفتح الباب لتجنيد الأطفال في دارفور

السودان أمام ضغوط دولية لحصار التجنيد بعد رفع اسمه من القائمة السوداء.
الأحد 2021/07/18
إقحام الأطفال في النزاعات

يواجه السودان تحديا جديدا يتمثل في محاصرة عملية تجنيد الأطفال التي لجأت إليها الحركات المسلحة في ظل فقدان الثقة مع القوات النظامية، وهو ما دفع نائب رئيس مجلس السيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو إلى انتقاد هذا التوجه ووصفه بـ”الخطوة المخالفة للقانون”، فيما تجد السلطة الانتقالية في البلاد نفسها تحت ضغوط دولية لوضع حدّ لهذه الظاهرة.

الخرطوم - طغت حالة فقدان الثقة بين الحركات المسلحة والقوات النظامية على أوضاع الأطفال في دارفور بعد أن استمرت عمليات تجنيدهم داخل الحركات والجيوش المختلفة بعد التوقيع على اتفاق سلام جوبا، ما يجعل هناك بيئة مواتية لاشتعال النزاع مجددا في الهامش وسط عثرات تواجه تنفيذ الترتيبات الأمنية.

وانتقد نائب رئيس مجلس السيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو، على هامش زيارته مدينة الجنينة بغرب دارفور الخميس، عملية تجنيد الأطفال من قبل الحركات المسلحة ووصفها بأنها “خطوة مخالفة للقانون”، ورفض انتهاج أي حركة مسلحة ذلك.

وتلقت منظمات حقوقية وبعض هيئات المجتمع المدني في دارفور شكاوى عديدة خلال الفترة الماضية جراء تزايد وتيرة عملية تجنيد الأطفال، في ظل حالة من الهشاشة الأمنية تعاني منها ولايات الإقليم جراء انتشار السلاح على نطاق واسع وتسابق الحركات على تعزيز قوتها الأمنية والعسكرية أملا في الحصول على مكاسب إضافية في أثناء عمليات دمج جيوشها بالقوات النظامية.

وحسب العديد من أبناء دارفور الذين تواصلت معهم “العرب”، فإن عمليات التجنيد لا تقتصر فقط على الحركات المسلحة، فالأمر ذاته كانت تقوم به قوات الدعم السريع التي يرأسها نائب رئيس مجلس السيادة، وإن أصبحت بوتيرة أقل بعد ثورة ديسمبر، لكنها رسخت للزجّ بالأطفال في جيوش الحركات المسلحة بفعل المكاسب المادية التي يحققها الأطفال نظير مشاركتهم في صراعات خاضتها داخل السودان وخارجه.

نصرالدين يوسف: السودان بحاجة إلى منظومة تشريعية تجرم تجنيد الأطفال

تجد السلطة الانتقالية نفسها أمام ضغوط دولية لحصار عملية تجنيد الأطفال بعد أن قررت الإدارة الأميركية مؤخرا رفع اسم السودان من قائمة الدول المتورطة في تجنيد الأطفال، وهو قرار إيجابي يجعل الحكومة مطالبة بالحفاظ عليه وتقديم ما يثبت جديتها في إنهاء عمليات التجنيد بشكل كامل بما يدعم انفتاحها على المجتمع الدولي.

وقال المحلل السياسي المتخصص في شؤون دارفور محمد الفاتح همة، إن الحركات المسلحة تسابقت في ما بينها لتجنيد أكبر قدر من العناصر قبل الوصول إلى عملية التسوية الأمنية، ووصل الأمر إلى بيع الرتب في الشوارع بشكل علني وانتقل من دارفور إلى الخرطوم وأضحى يشكل قضية مجتمعية شائكة تدور حولها نقاشات عديدة بشأن الهدف منها بعد الوصول إلى سلام.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن الحركات المسلحة ضاعفت من توجهاتها التي تشي بأنها تمضي في اتجاه الحرب مجددا بدلا من الجنوح إلى السلام، سواء أكان ذلك من خلال تخريج دفعات جديدة من العناصر المسلحة أم الانتشار في مناطق مدنية عديدة ونهاية بتجنيد الأطفال، ما يعني أنها تسعى للاحتفاظ بعناصرها المسلحة إلى حين نهاية المرحلة الانتقالية أو أنها ليست لديها ثقة في السلام الذي وقعته وبالتالي تستعد لجولة جديدة من النزاع.

وفند قائد جيش تحرير السودان – المجلس الانتقالي (حركة موقعة على اتفاق جوبا)، جلال موسى بحرالدين خلال لقاء عقدته وحدة حماية الطفل التابعة لقسم حقوق الإنسان في بعثة الأمم المتحدة العاملة في دارفور “يوناميد” التي زارت دارفور قبل انتهاء عملها في يناير الماضي، دوافع الحركات لتجنيد الأطفال، مشيرا إلى أنها تسعى للحصول على ضمانات لنجاح عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج للإفراج الفوري عن الأطفال.

وأوضح أن السلطة الانتقالية مطالبة بتوفير الحزم الضرورية لإعادة دمج الأطفال من الجنود السابقين في مجتمعاتهم، إلى جانب توفير عدد كاف من مراكز التدريب المهني بما يدعم استكمال الأطفال دراستهم وضمان عدم إضرارهم بالمجتمع المحيط بهم.

وتظل هناك جملة من الأبعاد التي تقود إلى عمليات التجنيد، بينها عدم وجود ثقل عسكري لبعض الحركات التي وقعت على السلام، ما يدفع باتجاه البحث عن عناصر يمكن أن تدعم مكاسبها في ملف الترتيبات الأمنية إلى جانب غياب رؤية السلطة الانتقالية بشأن إنزال السلام وغياب الحركات الأكثر تأثيرا في الصراع، كحركة جيش تحرير السودان بقيادة عبدالواحد نور والحركة الشعبية شمال بقيادة عبدالعزيز الحلو، عن السلام ما يجعل هناك توقعات باندلاع الصراع على نطاق واسع في أي لحظة.

وأكد محمد الفاتح همة أن “كل الأطراف المسلحة في الهامش تعمل الآن على تدعيم قوتها العسكرية، لأنها ترى أن هناك احتمالا لمواجهة مؤجلة، بجانب أنها تستغل مساعي العديد من الأسر في أن يكون أبناؤها ضمن عناصر الحركات، حيث ذلك يعود عليهم بمكاسب اقتصادية في ظل أوضاع معيشية صعبة وارتفاع معدلات الفقر، لأن البعض منهم حصد مكاسب عدة جراء مشاركة الأبناء ضد قوات الدعم السريع سابقا”.

محمد الفاتح همة: الأطراف المسلحة تعمل الآن على تدعيم قوتها العسكرية

وتحتاج القبائل في مناطق النزاعات المستمرة في غرب دارفور إلى حماية عسكرية تجدها في الزج بأبنائها الصغار في جيوش الحركات، فهؤلاء قد يكونون ضمن القوات النظامية في مرحلة لاحقة حال استمر جمود الترتيبات الأمنية ووصلوا إلى سن الرشد الذي يتيح لهم الانضمام للقوات المسلحة.

وتأتي هذه الممارسات وسط غياب دور المنظمات الأممية الخاصة بالأطفال عن التواجد في الكثير من مناطق الهامش التي تأثرت فعالية رقابتها بالأوضاع الصحية التي فرضها انتشار فايروس كورونا، ما أفسح المجال أمام الحركات المسلحة وبعض الميليشيات الأخرى، لأن تتمدد في عمليات الدمج، فلا توجد محاولات لحصر الأطفال وتصنيفهم.

وتقلصت الجلسات التوعوية التي كانت تنظمها قوات “يوناميد” في دارفور بعد انسحابها، وكان آخرها في نوفمبر الماضي بعنوان “لا للجنود الأطفال، احموا دارفور”، وبلغ عدد المشاركين فيها 242 شخصا منهم 109 امرأة واستهدفت التعريف بالطفل الجندي ومعايير التشغيل الموحدة للإفراج عن الجنود الأطفال وإعادة دمجهم.

وأكد عضو هيئة محامي دارفور نصرالدين يوسف، أن السودان بحاجة إلى منظومة تشريعية جديدة تجرم تجنيد الأطفال وتضع عقوبات رادعة على من يخالفها وأن تتلاءم قوة القانون مع أعداد الأطفال داخل جيوش الحركات المسلحة، على أن يتضمن إجراءات واضحة لتحويل هؤلاء إلى كادر منتج ومتعلم كي يأمن المجتمع من أي جنوح منهم، لأن غالبيتهم لن تكون لديهم الرغبة في ترك مواقعهم العسكرية.

وأشار في تصريح لـ”العرب” إلى وجود جملة من الإشكاليات التي ستواجه السلطة الانتقالية في أثناء تنفيذ ملف الترتيبات الأمنية، لأن هؤلاء الأطفال لا يمكن دمجهم في الجيوش النظامية حيث ذلك يتعارض مع قوانينها، كما أن قوات الدعم السريع كان لديها أطفال يقاتلون في صفوفها لم يتم التعرف على مصيرهم حتى الآن، والأمر بحاجة إلى إدخال تعديلات على قوانينها.

وأعلنت هيئة محامي دارفور في وقت سابق عزمها تكوين لجنة لتقصي الحقائق حول تجنيد الأطفال وطلاب المدارس بولايات دارفور المختلفة، على أن تقوم على ضوء نتائجها بمخاطبة السلطات المسؤولة في الدولة وأي جهة ذات صلة ومؤسسات الأمم المتحدة المعنية بمكافحة وإيقاف تجنيد الأطفال، ودعت إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة للملاحقة الجنائية لمرتكبي جرائم تجنيد الأطفال ومحاكمتهم محاكمات رادعة.

3