جعفر العريبي المبشر بانفعاله في بلد شاب

الفنان التشكيلي البحريني يرسم في منطقة جديدة تحتمل الكثير من الجدل المضاد وتنطوي على الكثير من الأسئلة الوجودية القلقة التي تتعلق بمصير الإنسان.
الأحد 2019/12/15
رسام يرتجل كائنات ممتعة

يتقدم الشباب صدارة المشهد التشكيلي في البحرين. وهي ظاهرة تسترعي الانتباه مقارنة بأحوال الفنانين الشباب في البلدان العربية الأخرى، حيث يعاني الشباب من سلطة الفنانين المكرسين ثقافيا واجتماعيا بحكم السبق التاريخي. لذلك يمكن القول إن البحرين تعيش شبابا دائما على المستوى الفني.

الفن هناك يتجدد ويتغير ولا تمضي سنوات قليلة حتى يظهر جيل فني جديد. صحيح أن أفراد ذلك الجيل يختلفون في ما بينهم على صعيد الموهبة والخبرة والميول الأسلوبية غير أن نزعة التجريب هي ما يجعلهم يقفون عند خط شروع واحد.

جعفر العريبي هو واحد من أبناء الجيل الذي يوصف بأنه الحدث الفني الأكثر نضجا في الحداثة الفنية بالبحرين خلال السنوات العشر الأخيرة.

العريبي، كما هم أبناء جيله، لم يغلق أبواب المنجز الفني المحلي عليه، بالرغم من أن ذلك المنجز كان متقدما في طليعيته. لقد تعلم من معلميه والفنانين الأكبر سنا أن يسعى إلى تطوير تجربته مستعينا باطلاعه على التجارب الفنية العالمية. وهو ما دفع به إلى موقع، يكون فيه قادرا على أن يضيف سواء على مستوى المعالجة الأسلوبية أو على مستوى ابتكار تقنيات جديدة.

الفن البحريني يتجدد ويتغير، ولا تمضي سنوات قليلة حتى يظهر جيل فني جديد، ونزعة التجريب تجعل من الكل عند خط شروع واحد

سيكون من الصعب الاكتفاء بالنظر إلى رسوم العريبي من جهة موضوعاتها المبتكرة، وهي موضوعات لم يتطرق إليها الرسامون المحدثون في البحرين. ذلك لأن تلك الموضوعات التي تجمع بين اليومي والأسطوري لم تكن لتثير الاهتمام لولا أنها ظهرت من خلال تقنية وأسلوب جديدين.

يرسم العريبي في منطقة جديدة لم يصل إليها رسام بحريني من قبل. تلك هي منطقته الخاصة التي تحتمل الكثير من الجدل المضاد. ربما لأنها تنطوي على الكثير من محاولة إنكار الحرفة، ربما لأنها تؤكد على النقص لتبدو كما لو أنها تؤسس لفن غير مكتمل. غير أنها تنطوي على الكثير من الأسئلة الوجودية القلقة التي تتعلق بمصير الإنسان.

يرسم العريبي في محاولة منه للهرب من أحلامه. وهو إذ يعتمد على ذاكرته المشوشة فإنه لا ينكر أن النسيان هو الآخر ضالة يرتجيها الرسم في طريق وصوله إلى نتائجه الجمالية. يشعر المرء حين يرى رسومه كما لو أنها لا تزال تنتظره. هناك مساحات تركها الرسام لكي تذكّر به.

انفعال يتجدد

هناك ينبغي أن نفكر بالنسيان
مواجهة كائنات هائمة

ولد العريبي عام 1976. درس التربية الفنية في جامعة البحرين وتخرج عام 1999. حصل على إقامات فنية ثلاث، في مدينة الفنون بباريس عام 2006، وفي لندن “مؤسسة دلفينا” عام 2010 وفي نيويورك عام 2013.

أقام معرضه الشخصي الأول عام 2008 بقاعة جمعية البحرين للفنون التشكيلية، تبعته ستة معارض شخصية كان آخرها معرض التخطيطات الذي احتضنته القاعة نفسها عام 2019. 

ما بين المعرضين شارك العريبي في العديد من المعارض الجماعية داخل وخارج البحرين كما أقام معارض ثنائية مشتركة مع عدد من الفنانين البحرينيين.

عام 2003 حصل على جائزة السعفة الفضية في المعرض الدوري السابع للفنون التشكيلية والخط العربي لفناني مجلس التعاون الخليجي بالكويت.

رسوم العريبي تصلح للوصف الشعري بالرغم من أنها لا تستفيض في الوصف. يحدث ذلك حين يرغب الرسام في أن يُظهر كائناته كما لو أنها خرجت لتوها من المسرح

لدى العريبي ما يفعله خارج سيرته العملية. هناك الحكايات التي تنتظره على سطوح لوحاته، وهي حكايات تبدو مقتضبة لأول وهلة. غير أن المرء ما إن يمعن النظر فيها حتى يسترسل في استدعاء أحلامه وكوابيسه على حد سواء. هناك سيرة خفية يسعى الرسام إلى استحضارها حين الرسم. وهي سيرة الشخص الذي يرسم. ذلك الشخص الذي يعيش حياة مختلفة عن الحياة العادية التي يعيشها الرسام.

المشاهد التي تظهر على سطوح اللوحات هي الجزء الذكي من الحكاية التصويرية التي لن يتمكن الرسام من روايتها بالكلمات. وهي حكاية تستند في الكثير من مفاصلها على البوح الغامض. حتى على سطوح اللوحات فإن الحكاية تظل غير مكتملة. هناك شيء مرتجل يشير إلى ما بقي صامتا كما لو أنه ينتظر فرصة لكي يستحضر حيويته التي هي أشبه بالانفعال الذي يتجدد في كل لحظة نظر.   

الرسام وكائناته الهائمة

تصلح رسوم العريبي للوصف الشعري بالرغم من أنها لا تستفيض في الوصف. يحدث ذلك في المسرح. يرغب الرسام في أن يُظهر كائناته كما لو أنها خرجت لتوها من المسرح. ما تفعله يتعلق بفعل خروجها مما كانت تعيشه إلى ما صارت تحلمه. شيء أشبه بالمكافأة. إنها تكافئنا بحريتنا. تجعلنا ننظر من خلالها إلى الحرية باعتبارها مكافأة حياة.

كائناته تلعب كما يفعل المهرجون. “لقد حضرنا في الوقت الضائع” لسان حالها يقول. سنصدق كل ما يرد على أساس كونه وصفا. ذلك لأن الرسام بنى مسرحا، هو الخلفية لما يحدث. وهو ما تدفع تلك الكائنات كلفته. سنفكر في المرآة لكي لا تُكرهنا أحلامنا على القبول بالواقع.

متعة بصرية تنقلنا إلى عالم آخر
متعة بصرية تنقلنا إلى عالم آخر

ليست تلك الكائنات التي نراها كائنات واقعية. ذلك لا يكفي لإقناعنا بأن ما فعله الرسام لا يخترق وجودنا. ربما فعل كل شيء من أجل أن يمرر لحظة ضعفنا علينا باعتبارنا كائنات قد تغيب في أية لحظة بعد أن تطلق ضحكتها.

العريبي يفتننا لكي يلحقنا به، بسطوح لوحاته التي لم تكتمل. هناك ينبغي أن نفكر بالنسيان.

ما نحصل عليه من متعة بصرية لا يمنع قدرتنا على التفكير في ما يحدث لنا. من المؤكد أن هناك أكثر من خديعة يمكنها أن تزج بنا في ذلك المسرح الذي غادرته كائنات الرسام. فإما أن نتخلى عن وجودنا الواقعي لنعيش الوهم بفصوله الكاملة وإما أن نتحرر من ذلك الوهم لنرى تلك الكائنات وهي تنفصل عن مسرحها، فنكون في مواجهة كائنات هائمة.

خلخلة الحواس    

حين زرت العريبي في مرسمه أدهشتني ورقياته. إنها تمثل عالما منفصلا عن أعماله التي نفذها على الخشب أو القماش. سيُقال ذلك أمر طبيعي فالورق غير الخشب والقماش من جهة تفاعله مع المواد. ولكن الأمر ليس كذلك.

لقد خلق العريبي عالما مختلفا، عاد من خلاله إلى الطفولة وما قبلها. لا أقصد هنا أنه رسم كالأطفال، بل أن خياله كان طفوليا بالقدر الذي مكنه من النظر إلى العالم باعتباره مادة تتشكل لتوها لترى نفسها في فشلها ونجاحها ممتزجين. سيكون للحواس ان تتراجع لتهب الحدس مكانها.

شيء أشبه بالمكافأة
شيء أشبه بالمكافأة

في تلك الأعمال تبدو الأشياء العضوية كما لو أنها تفكر بصريا. لقد رأيت كما لو أنني أسمع. ومنعت يدي من اللمس لئلا أشم. هناك حيوية مستحيلة تقوم من خلالها الحواس بتبادل الأدوار من أجل أن يكون المشهد متكاملا. ويفقد النظر سيطرته على ما يُرى.

نجح الرسام في تلك الرسوم الورقية في خلخلة الحواس. وهو ما حاوله في الرسم تمهيدا لفكرته عن حدث أحس به من غير أن يراه.   

رسم العريبي خطوطا تشتبك بكائنات صغيرة. تلك محاولة تعود بنا إلى فكرة الخلق. وهي محاولة للعب على الحواس. يمكننا أن نعفي من خلال متعتها الحواس من تعب الجري وراء التفكير في معناها. سنتركها كما هي. علينا أن نرى ونفكر ونحلم كالأطفال. لا ضير في ذلك. هناك متعة بصرية ينقلنا الرسم من خلالها إلى عالم آخر.

وبالرغم من أن العريبي ليس رساما متعويا غير أن المرء حين يشاهد رسومه يشعر بمتعة، ربما يحسده الرسام عليها. ذلك حدث قد لا يتكرر. 

Thumbnail
9