جذور المأزق الفلسطيني الراهن

الرياح لم تجر مثلما اشتهت سفن فلسطين. فقد توالت الحلقات، من محاولة إلى محاولة، ومن تسويف إلى تسويف، وازدادت إسرائيل تشددا، وأخفق الفلسطينيون أنفسهم في إصلاح عرباتهم “لكي لا تسخر الطرقات منهم".
الأربعاء 2019/06/12
أعمق المآزق

يمر الكيان الفلسطيني في هذه الأثناء، بأعمق المآزق التي عرفها منذ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1964. ومأزق هذه الأثناء، متعدد الأبعاد والجوانب، ومتداعٍ بحكم ترحيل سلبيات وإحباطات كل مرحلة، وانسدادها، إلى المرحلة التي تتلوها.

ومعلوم أن تاريخ الكيان الفلسطيني، انقسم بمعايير توصيف المهام وأدوار الأشخاص وعلاقة المنظومة الفلسطينية نفسها بالآمال القصوى للشعب الفلسطيني؛ إلى مرحلتين: الأولى، المشبّعة بالتفاؤل وانتعاش التمنيات، والثانية التي أعقبت الورقة ذات النقاط العشر، التي خرجت بعد عشر سنوات من التأسيس، وقد اعتمدتها دورة انعقاد المجلس الوطني (برلمان المنفى) في يونيو 1976 وقد شهدت ولادة السياسة، لكي تكبر في محاذاة الكفاح المسلح، مع انحسار نسبي للغة الداعية إلى التحرير الكامل من النهر إلى البحر.

فحتى تلك الأيام، كانت فكرة الكفاح المسلح، تهيمن على الخطاب الفلسطيني طوال السنوات العشر المنقضية. وفي الحقيقة، كانت ورقة 1967، التي لعب اليسار الفلسطيني دورا مركزيا في صياغتها (الجبهة الديمقراطية) أحد أصداء حرب أكتوبر 1973 التي أسست لمقاربات عديدة للتسوية، بمعنى أن تلك المقاربات بدأت مبكرا عشية الحرب، وترتب عليها أن ثابر النظام العربي على تأهيل منظمة التحرير لكي تتعاطى مفردات التسوية، من خلال نقلها إلى فضاء السياسة الإقليمية والدولية، بتأمين مشروعيتها في هذا الفضاء، ولها ألا تغادر سريعا فضاءها الأول، الذي يمثله الكفاح المسلح!

كانت الورقة ذات النقاط العشر، تقترب من فكرة مشروع فض النزاع، بصياغة تعمدت الإبقاء على الروح القتالية، مع التأكيد على فكرة العدالة وحق الفلسطينيين في الاستقلال، على أي مساحة من الأرض يجلو الاحتلال عنها، دون إدارة الظهر لفكرة اللجوء إلى السلاح، كوسيلة وحيدة. فقد اجتهد منظّرو ذلك التوجه، للبرهنة على قصور شعار “الوسيلة الوحيدة”.

كان المُرتجى، في الورقة، هو إنشاء سلطة وطنية على أي قطعة محررة من أرض فلسطين، والعمل الفاعل لإنشاء “دولة علمانية، ثنائية القومية، في فلسطين، يتمتع فيها كل المواطنين، بالمساواة في الحقوق، بغض النظر عن العرق والجنس والدين”.

على الجانب الآخر من النزاع، لم تكن إسرائيل، وعلى الرغم من وجود حزب العمل في السلطة آنذاك، مستعدة لإظهار حتى قدر أقل من الليونة، وظلت تنظر إلى الحيثيات الفلسطينية الكامنة وراء الشريحة السياسية الفلسطينية الطافية على السطح، وتحاذر من التعاطي مع الوجهة الفلسطينية الجديدة، باعتبارها فخا يُنصب لها. بل إن أدبيات إسرائيل في تلك الفترة، دفعت في اتجاه مضاد، يؤكد أن تلك الليونة، أخطر عليها من وجهة العمل المسلح بكثير، لأنها ستتيح لمنظمة التحرير الفلسطينية، الدخول في مفاوضات معها، على نقاط يصعب عليها أن تتشدد فيها، ما يجعلها مضطرة إلى أن تقدم ما تسمية “تنازلات” يستغلها الفلسطينيون “الذين يخفون نواياهم، لتحسين وتعزيز مواقعهم الهجومية”.

ومن المفارقات، أن إسرائيل نفسها، هي التي أهدت الفلسطينيين بشكل غير مباشر، وأهدت نفسها، وصفا لمقاربة التسوية، عندما اخترعت هي وليس غيرها، تعبير “البرنامج المرحلي” الذي تلقفه الفلسطينيون لتعليل وتسويق فكرة التسوية التي تسلم ببقاء المشروع الصهيوني في فلسطين، ومحاججة المتشددين منهم بهذا المصطلح. ففي الوقت نفسه، تمسك الإسرائيليون بالمصطلح، كأحد أهم العناصر التي تبرر رفضهم وتشددهم. وكلما استمر الساسة الفلسطينيون في التأكيد على مرحلية التسوية، كان الطرف الآخر، يتلقى الهدية لصالح خطابه المتشدد.

وفي ذلك السياق، لم يكن أيٌّ من الساسة الفلسطينيين مستعدا أو قادرا على المجاهرة برأي كان مستقرا في قناعاته المسكوت عنها، وهي أن التسوية تسوية، ليس بعدها صراع مسلح، وهذا سكوت طبيعي ومفهوم، بحكم عدم قدرة أي قائد فلسطيني على المجاهرة بحقيقة الأمر، على النقيض من الموروث السياسي للعمل الوطني الفلسطيني، والمدركات التاريخية التي تؤكد على عدالة القضية الفلسطينية بكامل جوانبها، وعلى النقيض من مظلومية الشعب الفلسطيني وحقوقه في بيوته وحقوله وممتلكاته المستلبة.

كأنما منظمة التحرير الفلسطينية، قدمت بورقة النقاط العشر في يونيو 1974 كتاب اعتمادها لدى المنظمات الإقليمية والدولية. فلم تكن فلسطين، حتى انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني في يونيو 1976، عضوا في جامعة الدول العربية. فقد كانت هناك إدارة ضمن هيكلية “الجامعة” تسمى “إدارة شؤون فلسطين”. وبعد ورقة النقاط العشر، بثلاثة أشهر، وتحديدا في التاسع من سبتمبر من العام نفسه، قُبلت فلسطين عضوا كامل العضوية، وأبحرت سفينتها وسط مناخ بين صحو وملبد، ومرت على محطات منظمات: التعاون الإسلامي، حركة عدم الانحياز، ثم الأمم المتحدة!

قبل ذلك بتسع سنوات، عندما كان أحمد الشقيري مؤسس منظمة التحرير، رئيسا للجنة التنفيذية، ووقعت هزيمة يونيو 1967 ثم انعقد مؤتمر القمة العربية في الخرطوم (29 أغسطس 1967) وعلى الرغم من قرارات التشدد الظاهري التي خرج بها المؤتمر الذي وُصف بمؤتمر “اللاءات الثلاث” (لا اعتراف ولا صلح ولا مفاوضات) اعتزم النظام العربي، إقصاء الشقيري والمنظمة عن المؤتمر، ولما نجحت جهود شخصية من شفيق الحوت، عضو تنفيذية المنظمة ورئيس مكتبها في بيروت آنذاك، لتأمين حضور الرئيس الشقيري، مستفيدا من صداقته لرئيس الوزراء السوداني، الشاعر والكاتب محمد أحمد محجوب؛ دبّر له بعض ممثلي الدول العربية، هجوما بالكلام، نفذه في قاعة المؤتمر، ممثل الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، المنجي سليم، الذي اعترض على حضوره، باعتباره ليس رئيس دولة ولا وزير خارجية لدولة عربية!

اختلف الأمر في العام 1967 عندما أصبحت التسوية مشروعا عربيا فلسطينيا. غير أن الرياح لم تجر مثلما اشتهت سفن فلسطين. فقد توالت الحلقات، من محاولة إلى محاولة، ومن تسويف إلى تسويف، وازدادت إسرائيل تشددا، وأخفق الفلسطينيون أنفسهم في إصلاح عرباتهم “لكي لا تسخر الطرقات منهم” حسب تعبير الشاعر محمود درويش، حتى وصلوا إلى مأزقهم الراهن، الذي يتوجب أن نتناول جوانبه وأبعاده، في سطور لاحقة!

9