جديد الصراع الطائفي اللبناني: مطران وحفنة من الدولارات

حزب الله يستغل قضية المطران موسى الحاج لتوجيه رسائله إلى البطريرك.
الجمعة 2022/08/05
حزب الله يستغل كل شيء لمصلحته السياسية

لا تزال قضية المطران الماروني موسى الحاج محور اهتمام اللبنانيين رغم الأوضاع السياسية والاقتصادية الحرجة في البلاد، فقد أدخلت هذه القضية البلاد في مواجهة طائفية جديدة أثبتت مدى تغلغل حزب الله في دواليب الحكم، ومدى فشله في تأمين الحاجيات الأساسية للشعب، حتى دفع الأمر إلى تدخل الموارنة لجلب مساعدات من “إخوانهم” المقيمين في إسرائيل، العدو الأول للبنان.

بيروت - تسير قضية المطران موسى الحاج، التي تعد أحدث أوجه المواجهة الطائفية في لبنان، إلى فرض مواجهة جديدة بين البطريركية المارونية والقضاء اللبناني الذي يرفض بإيعاز من حزب الله تلبية طلب البطريرك الماروني تنحية القاضي فادي عقيقي.

وكان رئيس الأساقفة اللبناني موسى الحاج نقل أكثر من 460 ألف دولار من إسرائيل إلى لبنان، فأصبح في قلب المواجهة الطائفية في البلد الذي يعاني أزمة حادة. ويمكن أن تمتد هذه القضية إلى السياسة الرئاسية، حيث يقود البلاد حسب المحاصصة الطائفية رئيس ماروني.

وضاعف الوضع حدة الخلاف بين معسكرين سياسيين قويّين: حزب الله اللبناني الشيعي والكنيسة المارونية.

عماد سلامي: حزب الله مصمم على إظهار أنه اللاعب السياسي الرئيسي

واحتجز ضباط الحدود اللبنانية رجل الدين لفترة وجيزة الشهر الماضي وصادروا 20 حقيبة مليئة بالنقود والأدوية، حيث أنه انتهك قوانين لبنان الصارمة ضد التطبيع مع إسرائيل.

ويقول معارضو حزب الله إن الجماعة المدعومة من إيران تسيطر على المؤسسات والأجهزة الأمنية اللبنانية وتستغلها لاستهداف الكنيسة المارونية. ويعدّ رئيس الأساقفة الحاج عضوا

بارزا في الكنيسة المارونية التي أصبح بطريركها وينتقد بشكل متزايد حزب الله المدعوم من إيران ونفوذه المتزايد في لبنان.

ورأى الكثيرون من المجتمع المسيحي في اعتقال رئيس الأساقفة هجوما على الكنيسة. وندد البطريرك الماروني بشارة الراعي في خطاب ألقاه أواخر الشهر الماضي بالإجراءات القانونية ضد الحاج ووصفها بأنها ملفقة، بحجة أن الأموال كانت للأعمال الخيرية. وطالب بإسقاط التهم واستقالة القاضي العسكري الذي يتولى القضية. وقوبل الراعي بحفاوة بالغة وتجمع المتظاهرون في الأسبوع التالي في مقر إقامته الصيفي دعما للكنيسة.

وتكمن وراء الخلاف عقود من العلاقات العدائية بين إسرائيل ولبنان. وكانت الدولتان في حالة حرب رسميا منذ تأسيس إسرائيل في 1948، وقد وضع لبنان قوانين صارمة لمكافحة التطبيع. ولا تزال الحدود بين البلدين مغلقة رغم أن لدى العديد من كبار رجال الدين المسيحيين اللبنانيين إذنا بالعبور في بعض

الأحيان لزيارة رعاياهم في إسرائيل والأراضي الفلسطينية والأردن.

وفي العشرين من يوليو احتجز عناصر حرس الحدود اللبنانية الحاج لمدة ثماني ساعات بعد عودته من إسرائيل ومعه 20 حقيبة من الأدوية والنقود. وقال إنه كان ينقل أموالا ومساعدات من المسيحيين اللبنانيين في شمال إسرائيل إلى أقاربهم في البلد الذي يعاني من ضائقة مالية. وصادر حرس الحدود الأموال والأدوية وهاتف الحاج وجواز سفره.

مهند الحاج علي: الطبقة السياسية تلجأ إلى الأسلوب القديم للاستقطاب الطائفي

ورأى مسؤولو حزب الله في عمل الحاج تطبيعا مع إسرائيل واتهموه بتسليم أموال من لبنانيين تابعين لميليشيا قاتلت ذات يوم إلى جانب إسرائيل.

وتقول إحصاءات غير رسمية إن حوالي 7 آلاف ماروني يعيشون في فلسطين بينهم نحو 3500 يقطنون في حيفا، إضافة إلى أن الموارنة يُعتبرون من أقدم سكان الناصرة حيث يعيش فيها حوالي ألف نسمة إلى جانب عائلات تسكن في القدس وعكا.

وانتقل الآلاف من اللبنانيين إلى إسرائيل بعد أن أنهت 18 عاما من احتلالها لأجزاء من جنوب لبنان في 2000. وكان العديد ممن فروا إلى إسرائيل مرتبطين بالميليشيا الرئيسية الموالية لإسرائيل في المنطقة، جيش جنوب لبنان، الذي انهار بعد أن انسحبت القوات الإسرائيلية.

ويمكن أن تكون للقضية تداعيات سياسية أوسع، قد تلقي بظلالها على الانتخابات القادمة.

وتعاني البلاد منذ شهور من عدم وجود حكومة تعمل بكامل طاقتها ومن المتوقع إجراء انتخابات رئاسية قبل نهاية أكتوبر. حيث يجب أن يكون الرئيس مارونيا في ظل نظام تقاسم السلطة الطائفي في لبنان. ويعدّ الرئيس ميشال عون حليفا لحزب الله، لكن انتقاد البطريرك الماروني المتزايد لحزب الله يشير إلى أنه لا يوجد ما يضمن أن الرئيس المقبل سيواصل التحالف معه.

وكان حزب الله وحلفاؤه يتمتعون في يوم من الأيام بأغلبية واضحة في البرلمان اللبناني، لكن الأمور تغيّرت منذ الانتخابات التي جرت في مايو، حيث يقف الآن على نفس المستوى مع بعض أشد خصومه، وأبرزهم حزب القوات اللبنانية المسيحي.

واحتشد معظم أعضاء البرلمان المسيحيين والمشرعين من الطوائف الأخرى المعارضين لحزب الله لدعم رئيس الأساقفة والكنيسة المارونية.

وقال إلياس حنكش، وهو مشرع مسيحي من حزب الكتائب “نتفق مع كل ما قالوه، سواء كانت دعواتهم لإقالة القاضي، أو الانتقائية في كيفية معاملة رئيس الأساقفة. لا ينبغي على مسؤولي حزب الله أن يكتفوا بتوجيه غضبهم نحو مسؤول ديني لإرسال رسالتهم إلى البطريرك”.

وقال عماد سلامي، وهو أستاذ علوم سياسية وشؤون دولية مشارك في الجامعة اللبنانية الأميركية، إن الكثير على المحك بالنسبة إلى حزب الله.

وتابع “نحن على وشك إجراء انتخابات رئاسية، وبعد ذلك يتعين علينا تشكيل حكومة جديدة، ووضع سياسة حكومية للتفاوض مع صندوق النقد الدولي. أعتقد أن حزب الله يريد إرسال جميع أنواع الرسائل في الوقت الحالي، وهو مصمم على إظهار أنه لا يزال اللاعب الرئيسي بين الجميع”.

ولم تعلق قيادة حزب الله. ونفى الزعيم حسن نصرالله في مقابلة أجريت معه مؤخرا نفوذ الجماعة في الأجهزة الأمنية والقضاء. وقال إن في لبنان قوانين، وإن الأجهزة الأمنية تتخذ إجراءات تجاه أي عميل أو متعاون محتمل.

وكان رئيس كتلة حزب الله في البرلمان محمد رعد أكثر وضوحا في تصريحاته، حيث قال إن تسليم رئيس الأساقفة للمال والأدوية كان تطبيعا، ووصفه بأنه “خيانة وطنية وجريمة”.

وقال شخص مطلع على قضية الحاج لوكالة الأسوشيتيد برس إن السلطات عرضت على المطران إعادة جواز سفره وهاتفه المصادرين، مع الاحتفاظ بأكياس النقود والأدوية، لكن رئيس الأساقفة رفض العرض ولن يحضر أي جلسات استماع.

وفي الآن نفسه، يتفاقم الفقر بين الملايين من اللبنانيين، وبالتحديد حوالي ثلاثة أرباع السكان. وأثّر انقطاع التيار الكهربائي وطوابير الخبز والتضخم على الأسر في جميع أنحاء البلاد الفسيفسائية المكونة من 18 طائفة دينية بعد عقود من سوء الإدارة الاقتصادية الشائنة وفساد الأحزاب الحاكمة في لبنان.

وقال مهند الحاج علي الزميل الباحث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، إن المواطنين يطالبون بالمساءلة والإصلاح. لذلك، فإن التوتر السياسي الخلافي قد يكون بمثابة غطاء دخاني ناجع.

وقال الحاج علي إن “الطبقة السياسية تلجأ إلى الأسلوب القديم للاستقطاب الطائفي وقد كان فعالا، وأعتقد أنه سيظل كذلك”.

◙ الوضع ضاعف من حدة الخلاف بين معسكرين سياسيين قويّين:حزب الله اللبناني الشيعي والكنيسة المارونية
◙ الوضع ضاعف من حدة الخلاف بين معسكرين سياسيين قويّين: حزب الله اللبناني الشيعي والكنيسة المارونية

7