جاكوميتي وأغراض اللذّة السحريّة

معرض يكشف تأثير الماركيز دي ساد على رؤية جاكوميتي للجسد.
الأحد 2019/12/15
سكين دي ساد على أجساد جاكوميتي

أعاد السورياليون في ثلاثينات القرن الماضي اكتشاف الماركيز دي ساد بعد أن بقي مَمنُوعاً حتى مطلع القرن العشرين، ولم ينظروا إليه بوصفه كاتباً إباحياً، بل فيلسوفاً يعمل ضد عقل التنوير وهيمنة المنطق، ويُحارب تنظيم العقل وحدوده الصلبة وينتصر للذة وميوعة الحدود واللاتفسير الناتجة عنها، وكان لنصوصه أثرٌ ما زال مستمراً حتى الآن، فمحاوراته في “المخدع” تقدم بديلاً شبقياً ومعرفياً لمحاورات فلاسفة اليونان، وعبر هذا الشكل الأدبيّ ينتقد دي ساد أساس المنطق القائم على الجدل، فلا صحيح ولا خاطئ، بل أشكال مختلفة من اللّذة التي لا حدود لأساليب الخوض بها أو اكتشافها.

أرسل ألبيرتو جاكوميتي عام 1933 إلى أندريه بريتون رسالة مختصرة جاء فيها “قرأت دي ساد البارحة، أثارت نصوصه اهتمامي الشديد”. تعكس هذه الرسالة علاقة جاكوميتي مع السورياليين في تلك الفترة، إذ انضم لعصبتهم وأنتج عددا من المنحوتات السورياليّة التي تنتمي لتيارهم الفكريّ، في ذات الوقت يمكن لنا تلمس أثر الماركيز الرجيميّ في أعمال جاكوميتي، الذي ابتعد في تلك الفترة عن تمثيل العناصر الطبيعيّة نحو أشكال أكثر تجريديّة، تختزن العنف والشبق واللحم المُستثار بأشكاله المُتنوعة، هذه الأعمال التي أنتجت بين عامي 1929 و1934 نراها في معرض “جاكوميتي/ ساد: أغراض الرغبة القاسية” الذي تقيمه مؤسسة جاكوميتي في العاصمة الفرنسيّة باريس.

قبل انضمام جاكوميتي للسورياليين عمل على بعض التخطيطات المستوحاة من النصوص الدينيّة، ومع تعرفه على دي ساد انقلب الأمر لتتحول منحوتاته وتخطيطاته إلى محاولة لاكتشاف ميوعة عالم الأحلام المشحونة بالرغبة والعنف، إذ نشاهد تكوينات بشريّة وأدوات تعذيب تعكس عنف الرغبة، كما نرى تخطيطات عن العري والبغاء والألم والتعذيب التي يتداخل فيها الحيواني مع البشري والنباتيّ، وكأن اللذة تميع اللحم وتصنيفه بين الأنواع.

تحولات العنف

تظهر العلاقة بين الأحلام واللذة في منحوتة برونزيّة لجاكوميتي بعنوان “امرأة نائمة تحلم” أنجزها عام 1929، وهنا يظهر البرونز طيّعاً أمام سيولة مفهوم الحلم الذي لا يمكن ضبطه. الأهم، أننا لا نستطيع أن نحكم بدقة على الشكل الذي تمثله المنحوتة دون أن نقرأ اسمها، إذ يتضح لنا بعد معرفة حكايتها أن الجسد أشبه بأمواج خالية من العظام كما في لوحات دالي، لكن جاكوميتي يكتفي بعناصر بَسيطة لخلق إيحاء بشكل الجسد لا أكثر من ذلك، إذ لا يحسم أمامنا معنى ما نراه، بل يترك الأمر كالحلم مفتوحاً على التأويلات.

يرى البعض أن أسلوب استخدام جاكوميتي للسكين لتكوين بعض منحوتاته الطينيّة مشابه للطريقة التي يستخدمها دي ساد لتعذيب ضحاياه في نصوصه، بل وقيل إن جاكوميتي تأثر بالتهم التي وجهت لساد حين قرأ عام 1933 محاضر محاكمة الماركيز بتهمة الاعتداء على بائعة هوى، ليبدو أسلوب حفر جاكوميتي لخطوط الجسد وفقئه للأعين كـ”تضحية” بالملامح على حساب الشكل العام.

فقدان العين أو إغماضها يعني الدخول إلى عالم الأحلام، المساحة التي تستثمر فيها السورياليّة وتراها نبعاً لا متناه تتداخل فيه الغرائز دون حد وكأن الوعي يحدق في ذاته ضمن الحلم وينتج ما يشتهيه من صور

يتداخل في منحوتة “المرأة المخنوقة ” التي أنجزها جاكوميتي عام 1932 الحيواني والنباتي مع الإنسانيّ وكأن الرغبة هنا لا فقط عتبة نحو الموت، بل نحو تفكك الأشكال والعلاقات بينها، وكأن هناك معركة بين الشكل المتماسك وذاك المائع، خصوصاً أن اللذة ومساحاتها لا تهدد فقط العالم، بل إدراك الفرد لنفسه، وكيفية وعيه بذاته وهنا تظهر “المرأة المخنوقة” كضحية عنف تمتزج فيه لذة لا ترى فيها وحدة متكاملة ذات شكل “نظامي”، بل كائناً هجيناً، أقرب لأرملة سوداء تريد التهام مغتصبها الذي قطع رأسها، هذا التحول الذي يظهر في موضوعات السورياليين أيضاً لا يُجنسن فقط جسد المرأة، بل يرى فيها كائناً خطراً قادرا على الفتك بمن يعاديه.

نتلمس فانتازمات الشبق في منحوتة “رجل وامرأة” التي قلص فيها جاكوميتي العلاقة بين الجسدين إلى شكل أيقوني يختزن جوهر الصراع بين الجنسين، في ذات الوقت يحيلنا إلى تكوينات سيلفادور دالي مرة أخرى، وكأن القوس وهدفه والمسافة بينهما محرك للذة التي لابد أن تنتهي بامتلاء ما، بشدة وارتخاء يبقيان على التوتر الذي يدلل اللذة ويدفعها بعيداً، لا فقط نحو موضوع رغبتها بل نحو العالم الذي يحوي احتمالات موضوعات جديدة، تفقد تكوينها أمام العين الشبقية الراغبة.

عين اللذة العوراء

من داخل المعرض
من داخل المعرض

عام 1931 أنجز جاكوميتي مجموعة من الأعمال باسم “أغراض متحركة وصامتة” عمد فيها إلى تقديم أشكال مجردة ومتداخلة تخاطب الذوق المنحرف والإحساس الإيروتيكي الدفين الذي يتحرك سراً في الرأس، وهذا ما نراه في منحوتة “غرض بشع للرمي بعيداً” والذي تكتسب انحناءاته وبروزاته معاني أخرى حين نذكرُ دي ساد، وكأن جاكوميتي يُقلص مساحات اللذة المحتملة التي يحويها الجسد، ويكثف لحظة اللمس ومكانها بوصفها تفتح فضاء كاملاً أمام اللذة كي تتكون.

تصنف المجموعة السابقة أيضاً ضمن مرحلة جاكوميتي السوريالية والتي تتضح آثارها في عمل “أَشرْ إلى العين”، إذ يستعيد أشهر الرموز السورياليّة وكيفية اختراقها أو ثقبها، كما في فيلم كلب أندلسي للوي بونويل وحكاية العين لجورج باتاي، فالمنحوتة تحاكي الخوف الدفين لدينا من أن تفقأ أعيننا، بسبب الرغبة التي قد تفقد الفرد بصره، في استعادة لأوديب الذي أعماه التحديق بغرض لذته، هذا الغرض الذي ما إن ينظر إلينا حتى يظهر موتيف فقء العين، أشبه بلعنة تصيب عين الشبق إن جابهت موضوعها، ما يعميها عن المستقبل.

الأهم أن فقدان العين أو إغماضها يعني الدخول إلى عالم الأحلام، المساحة التي تستثمر فيها السورياليّة وتراها نبعاً لا متناه تتداخل فيه الغرائز دون حد، وكأن الوعي يحدق في ذاته ضمن الحلم وينتج ما يشتهيه من صور، فهي حفرة الوعي والمنطق التي إن سدت انطلقت داخل سوادها شياطين اللاوعي والأحلام.

نشاهد أيضاً غرضاً آخر “غير محبب” ضمن المجموعة والذي استخدمه المخرج والفنان مان راي في واحدة من لوحاته، وعبره يمكن لنا أن نتلمس قدرة الرغبة والشهوة على إعادة تكوين تعريفات الأشياء من حولنا، وبالرغم من اسم المنحوتة وشكلها الغريب إلا أنها تبدو محط شهوة، في إحالة للتشويش الدلالي الذي تستطيع اللذة أن تولده، فتقسيمات جميل وقبيح، نظيف ووسخ، وغيرها تتلاشى أمام عمى الشهوة التي تلتهم ما تراه أمامها دون شبع.

14