ثقافة مفقودة

نجاح المجموعات الجنسية على فيسبوك دليلا على حاجة الشباب المصري إلى الثقافة الجنسية الصحيحة لنحمي بيوتا من الخراب وجيلا من الانحراف، خاصة أن العلاقة الحميمية ليست كتابا مقدسا.
الاثنين 2019/07/22
غياب الحوار يخلق مجالا للدخول من أبواب خلفية تفتح النار على مستخدميها

كيف أنجبتني يا أمي؟ ما هذا البارز أسفل ملابس أختي الكبرى، ولماذا هي وحدها لديها هذا الانتفاخ البارز؟ كل هذه الأسئلة وأكثر واجهتها الأمهات في سنوات أعمار أطفالهم الأولى، ثمة شعور بالاختلاف الجسدي يجده الطفل الذكر بينه وبين الطفلة الأنثى، ففي ملابس البحر كثيرا ما نجد صغارا تشغلهم جدلية الاختلاف تلك بين الجسدين.

وتتوالى الأسئلة عند مرور مشاهد القبلات وغيرها على شاشة التلفزيون، وتشكل الإجابات القمعية شعورا بالتحدي والرغبة في الاستكشاف، بيد أن النتائج دائما ما تكون في غير صالح الطفل ولا الأسرة، لما تجلبه من بحث عن طريق قنوات غير سوية، وغير شرعية، وتؤدي إلى الكثير من المشكلات التي يمكن تجنبها بالإجابة المقنعة المشفوعة بالدلائل العلمية، في الإطار الديني والعقائدي السليم، بمنهجية قويمة بعيدة عن الشطط والمغالاة.

غياب الحوار في بعض الموضوعات التي يعتبرها الأهل، والعرف المجتمعي، شائكة وأحد التابوهات التي لا يمكن الاقتراب منها يخلق مجالا واسعا للدخول من أبواب خلفية تفتح النار على مستخدميها وربما تدخلهم دوامات الهوس والمرض.

وهذا ما ينطبق على نواحي كثيرة في عالمنا، وبصفة خاصة، ما يعرف بالثقافة الجنسية الوسطية وحدود علاقة الشاب أو الفتاة بجسديهما.

جارتنا شابة حسناء مطلقة منذ ثلاث سنوات، قال لها زوجها مقولة جعلتها تفقد الثقة في نفسها فترة طويلة، قبل أن تستعيد توازنها. كانت تبحث عما ينقصها، لعلها تستطيع إعادته أو استعادة ثقتها بأنوثتها من جديد.

بحثت في مجموعات انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة فيسبوك، ووقعت فريسة لمبتز يبحث عن جاهل.

البداية واحدة في كافة المجموعات، أسئلة من عينة: هل أنت زوجة أم مطلقة أم أرملة؟ هل تبحثين عن متعة؟ أم عن شريك؟ أرسلي رسالة بصوتك للاطمئنان، وبعدها أرسلي صورتك لأعرف أبعاد جسمك، وتتوالى الأحداث في تشابه بين كل المجموعات.

وقعت ضحية الجهل والحرمان. وتعرضت بعدها لمحاولات ابتزاز واستغلال نفسي وجسدي. طالب متخصصون مرارا بوجوب حتمية تدريس الثقافة الجنسية في المدارس وإدراجها ضمن المناهج التعليمية سواء الأساسية أو الثانوية، حفاظا على أبنائنا من الولوج إلى أبواب خلفية قد تفتح عليهم ما لا طاقة لهم به.

انتشرت على صفحات مواقع الشبكة العنكبوتية الكثير من المواقع الإباحية التي تبث سمومها ليل نهار، وبالطبع ليست تحت أي رقابة؛ سواء رقابة الأهل أو الجهات الرقابية النظامية، لكونها تشكل عالما موازيا، سريا، يعمل بشكل احترافي، ويهرب من الرقابة بطرق مبتكرة.

ناهيك عن مجموعات الثقافة الجنسية المنتشرة الآن بمسميات عديدة، منها “جت في السوستة” للرجال، يتحدث بشكل مبالغ به ويغذي حالة الهوس الجنسي التي اجتاحت مجموعة كبيرة من الشباب جراء موجة الانفتاح التكنولوجي والتقني، والسينمائي على العالم بأثره، وتلك الهجمة الشرسة من أفلام المقاولات التي تعبث بالغرائز وتؤجج المشاعر وتشعل خيالات عن صورة مغلوطة بين الرجل والمرأة قائمة على العلاقات الجسدية فقط، كما لو كانت جميع الأهداف والرؤى التشاركية بينهما لا يحركها سوى ما بين الأفخاذ.

ويكشف رواج تلك المجموعات على فيسبوك بين الشباب من الجنسين عن حاجة ماسة للثقافة الجنسية الصحيحة، إذ كسبت مجموعة “جت في السوستة” اهتماما كبيرا بين الشباب. وتم استنساخ أكثر من صفحة بالاسم ذاته أو أسماء مشابهة، لترد عليه فتيات بمجموعة “جت في الكوبشة” مصحوبة بصورة الشعار لإحدى رافعات الصدر. ثم تتوالى المجموعات من أصلية، وتقليد، بوجود مجموعات موازية، وأخرى تكتب جملا جوفاء، من عينة “لسنا الأولين ولكننا متميزون” و”الجروب الأصلي، احذروا محاولي التقليد” كلمات كثيرة على هذه الوتيرة.

جميعها يتناول الكثير عن العلاقات الجنسية غير السوية: منها المثلية الجنسية والاستمتاع الذاتي والعادة السرية، ولا يضع محاذير لما يتم عرضه، فالمتعة غاية ووسيلة، لا يسعى القائمون على هذه المجموعات إلا لإشباع الرغبة الجنسية لدى أعضائها مهما كانت الطريقة، وبالقطع ليس بطرق سوية.

بيد أن هناك مجموعات قليلة تحاول الحفاظ على الحد الأدنى من الثقافة الجنسية ولكن جميعها يفتقد للمعلومة العلمية الصحيحة والموثقة، فكلها محاولات للإشباع الغرائزي فقط بعيدا عن أي قيم وأخلاقيات، فالخيال الجنسي المحض هو المحرك الرئيسي فيها، وكل مجموعة تُدلي بدلوها وبالطبع جميعها محاولات شبابية، وتجارب حياتية تفتقر إلى رأي متخصص وبعيدة كل البعد عن الجانب العقائدي.

تجذب هذه المجموعات فئة كبيرة من الشباب إلى جانب فئة عريضة من نساء متزوجات أو رجال يفتقدون لهذه الثقافة. تسعى المرأة في هذا الانضمام إلى اكتساب ثقافة مفقودة لديها، أو تعلم مهارات تساعدها في الحفاظ على زوجها من بنات الهوى.

ويظل الأمر في حدود المقبول من الأفعال إلى أن يصل إلى مرحلة الشراهة والهوس، بيد أن كثيرين أصابتهم هذه الشراهة بالفيتيشية الجنسية أو التوثين الجنسي (ساكشيال فيتيشزم) وهي حالة التقديس الأعمى، عبارة عن انحراف جنسي ونفسي لإشباع الرغبة الجنسية.

وأرى نجاح المجموعات الجنسية على فيسبوك دليلا على حاجة الشباب المصري إلى الثقافة الجنسية الصحيحة لنحمي بيوتا من الخراب وجيلا من الانحراف، خاصة أن العلاقة الحميمية ليست كتابا مقدسا، ولا تصلح أي تجربة لشريكين لباقي الأزواج في ظل التنوع الكبير للحياة الجنسية.

21