"ثقافة الدليفري" أمام امتحان صعب

مرحلة "الزمْ بيتك" ستغذّي الفنون والإبداعات الرقمية الوليدة من جانب مبدعين مغامرين جدد ستستهويهم التجربة بتوفير نوافذ للعروض المتنوعة في سائر المجالات.
الجمعة 2020/03/27
الأنترنت قد لا تخلق ثقافة حقيقية (لوحة للفنان ياسر أبو الحرم)

الحجر الصحي والبقاء في البيوت مرحلة جديدة تمر بها المجتمعات، ومن الأكيد تأثر الإبداع الأدبي والفني المكتوب والمسموع والمرئي بما يحصل، لذا بدأت تظهر ظاهرة “الدليفري الثقافي” والثقافة الإلكترونية، وهو ما يخلق رهانا جديدا أمام المبدعين، ويفتح باب التساؤل حول مدى تأثيرها الإيجابي والسلبي.

المسرح هو الجمهور، النحت هو استشفاف جماليات الكتلة في علاقتها بالفضاء المحيط، قراءة الكتب والصحف هي ملمس الورق الدافئ وعطور الأحبار التي لم تجف بعد، السينما هي شاشة العرض المجهزة المستقطِبة للحواس بمؤثراتها السمعية البصرية المتشابكة، الفنون الأوبرالية والموسيقية والأدائية والغنائية هي الهارموني والتراكيب الجماعية بتنويعاتها وتداخلاتها.

هكذا سائر الإبداعات التقليدية والمعاصرة والمستحدثة التي عطّلها فايروس كورونا المستجدّ، بصيغها الطبيعية “الدسمة”، فباتت لا خيار لها سوى التجسّدات الرقمية الأحادية وقنوات اليوتيوب والسوشيال ميديا عبر الإنترنت.

ثقافة الدليفري

أغلقت المطاعم أبوابها وفق قرارات العزل المجتمعي وحظر التجوال في مصر والعشرات من الدول، واستثنيت من هذا الحصار وجبات الدليفري التي تصل إلى مستهلكها حيث يقيم وقد فقدت الكثير من نكهتها وسخونتها وحميميتها وربما مواصفاتها، لكنها المأكل الوحيد الآمن، الملائم للظرف الاستثنائي القاهر.

في الثقافة والإبداعات والفنون الرفيعة كذلك، “التيك أواي” هو المتاح وحده تقريبا الآن، على أن يطلبه الفرد من منزله، دون القدرة على خطف زيارة إلى “كاشير” مطعمه المفضّل لطلب “الأوردر”، ولو على سبيل النوستالجيا، وتذكّر جلسات دافئة على هذا المقعد أو ذاك، قرب هذه الطاولة أو تلك.

“الزَمْ بيتك” أو “خليك في البيت”، شعار صحّي وقائي في الأساس، لكنه عنوان مرحلة بأكملها على سائر المستويات، بدأت قطاعات الثقافة والفنون والمعرفة والفكر وقوى الإنتاج الناعم في التكيّف بدورها للاندراج تحت هذه المظلة الإجبارية المفروضة، ومن ثم انفجرت خلال أيام قليلة مبادرات من كل حدب وصوب، أطلقتها المؤسسات الرسمية والأهلية والمستقلة ودور النشر وغيرها بعد تعليق الفعاليات الجماهيرية، بغرض بث المحتوى الثقافي والفني بصيغ رقمية، وفي “عروض أون لاين”، وما نحو ذلك.

ما فرصة نجاح “ثقافة الدليفري” في امتحان كورونا الصعب، وما المدى المتوقع لهذا النجاح، وحيّزه الفعلي على الأرض؛ لا الافتراضي كفضاء بث المحتوى الرقمي؟

وإذا كان ممكنا لفترة تمرير هذه التجارب في حقول الثقافة الخدمية غير الهادفة إلى الربح، والتنويرية بالمعنى التوعوي، المدعومة بالضرورة من جانب دول وكيانات فوقية، فماذا عن المنتج الثقافي والإبداعي الهادف إلى الربح، هل سيمكن تسويقه وتغطية تكلفة إنتاجه وفق هذه الآليات الجديدة؟

ثم يبقى السؤال الأهم: ما موقع هذه البدائل القائمة على التقنية من تعزيز الثيمات والظواهر الفنية والإبداعية الراسخة وتنميتها وتطويرها وفتح آفاق جديدة لها، من الوجهة الجمالية المجردة؟

العزل الاجتماعي

فرقة "مسار إجباري" تفتح نافذة للعروضها
فرقة "مسار إجباري" تفتح نافذة للعروضها

تخرج عن إطار هذا الطرح بالتأكيد الفنون والإبداعات الموصوفة بالرقمية والإلكترونية قبل ظهور الجائحة الراهنة، فهذه النتاجات ذات التاريخ القصير من قبيل الأدب الرقمي والرواية التفاعلية والتطبيقات الشعرية والسردية والموسيقية الملائمة للموبايل والكمبيوترات الصغيرة، وما إلى ذلك هي أنساق تأسست وتحسست مساراتها في التحقق والترسّخ التدريجي في ظل حياة طبيعية ودون تعطّل الأنماط الإبداعية التقليدية.

فقد ظهرت وانتعشت في وجود المسرح والسينما والمكتبات والدراما التلفزيونية وسائر القوالب المعروفة، ولها خصائصها المغايرة الملائمة لمنتجيها ومتلقيها ووسائط احتوائها ونشرها، وبالطبع فالعزل الجماعي الكائن يدعم انتشارها ويوسع دائرة جمهورها.

قد يزيد الالتفات إلى هذه الإفرازات الإبداعية الرقمية الوليدة من جانب مبدعين مغامرين جدد ستستهويهم التجربة، فإذ بهم يغادرون الأنماط السائدة إلى الصيغ الإلكترونية والتفاعلية، بالقياس إلى ما حدث مع رسّامي الكاريكاتير ومؤلفي أدب السخرية مثلا في ظل تأجج ثورات الربيع العربي قبيل حوالي عشر سنوات، حيث اتجه عدد كبير منهم إلى الكوميكس (القصص المصورة) والغرافيتي والبوب آرت، كما اتجه مسرحيون وراقصون وموسيقيون، وقتها، إلى فنون الشارع الحية.

ستغذّي مرحلة “الزمْ بيتك” الفنون والإبداعات الرقمية بالتأكيد، التي هي أصلا رقمية قبل هذه المرحلة القاسية، لكن الحديث الأساسي هنا عن هذا الطوفان الكاسح أو الهوس الكائن في تلك المبادرات والدعوات المنادية بأن كل الفنون والإبداعات ووجوه الثقافة من الممكن أن تطرق باب المتلقي الشغوف، المعتاد على الغذاء العقلي والوجداني والروحي، دون استشعاره خسارة معنوية تُذكر، أو أن يتكبد منتجو هذه الأصناف كلها خسائر مادية كبرى.

الطرح في هذا الإطار عبث يصل إلى الجنون بالتأكيد، خصوصا أن أيّا من هذه الفنون والإبداعات والمعارض والقراءات والحفلات التي بدأ سيل تدفقها “أون لاين” خلال الآونة الأخيرة لم يأخذ وقته بعد لكي ينسجم، وفق أي تعديل أو تطوير، مع قنوات البث التي لم يُبتَدَعْ ليُعرض من خلالها في الأصل، لكن الظروف هي التي دفعت إلى ذلك دفعا.

المجاز وحده، ربما أعطى مُطلقي المبادرات الجديدة، والمتفاعلين معها من المتفائلين، الحق في تبشير المواطنين بكسر الحصار، والتغلب على أزمة توقف الفعاليات الجماهيرية، والهدف نبيل بالتأكيد، هو التخفيف عن المعزولين، وإسعادهم في بيوتهم، وفتح نوافذ لانهائية لتذوّق مؤلفات ونشاطات ثقافية، تراثية وحديثة وكذلك حية “لايف”، من خلال “الدليفري” الساحر، فقدر من الإشباع أفضل من الحرمان الكامل.

إغراء المستهلكين

جاءت المبالغات حول الدور التعويضي لهذه المبادرات بهدف لفت الأنظار إليها، فلو خرجت بهدوء لما علم الكثيرون عنها شيئا، وهذا بدوره مفهوم ومقبول في إطار الحرص على ألا ينأى فرد عن الألوان الإبداعية والنشاطات التثقيفية التي يحبها ويتابعها، ولا يتصور حياته دونها، كما أن هذه السيولة المأمولة في تداول النتاج الثقافي والإبداعي، من الممكن أن تترجم لاحقا إلى أفكار تسويقية، للحد من خسائر بعض قطاعات الثقافة العريضة.

بدأت بالفعل دور نشر كثيرة في إغراء المستهلكين بعروض متميزة، تتضمن مثلا دفع اشتراك شهري منخفض نسبيّا نظير توصيل مجموعة من الكتب الجديدة إلى بيت المشتري كل شهر، إلى جانب عدة كتب قديمة كهدايا مجانية، وفتح باب التحميل الإلكتروني لكتب أخرى مجانية بصيغة “بي.دي.إف”، ومن الممكن مع الوقت أن تقاوم دور النشر تهاويها المنتظر بمثل هذه التكييفات الجديدة والعروض الواقعية المناسبة للطرفين: المنتج والمستهلك.

"ثقافة الدليفري" لا تقدم تعويضا عن المنابر المغلقة، ولا تسهم في التطوير النوعي لأي من الفنون

اهتمّت أغلب مبادرات “ثقافة الدليفري” بتوفير نوافذ للعروض المتنوعة في سائر المجالات، من قبيل: حفل فرقة “مسار إجباري” وتقديم أغنيات جديدة للمرة الأولى على يوتيوب (أون لاين)، مبادرة “الثقافة بين يديك” لبث حفلات الأوبرا والباليه وعروض مسرحية وموسيقية كلاسيكية، مواقع بث الأفلام القصيرة والوثائقية، جولات مجانية في المتاحف، إتاحة أمهات الكتب التراثية عبر الإنترنت لزيادة الحصيلة المعرفية وتشجيع القراءة من البيت، المعرض التشكيلي “فضاء إيجابي عن بُعد” في غاليري “تام” وتقديم أكثر من 300 عمل في عرض جماعيّ افتراضيّ، المسابقة الفنية للتشكيليين المصريين والعرب في غاليري “ضي” (أتيليه العرب للثقافة والفنون بالقاهرة) في مجالات الرسم والتصوير والغرافيك والنحت والخزف، وغيرها.

وطرحت بعض المبادرات أفكارا مختلفة، مثل مبادرة “المجلس الأعلى للثقافة” بالقاهرة تحت عنوان “اقرأ معنا”، وهي حلقات ثقافية “أون لاين” تتضمن اختيار أحد الكتّاب مقتطفات من نص إبداعي له (قصة، رواية، قصيدة)، ليقوم بقراءتها بصوته في فيديو مسجّل، ويذاع التسجيل على اليوتيوب والسوشيال ميديا مع فتح المجال للتعليقات من المتابعين لحظيّا، في ندوة متخيّلة.

وفق هذه الأبجديات كلها، لا تقدم “ثقافة الدليفري” تعويضا عن المنابر المغلقة، ولا تسهم في التطوير النوعي لأي من الفنون والإبداعات التقليدية، لكنها تخفف وحشة القطيعة بين جدران البيوت الصماء، وتحرك آمال المنتجين والمسوّقين نحو باب مستقبلي قد يُطرق لاحقا بمقابل مادي فيقلل الخسائر قدر المستطاع.

كما لا يُغفَل دورها في تقليص الخسائر المعنوية للقوة الناعمة التي شرعت تغازل المتلقي حيث كان، بكل همة، وبأفضل التقنيات المتاحة في الفضاء الافتراضي، بالتعاون مع مؤسسات  متخصصة في البث الرقمي عبر الإنترنت وتشغيل منصات السوشيال ميديا بجودة مقبولة، كي تكون الرسائل الأوّلية جاذبة، على الأقلّ من حيث الصوت والصورة، ثم يحدث التطوير المنشود.

15