تلوين الأفلام المصرية القديمة: آفاق التحديث وحدود التشويه

مبادرة المصري محمد الديب تجذب الشباب وتنفر المخضرمين.
الثلاثاء 2021/02/23
ألوان شبه طبيعية أساسها التكنولوجيا المتطوّرة

شكّلت نشأة المهندس المصري محمد الديب الذي ينتمي إلى عائلة فنية عريقة حافزا لإطلاق مبادرته الفريدة لتلوين أفلام الأبيض والأسود بجودة عالية، ساعده على تحقيقها عمله في مجال تكنولوجيا المعلومات. لكن المشروع على أهميته ظل محل جدل في الأوساط الفنية المصرية بين من يراه مواكبة منطقية لآخر الابتكارات التكنولوجية الحديثة وبين من يرفضه شكلا ومضمونا ويعتبره تشويها صارخا للتراث؟

القاهرة – تحنّ شريحة كبيرة من المصريين إلى رؤية الأفلام القديمة، باعتبارها رمزا لزمن جميل، ضمن معادلة “النوستالجيا” التي أصبحت سائدة في مناحي عديدة من الحياة، ليس لأنها تمثل فخرا واعتزازا بالماضي، بقدر ما تشي بهروب من واقع أليم، لَحق بمجالات مختلفة، بينها السينما المصرية، والتي قدّمت قائمة رائعة من الأعمال.

التقط المصري محمد الديب، وهو مهندس حاصل على دكتوراه في تلوين الأفلام بالذكاء الاصطناعي من جامعة غينت في بلجيكا، الخيط الرفيع، وعزم على إعادة تقديم مجموعة كبيرة من الأفلام برؤية عصرية، لم يقم الرجل بأكثر من نقلها من عصر الأبيض والأسود إلى عصر حافل بالألوان، لكن هذه الخطوة يرفضها البعض، لأنها تتسبّب في تشويه التراث، وتفقد الوثيقة الفيلمية قيمتها المادية.

خواريزمات متطوّرة

محمد الديب: التلوين بواسطة الذكاء الاصطناعي يعيد للأفلام القديمة رونقها
محمد الديب: التلوين بواسطة الذكاء الاصطناعي يعيد للأفلام القديمة رونقها

قال الديب لـ”العرب”، إن حصوله على دكتوراه في تلوين الأفلام، كان حافزا لتحقيق حلم حياته في تلوين الأفلام المصرية القديمة باستخدام تقنية الذكاء الاصطناعي، لإحياء التراث وجذب فئة من الأجيال الجديدة وصغار السن إليها، قد لا تروق لهم مشاهدة الأعمال الفنية غير الملونة، وتستهويهم التقنية الجديدة التي كانت تتمّ في الماضي بطريقة بدائية تستغرق أكثر من ثلاثة أشهر تقريبا للانتهاء من تلوين أكثر من 200 صورة، هي متوسط عدد الصور في الفيلم.

وأضاف، مع تطوّر “الخواريزمات”، وهي سلسلة من التعليمات الواضحة التي يتغذّى بها جهاز الكمبيوتر لحل المشكلات وتلوين الأفلام، نجح وزملاؤه في تقليص المدة الزمنية لتلوين الفيلم إلى ثلاثة أسابيع، تشمل فترة ترميم الفيلم القديم ثم تلوينه.

ولم يكن طريق “التقني كلر” لتولين الأفلام مفروشا بالورود أمامه، فقد قوبل برفض حاد من صناع السينما، خوفا من خسارة الربح الثابت الذي كانت تدرّه عليهم الأفلام القديمة، وظل أصحاب التقنية الجديدة يسبحون ضد التيار.

وشهد عام 1922 إنتاج أول فيلم ملوّن بالكامل، وهو إنتاج أميركي، بعنوان “قصة البحر”، ومن إخراج شيستر فرانكلين، وبطولة كينث هارلين، وأنا ماي، وونغ وبي، وحقّق نجاحا كبيرا، وبعدها بدأ يخفت نجم الأفلام الأبيض والأسود.

وأكّد الديب أنه نجح مع فريقه في تدشين مبادرة لتلوين 80 عملا فنيا، منهم 60 فيلما من الأفلام المصرية القديمة، مثل: “غزل البنات” بطولة نجيب الريحاني، و”ابن حميدو” بطولة إسماعيل ياسين، و”قصر الشوق” بطولة يحيى شاهين و”تمر حنة” للفنان رشدي أباظة، وبجانب عدد من المسرحيات الشهيرة التي أنتجت من عام 1937حتى 1973، مثل مسرحية “مدرسة المشاغبين”، بطولة عادل أمام، وبعض حفلات المطربة أم كلثوم، وجميعها تم تلوينها.

وتم عرض الكثير من الأعمال التي عولجت فنيا على صفحة الفريق، على فيسبوك وموقع يوتيوب، وحقّقت نسب مشاهدة مرتفعة بعد ساعات من عرضها، وفي الوقت الذي لقيت فيه ترحيبا، امتعض البعض منها بحجة أنها تسيء إلى التراث الفني، لكن الديب يثق في أهمية تجربته، ويصر على استمرار مشروع التلوين.

بين رفض وقبول

أفلام إسماعيل ياسين شملها التلوين الاصطناعي
أفلام إسماعيل ياسين شملها التلوين الاصطناعي

ينتمي الديب إلى عائلة فنية، فهو حفيد الفنانة المصرية جمالات زايد، وأشهر أفلامها “سر طاقية الإخفاء”، مع الفنان عبدالمنعم إبراهيم، وجده الفنان محمد الديب الذي ظهر كممثل مساعد في العديد من الأفلام، منها “لو كنت غني” مع الفنان بشارة واكيم.

وأوضح لـ”العرب”، أنه تملّكه فضول لرؤية أفلامهما القديمة بالألوان، وبدأ مشروعه، ووجد صدى جيدا من قبل زوار مواقع التواصل الاجتماعي، الذين شغفوا بصور فنانين مصريين قدامى تظهر أمامهم وهي ملونة.

وأشار إلى كيفية استخدام تقنية التلوين، قائلا “تمت تغذية الكمبيوتر بنموذج للذكاء الاصطناعي يميّز خمسين ألف لون، وبرامج تعلمه رؤية صور الأبيض والأسود وما يقابلها من ألوان أخرى باستخدام “خواريزمات” متطوّرة، تنجح في ترميم الأفلام، وتلونها بدقة متناهية، تتلافى فيها عيوب النماذج السابقة التي كانت تتعامل مع الصورة، متجاهلة اختلاف ألوان البيئة المصرية، فتظهر الألوان أقل دقة وأضعف جودة، وبها أخطاء في التلوين، فمثلا تظهر الطربوش في الأفلام القديمة باللون الأزرق أو الأسود، في حين أن لونه كان في مصر أحمر.

ولتلافي الأخطاء السابقة قام الديب بتغذية الكمبيوتر بنموذج أحدث من الذكاء الاصطناعي الخاص بالبيئة المصرية فقط، وتمكّن من التغلّب على صعوبة تحويل اللونين الأبيض والأسود الخاص بأزياء وملابس بعض الأفلام القديمة إلى الألوان، مثل تلوين فيلم “أمير الدهاء” بطولة الفنان أنور وجدي والفنانة نعيمة عاكف.

وجيه حسن: التلوين اعتداء صارخ على حقوق الملكية الفكرية لمنتجي الأفلام
وجيه حسن: التلوين اعتداء صارخ على حقوق الملكية الفكرية لمنتجي الأفلام

وجاءت النتيجة ذات طابع مختلف عن ألوان الأزياء الحالية، فأضافت قدرا من الحداثة، دون أي تعارض مع ألوان الأزياء الحقيقية في الحقبة التي كانت تدور فيها أحداث الفيلم، وظن البعض ممّن شاهدوه أنه تم تصويره بألوان حقيقية.

وأوضح الديب لـ”العرب”، أن اختيار الأفلام لتلوينها يتم بناء على رغبة الجماهير، ومن خلال استفتاء على صفحة “تلوين الأفلام” على فيسبوك، والأفلام التي يتم التصويت لها بأكثر الأصوات تحظى بأولوية في تلوينها.

وشهدت المحاولات الأولى لتقديم أفلام ملونة في السينما المصرية تقديم أول مشهد ملون في الفيلم المصري “لست ملاكا” بطولة محمد عبدالوهاب، إنتاج عام 1946، وبعدها توالى تلوين بعض الأفلام المصرية في فرنسا، منها “بابا عريس” إنتاج 1950، بطولة نعيمة عاكف وشكري سرحان، وبعد عام 1973 أصبحت معظم الأفلام المصرية بالألوان الطبيعية.

وذكر الديب، أنه بعد طرح الأعمال الفنية على صفحات التواصل الاجتماعي حقّقت نسب مشاهدة مرتفعة تجاوزت 2 مليون مشاهدة، لكن مازالت عقبة حقوق الملكية الفكرية للعمل قائمة، فمعظم هذه الحقوق ملك لشركات إنتاج كبرى.

وأضاف أن بعض الأعمال مرفوعة على يوتيوب، وتعود حقوقها لمن رفعها على قناته، فيتم تلوينها ورفعها مجدّدا على يوتيوب في حال سماح المسؤولين عن الموقع بذلك، أو تحميلها على صفحات خاصة على فيسبوك، ويعود المكسب المادي إلى الشركة المالكة للعمل، وليس لفريق التلوين.

ولفت إلى أن يوتيوب يرفض أحيانا مشاركة الفيلم، ويقوم بحذفه والاكتفاء برفع مقطع غنائي ملون منه، ويقوم الديب بالتواصل مع بعض الشركات المالكة لحقوق الملكية الفكرية لهذه الأعمال لإقناعها بعرض الأفلام التي يتم تلوينها على قنواتها أو بمعرفتها، ليشاهدها أكبر عدد من الناس.

واعتبر الناقد الفني وجيه حسن، تلوين الأفلام، “بمثابة اعتداء صارخ على حقوق الملكية الفكرية لمنتجي ومالكي هذه الأفلام، وفي حالة تحديثها وتلوينها يجب الاحتفاظ بنسخة أصلية غير ملونة منها”.

وقال المخرج عمرو كمال، تلوين الأفلام نوع من أنواع ألعاب الكمبيوتر، وعبث وجريمة ضد التاريخ الفني للسينما المصرية، لأن هذه الأعمال وثائق رسمية لا يجب المساس بها.

وطالب السيناريست فاروق صبري رئيس غرفة صناعة السينما، في تصريح لـ”العرب”، بدلا من تلوين الأفلام القديمة من الأفضل إعادة إنتاجها من جديد بالألوان بأبطال آخرين، كما حدث مع بعض الأعمال الفنية السابقة، مثل فيلم “عنتر بن شداد”، الذي قام ببطولته الفنان سراج منير، وكان بالأبيض والأسود، ولم يحقّق نجاحا يذكر، فأعيد إنتاجه بعد سنوات بأبطال آخرين، على رأسهم الفنان فريد شوقي، وكان هذه المرة بالألوان الطبيعية وحقّق نجاحا كبيرا عند عرضه.

ألوان شبه طبيعية أساسها التكنولوجيا المتطوّرة
ألوان شبه طبيعية أساسها التكنولوجيا المتطوّرة
ألوان شبه طبيعية أساسها التكنولوجيا المتطوّرة
تحديث يتواءم مع التكنولوجيا أم تشويه للتراث؟

 

16