تعديل التشريعات بمصر خطوة لاستعادة الإعلام مركزه كوسيط موثوق

مدراء مؤسسات إعلامية "متبرعون" من تلقاء أنفسهم لتلميع الحكومة.
الجمعة 2022/07/08
لا بد من إعلام حر عقلاني ومتزن

توحي إشارات متعددة صدرت عن جهات مصرية أخيرا بأن هناك تغييرات تنتظر المشهد العام على مستوى التشريعات وقضايا الحريات كمدخل لتحسين الصورة الإعلامية ورفع القيود المفروضة على الصحف والمواقع الإلكترونية والبرامج التلفزيونية، وهي إشارات استقبلها الوسط الإعلامي بالترحيب والتوجّس منها في آن واحد.

القاهرة - قال ضياء رشوان، نقيب الصحافيين المصريين والمنسق العام للحوار الوطني قبل أيام، في تصريحات له ردا على مدى شمولية الحوار للشق الخاص بالصحافة والإعلام وحرية التعبير إنه ستتم مناقشة كل المقترحات التي تقدم بها صحافيون ونقابات والمتعلقة بالحريات الإعلامية والتعديلات التشريعية المطلوبة في هذا الملف.

وهناك شبه اتفاق بين الأحزاب السياسية والقوى المدنية على صعوبة إجراء حوار وطني شامل بين الحكومة وشخصيات وكيانات مختلفة دون التوصل إلى اتفاق بشأن ملف الحريات وإجراء تعديلات على التشريعات المكبلة لوسائل الإعلام لتصبح صوتا لكل الفئات والتيارات طالما أن الاختلاف يتم على أساس وطني.

ويعاني الإعلام المصري من فجوة في التشريعات والنصوص القانونية ومدونات السلوك المهني ومواثيق العمل المعنية وتطبيقها، واتسعت هذه الفجوة بعد محاصرة وسائل الإعلام بجملة من الخطوط الحمراء التي لا يجوز لأبناء المهنة والعاملين فيها تخطيها، وتم تكريس مفهوم الاصطفاف الإعلامي خلفها واختيار قيادات ومسؤولين يطبقون المفهوم ذاته حتى فقدت الكثير من المنابر تأثيرها ومصداقيتها وجماهيريتها.

طلعت خليل: النصوص القانونية لم تعد تتواءم مع الظروف الراهنة

ويرى خبراء في مجال الإعلام أن الحريات السياسية تتأسس على نظيرتها الإعلامية، ولا يمكن وجود تعددية حزبية أو رقابة إعلامية على أداء المسؤولين قبل تعديل التشريعات التي تحظر النقد وتمنع توجيه اللوم إلى أي مؤسسة رسمية.

وقال طلعت خليل، الأمين العام لحزب المحافظين، لـ”العرب” إن “إجراء تعديلات جذرية على التشريعات الإعلامية يجب أن يصبح أولوية قصوى للحكومة، فلم يعد ممكنا إذا أرادت الدولة إجراء حوار وطني أن يظل تناول الإعلام لقضايا بعينها من المحظورات أو يخشى الإعلامي التواصل مع رموز بعض الأحزاب المعارضة”.

وأضاف أن “الحريات الإعلامية تبدأ من تعديل النصوص القانونية التي لم تعد تتواءم مع الظروف الراهنة، لذلك سيكون هناك تمسك بضرورة تكريس حرية الرأي والتعبير كنوع من إثبات حسن النوايا بشأن جدوى ومصداقية الحوار الوطني، لأن الناس في الشارع أصبحوا شغوفين بإعلام يتحدث باسمهم وينقل صوتهم إلى صناع القرار”.

وطالما استمر الإعلام المصري أسيرا لرؤى وقناعات الحكومة بطلب مباشر منها أو بتبرع من المسؤولين عن المؤسسات الإعلامية، فإن المنظومة برمتها سوف تظل كما هي دون تغيير، وبالتالي لم يعد هناك بديل عن تغيير المشهد الإعلامي عبر إرادة سياسية قوية، على أن تتم في البداية الاستعانة بأصحاب الخبرات.

وتبدو أزمة الإعلام المصري أكبر من مجرد إعادة النظر في تشريعات ونصوص قانونية؛ فهي متشعبة ولها علاقة مباشرة بطبيعة الجهات التي تدير وتمتلك المؤسسات الإعلامية نفسها، وتصطفّ نسبة كبيرة من العاملين في حقل الإعلام خلف الحكومة بمعايير مختلة والكثير منهم لا يؤمنون بالحريات بذريعة خطورتها الأمنية.

ويُدرك الكثير من أبناء المهنة في مصر ذلك؛ فالشاب أحمد علي -وهو اسم مستعار لصحافي بموقع إلكتروني تابع لمؤسسة صحافية قومية (حكومية)- أصبح مقتنعا بأن الحوار الوطني إذا وصل به الحال إلى إلغاء كل النصوص القانونية المرتبطة بالحريات ليجعل التعبير عن الرأي غير محدود ولا سقف له فسوف تبقى الأزمة قائمة.

وترتبط مبررات الشاب الصحافي في حديثه لـ”العرب” بأن الجهة المالكة لأغلب وسائل الإعلام يصعب أن تسمح بحرية القول تماما، لأنها في النهاية جزء من منظومة الحكومة والكثير من المسؤولين عن إدارة المؤسسات الإعلامية يبالغون في التمجيد وتحسين الصورة دون أن يُطلب منهم ذلك.

ويؤمن الشاب بأنه لا سبيل لتكريس الحريات الإعلامية إلا بتغيير الوجوه المسؤولة عن إدارة المنظومة والمؤسسات والاستعانة بكفاءات وخبرات تعج بها الكيانات الإعلامية لكنها مستبعدة، وإذا تم نسف التشريعات المكبلة للحريات فسيصبح هناك إعلام صادق وقوي ومؤثر.

أزمة الإعلام المصري تبدو أكبر من مجرد إعادة النظر في تشريعات ونصوص قانونية؛ فهي متشعبة ولها علاقة مباشرة بطبيعة الجهات التي تدير وتمتلك المؤسسات الإعلامية نفسها

وخسرت الحكومة الكثير بسبب انهيار صورة الإعلام في نظر الشارع بعدما أصبحت بلا وسيط موثوق فيه ولا منابر إعلامية تقنع الناس بحقيقة الإنجازات والتحديات، وشعور الناس بأن الإعلام أداة تحركها الحكومة وقتما تشاء وكيفما تشاء عندما يمجد أو ينتقد، لأن التمجيد أو الانتقاد قد يكونان مطلوبيْن لتحقيق أهداف معينة.

وقال حسن مكاوي أستاذ الإعلام في جامعة القاهرة إن “إعادة النظر في التشريعات الإعلامية جزء من تحسين الصورة وتطبيق المهنية المفقودة، لكن المشكلة ترتبط ببعض الوجوه التي شاخت في مواقعها، فهناك من لفظهم الناس وآخرون ينشدون التقرب من الحكومة ويطبقون التكميم ولو كانت هناك حرية نسبية”.

وأشار في تصريح لـ”العرب” إلى أن “هناك فهما خاطئا لما يريده الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي من الإعلام، فهو لا يرغب في سيطرة الصوت الواحد على المشهد، ويبحث عن إعلام حر عقلاني ومتزن ومقنع ويتناول القضايا بطريقة احترافية من حيث التعمق والتحليل والتفسير وعبر وجهات نظر رصينة”.

وطالما استمر خلط الكثير من الوجوه والمسؤولين عن منظومة الإعلام بين دعم الرئيس كشخص ودعم الدولة كهدف أهم فسوف تظل هناك مشكلة قائمة لا تمحوها إعادة النظر في التشريعات، لأن العبرة بفهم طبيعة الإعلام الذي تريده الحكومة، فهي تبحث عن الأصوات الوطنية وليس الهدامة.

وأكد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في مناسبات عديدة انفتاحه على ما يقوله المصريون عنه عبر منصات التواصل الاجتماعي ولو كان يتضمن انتقادات حادة، ولا يغضب من ذلك لإدراكه أنه من الصعب أن يتحد حوله الجميع، لكن إشكالية المنابر الإعلامية لا تزال تكمن في أنها غير مقتنعة بذلك وترى أن ترويج الإنجازات هو السبيل لنيل رضاء السلطة.

وتبدو الهيئات المنظمة للإعلام كأنها تتنافس مع بعضها البعض، وكل منها يعمل في جزر منعزلة عن الآخر، فهناك نقابة الصحافيين ونقابة الإعلاميين والهيئة الوطنية للصحافة والهيئة الوطنية للإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وكل هؤلاء لديهم رؤى مغايرة لطبيعة عمل الإعلام والأدوار المطلوبة منه.

وأمام هذا المشهد يظل التسويق لتعديل التشريعات الإعلامية محاولة لتحسين الصورة أو إجراءً شكليّا لا علاقة له بطبيعة الأزمة التي تعاني منها المنظومة برمتها، وحتى لو أكدت النصوص الجديدة على الحريات ورُفعت القيود فقد تتحول إلى حبر على ورق إذا استمرت الوجوه والعقليات وأهل الثقة على حالهم.

16